آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


-
مقدمة الدراسة
عندما هممت بالدفاع عن الخليفة المأمون واجهتني إشكالية كبرى أجدها تعترض العقل بوجه عام ألا وهي:
إذا تجذرت في العقل فكرة ما سوف تراه كالمغناطيس يجذب كل الظروف الداعمة لتأكيد تلك الفكرة ويهمل ويصد الحالات التي تثبت العكس..
إذ أن العقل قادر على تشويه صورة الواقع ليصبح ملائما ومطابقا لوجهات نظره في الأشياء والأحداث والوقائع التاريخية، ومن ثم يجب علينا أن لا نغمت حق الشخصية التي نتناولها ونجعل الهوى هو المسيطر علينا..
صعوبة مهمة المؤرخ
والحق أنها مهمة صعبة أن تستكشف حقيقة الظالم من المظلوم، والغالب من المغلوب، والهادي والضال في هذه الدولة التي لعبت فيها الأقلام والألسنة دورًا عظيمًا، ولولا ما جنحنا إليه من الاطلاع على شتى المصادر، وقضينا في ذلك تمهيدًا طويلًا ودرسًا مملًّا مُتعبًا، فطالعنا أقوال الأحزاب المتضاربة، ووازنَّا بين كلمة هذا ودفاع ذاك لما كنا بالغين بعض ما بلغناه من إماطة اللثام عن بعض الحقائق التاريخية.
ولقد اعتمدت في هذه الدراسة على أمهات الكتب وكثير من المراجع المشهورة عند أهل السنة والشيعة فانتقيت منها ما يتماشى مع طبيعة العقل وتسلسل الأحداث متجاوزا عن الإسهاب المخل ولقد اعتمدت على نقل النصوص بذاتها دون الإشارة إلى المرجع -إلا ما ندر- على أنني سوف أثبتها في نهاية الدراسة وذلك حتى لا أقطع تسلسل الأحداث على القارئ والذي يستطيع بسهولة تمييز النص الأصلي عن أسلوبي الكلامي. وقبل أن نبدأ في العرض والتحيل من المهم الوقوف على الحقائق التالية:
أولاً: خطر نظام ولاية العهد وأثر البطانات
لننظر نظرة عجلى في تاريخ هذا النظام لنقنع بما وصلت إليه بحوثنا، فنرى مثلًا أن مروان بن الحكم جعل ولاية العهد من بعده لابنه عبد الملك بن مروان، ثم من بعده لابنه عبد العزيز بن مروان، ومهما يكن الباعث لمروان على أن يجعل ولاية العهد لولدين من أولاده، فإن جُلَّ خلفاء بني أمية من بعده اتخذوا صنيعه سنة متبعة. سنرى في كلامنا عن العصر العباسي إلى أي مدًى كان خطر هذا النظام على حياة الدولة، أو على الأقل مبلغ ما فيه من ضعف لها، وإيذان باضمحلالها، واضطراب لحبلها.
لم يكن هذا النظام شرًّا مستطيرًا وعاملًا كبيرًا من عوامل الضعف؛ إلاَّ لما يستلزمه من نكث العهد، ثم من انشقاق البيت المالك على نفسه، وترك المجال واسعًا لوشايات تسعى بها بطانات السوء ممن نرجو أن نصوِّر مثَلهم ومثَل صنيعهم السيئ ومثَل خطرهم على الدولة، حين نعرض للكلام عن عصر المأمون وما شجر بين الأخوين من خلاف، أو ما أذكته البطانة بينهما من خلاف — هذه البطانة ترقب دائمًا انشقاق البيت المالك، أو ما هو مُركَّب في الطبيعة البشرية وولاة العهد من ترقُّب لتسلُّم مقاليد الأمور، وتعجل للذة الحكم والسلطان، فتستغله لتقضي مآربها، وتستمتع بأطماعها، وسرعان ما تجد الفرصة سانحة لها، ومواتية لأطماعها إذا صار الأمر إلى ولي العهد الأول الذي حاول ما هو طبعي من خلْع من أُشرك معه في ولاية العهد؛ إما كراهية له، أو إيثارًا لغيره عليه ممن هم أمسُّ منه رحمًا، وأقرب مودة.
نعم، قد يجد ولي العهد كثيرين من الناصحين الذين يستنكرون الخلع، بيد أنه لا يعدم أيضًا كثيرين ممن هواهم مع غير هذا الذي يراد خلعه يُزيِّنون له ما يحاول، حتى إذا صار الأمر إلى مَن أريد خلعه كافأ كلًّا من الفريقين بما يستحق — وكان أحيانًا يُفتَك بكثير من ذوي البلاء الحسن في تشييد الملك؛ وهذا الفتك على ما فيه من خسارة قوم من ذوي الرأي والتجارب قد كان يبذر في قلوب أنصارهم وعشائرهم بذور الحقد وحب الانتقام — وبذلك صار بنو أمية يفقدون العشائر عشيرة بعد عشيرة، وأخذ ظلُّ سلطانهم على النفوس ينحسر شيئًا فشيئًا، حتى إذا قام لهم منافس عظيم لم يجدوا لديهم من القوة والكفايات والأنصار ما يستطيعون به التغلب عليه.
لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة هريدى المصرى في المنتدى حقائق حول عيسى عليه السلام
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 29-11-2014, 03:01 PM
-
بواسطة ابو اسامه المصرى_1 في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 08-03-2012, 02:55 AM
-
بواسطة فريد عبد العليم في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 13-12-2009, 02:00 AM
-
بواسطة محمد ابوقاسم في المنتدى الرد على الأباطيل
مشاركات: 5
آخر مشاركة: 08-02-2009, 02:54 AM
-
بواسطة kholio5 في المنتدى مشروع كشف تدليس مواقع النصارى
مشاركات: 22
آخر مشاركة: 07-05-2008, 02:47 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات