المرتبة الثانية: إن عدمت النية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها.
مثاله: قيل لرجل: اذهب معنا نسافر إلى بلاد كذا فقال: البلد الفلاني والله لا أسافر إليه ؛ لعلمه أن هذا البلاد لا تحكم شرع الله ولكثرة المنكرات فيها، فقيل له: إن الوضع قد تغير، وهي الآن تحكم بشرع الله وقد أزيلت منها المنكرات، فلو سافر ليس عليه شيء.
المرتبة الثالثة: فإن عدمت النية وسبب اليمين وما هيجها رجع إلى التعيين، فإذا تعيّن شيء تعلق الحكم به على أي صفة كانت، إلا أن ينوي ما دام على تلك الصفة.
مثاله: قال: والله لا أكلم هذا الصبي. فصار شيخاً فكلمه فإنه يحنث بتعيينه فإذا قال: إنما قصدت ما دام على صباه ثم صار شيخاً فإنه لا يحنث؛ لأن النية مقدمة على التعيين في هذه الحالة.
المرتبة الرابعة: فإن عدم ذلك كله رجع إلى ما يتناوله الاسم، والرجوع فيه يكون أولاً إلى المسمى الشرعي ثم اللغوي ثم العرفي.
مثاله: قال قائل: والله لأصلين الآن قبل أذان العشاء، ثم مد يديه إلى السماء يدعو حتى أذن العشاء، قلنا له: لماذا لم تصل؟ قال : أنا صليت؛ فهذا يحنث؛ لأن كلامه يحمل على المعنى الشرعي. صحيح أن الصلاة في اللغة الدعاء، لكن نحن- المسلمين- يحمل كلامنا على المعنى الشرعي.
كفارة اليمين، وبكم تقدر:
كفارة اليمين المنعقدة إذا حنث فيها الحالف، هي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة مسلمة، فمن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام متتابعة.
أولاً: صفة الإطعام:
الصفة الأولى: إما أن يصنع طعاماً أو يشتري لهم فيطعمهم جميعاً منه، وهذا جائز بخلاف من قال باشتراط التمليك في الإطعام.
الصفة الثانية: ويراد بها التقدير، وهي أن يعطي كل مسكين كيلو وربع الكيلو من الأرز أو القمح أو ما يقوم مقامهما من الطعام فيكون الجميع 12.5 كيلوجراماً. ويحسن في هذه الحالة أن يجعل معه ما يؤدمه من لحم أو دجاج أودهن أو نحو ذلك، وبه يتم الإطعام.
ثانياً: الكسوة:

بين الله تعالى أنها نوع من الأنواع التي تتم بها الكفارة غير أنه لم يرد دليل شرعي يبين القدر الواجب من الكسوة، ولذا اختلف أهل العلم في قدرها، والذي يظهر- والله أعلم- أن المرجع فيها إلى عرف كل بلد بحسبه. ففي بلادنا مثلاً تكون الكسوة بثوب وغترة وطاقية أو ما ينوب عنها. أما السراويل والفنايل فليست بلازمة ولكنها من الكمال، وفي كثير من البلاد العربية يكفي قميص وبنطال، وفي الهند وما شابهها يكفي إزار ورداء، وهكذا المرجع في الكسوة لكل مكان بحسبه.
ثالثاً: تحرير رقبة:
هذا هو النوع الثالث من أنواع الكفارة، ودليله آية تكفير الأيمان، ولكن هل يشترط كون الرقبة هنا مؤمنة، رجح بعض العلماء عدم الاشتراط، ولكن الأحوط أن يعتقها الحالف مؤمنة، فإن أخرجها كافرة هل تجزئه؟
هذا محل نظر عند أهل العلم.
رابعاً: وهو صيام ثلاثة أيام متتابعات لا انقطاع بينها.
وينبغي أن يعلم أن العدول إلى الصوم لا يكون إلا بعد عدم القدرة على ما سبق، فكفارة اليمين جمعت بين الترتيب والتخيير، فالتخيير فيما سبق أي هو مخير بين الإطعام والكسوة وتحرير رقبة، فإن تعذر ذلك رجع إلى الصوم.
لكن هل يشترط التتابع في الصيام؟
قولان لأهل العلم أرجحهما وجوب التتابع، وذلك لقراءة أُبي بن كعب وابن مسعود رضي الله عنهما في قوله كفارة اليمين: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعة)).
مسألة: إذا قطع صيامه هل يلزم إعادة ما صامه لاشتراط التتابع؟
الجواب: اعلم أن القاطع للتابع لا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون له عذر شرعي: كالمرض والسفر والحيض والنفاس والعيدين وجهل ونسيان، ونحو ذلك من الأعذار الشرعية.
فهذه لا يلزمه إعادة ما صامه، بل عليه استكمال صيامه، فإن صام يوماً ثم أفطر لمرض أو سفر ونحوه مما ذكر فعليه استكمال ما تبقى من صيام.
الثانية: أن يفطر لغير عذر شرعي: وفي هذه الحالة انقطع تتابعه باتفاق الأئمة لعدم تأديته المأمور به على الوجه الشرعي، فإذا صام يوماً ثم أفطر لغير عذر وجب عليه إعادة هذا اليوم ليكون صومه متتابعاً.
مسألة: من مات ولم يكفِّر عن يمينه فهل يشرع لوليه أن يكفر عن يمينه؟
الجواب: اختلف أهل العلم في هذا الحكم، ولكن الصحيح- والله أعلم- أنه يلزم وليه أن يكفر عنه من ماله، فإن كان للمتوفى مال وجب على وليه التكفير عنه بالإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة، فإن لم يكن له مال صام عنه وليه أو غيره في أصح أقوال أهل العلم، وهل ذلك على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ محل خلاف بين أهل العلم.
مسألة: متى تسقط الكفارة عن الحانث؟
الجواب: أولاً: اعلم أن أهل العلم اختلفوا في سقوط الكفارة عن الحانث مع الإعسار.
فذهب الجمهور إلى عدم سقوطها واستقرارها في ذمة الحالف، وذهب الإمام أحمد في رواية عنه أنها تسقط مع الإعسار وهذا هو الصحيح؛ إذ لا تكليف إلا بمستطاع، والمشقة تجلب التيسير، قال الله تعالى [ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا] (البقرة: 286).
ثانياً: تسقط الكفارة عن الحانث إذا كان معسراً، كأن يكون فقيراً لا يستطيع أن يطعم أو يكسو أو أن يحرر رقبة، وكذلك بأن يكون كبيراً أو مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه، فهنا تسقط عنه الكفارة بالصوم، والله أعلم.