المطلب الثاني

الروابط القانونية للمجتمعات المختلفة

ويقوم القانون بتنظيم العلاقات أو الروابط القانونية للمجتمعات المختلفة، وتتكون هذه العلاقات أو الروابط القانونية من ثلاثة عناصر:
أشخاص العلاقة القانونية، موضوع العلاقة القانونية، نسبة موضوع العلاقة القانونية إلى أشخاصها.
فإذا كانت عناصر العلاقة أو الرابطة القانونية وطنية ضمن نطاق دولة واحدة فلا نكون بصدد تنازع القوانين، وبمعنى آخر لا تثور مشكلة تنازع القوانين لأن العلاقة القانونية بجميع عناصرها يحكمها قانون دولة واحدة.
ولكن قد تتصل علاقة قانونية خاصة بعنصر أو أكثر من عناصرها بأكثر من قانون واحد كقانون الجنسية وقانون الموطن وقانون محل انعقاد العقد، وينتج عن هذا تعدد القوانين التي هذا تتزاحم وتتنازع فيما بينها لحكم العلاقة القانونية، التي لا بد وأن تكون خاضعة لأحد القوانين ويدعى ذلك بتنازع القوانين، قد يرتبط الأجانب في دولة ما فيما بينهم أو فيما بينهم وبين أبناء الدولة التي وجدوا فيها بعلاقات قانونية.
ولذلك تعقدت العلاقات القانونية بين الناس وتنوعت القواعد القانونية التي تحكمها، وأصبحت معرفة تلك القواعد ليست بالأمر اليسير في كل حين، لأن لكل مجتمع من هذه المجتمعات نظامه القانوني الخاص به وله سلطته الخاصة التي تسهر على إدارة شؤونه، ويظهر بشكل واضح إذا تعلق الأمر بأكثر من مجتمع بالنظر لاختلاف الدول في درجة تطورها وظروفها وبالتالي في أنظمتها. هذا الاختلاف بين قوانين الدول وأنظمتها سيثير بدون شك نزاعا فيما بينها كلما اتصلت علاقة قانونية أو مركز قانوني بدولة أو أكثر.
إن حل مشكلة تنازع القوانين يتم عادة بواسطة إعمال قواعد معينة تسمى قواعد تنازع القوانين أو قواعد الإسناد ويمكن القول إن قواعد الإسناد هي القواعد القانونية التي ترشد القاضي إلى القانون الواجب التطبيق على العلاقات القانونية ذات العنصر الأجنبي.
وقواعد الإسناد على هذا النحو هي قواعد وضعها المشرع الوطني لاختيار أكثر القوانين المتزاحمة ملاءمة لحكم العلاقة الخاصة المتضمنة عنصرا أجنبيا وأكثرها إيفاء بمقتضيات العدالة من وجهة نظره، فقواعد الإسناد تهدف إذن إلى وضع أكثر الحلول المناسبة من وجهة نظر المشرع لحكم العلاقات الدولية الخاصة، ويكون حل النزاع بترجيح أحد القوانين المتنازعة وتفضيله سواء أكان وطنيا أو أجنبيا ويتم ذلك بالرجوع إلى قواعد تنازع القوانين من حيث المكان (قواعد الإسناد) التي يضعها المشرع الوطني وعلى مصادر القانون الدولي الخاص الأخرى عند افتقاد النص لتعيين القانون الواجب التطبيق ويفض النزاع بإسناد العلاقة القانونية إليه ليحكمها، وذلك بما يعرف بالقانون الدولي الخاص والذي هو مجموعة القواعد القانونية التي تحدد القانون الواجب تطبيقه أو المحكمة المختصة في نزاع مشوب بعنصر أجنبي ويندرج تحت هذا الفرع من القانون موضوعات هي تنازع الاختصاص التشريعي، تنازع الاختصاص القضائي، الأحكام المتعلقة بتنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية، الأحكام المتعلقة بالجنسية والموطن والمركز القانوني للأجانب.
وتتميز قواعد تنازع الاختصاصين التشريعي والقضائي بأنها ليست أكثر من قواعد إسناد، وليست قواعد موضوعية لحل النزاع، فهي تشير إلى القانون الذي سيتم حل النزاع استنادا لأحكامه سيتم حل النزاع أو المحكمة التي ستتولى النظر في هذا النزاع.
ولقد تطورت أحكام القانون الدولي الخاص مع تطور الفكر القانوني، وشيوع الوقائع والعلاقات المختلطة بين الوطنيين والأجانب، والحاجة لتحديد أكثر القوانين ملائمة لحل النزاع الناشئ عن علاقات أو وقائع مختلطة.
هناك جدل بين المفسرين حول العصر الذي حدثت فيه قصة سيدنا يوسف ففي حين يري بعض المفسرين أن القانون السائد في مصر آنذاك هو قانون فرعون، يري البعض أن ذلك مغالطة تاريخية، لأن الحقبة الزمنية التي جرت فيها أحداث قصة سيدنا يوسف كانت في عصر آخر غير عصر الفراعنة كما هو محقق في دراستي المعنونة (النبي يوسف عيه السلام- الإعجاز اللغوي والقصصي والتاريخي، تحت عنوان إعجاز تاريخي في سورة يوسف عليه السلام).
ورغم أن أبرز موضوعات القانون الدولي الخاص تتعلق بالقانون الواجب التطبيق والمحكمة المختصة في النزاعات " الخاصة " المشوبة بعنصر أجنبي إلا أن بعض الموضوعات الأخرى لا تتعلق بنزاعات " خاصة " بين الأفراد، وذلك عندما تكون الدولة بوصفها سلطة ذات سيادة طرفا في العلاقة كما هو الحال في المسائل المتعلقة بالجنسية والمركز القانوني للأجانب وكذلك القانون الواجب تطبيقه والمحكمة المختصة في النظر بالجرائم المرتبطة على إقليمها.
في الثاني من أكتوبر 2018، أعلنت تركيا أن جمال خاشقجي، الصحفي السعودي والمقيم في واشنطن والكاتب في صحيفة الواشنطن بوست والمعارض للنظام السعودي، قد قتل بعد دخوله مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول، وأنه تم فصل رأسه عن جسده وتقطيع جثمانه في مكتب القنصل العام، وأن الذي قام بهذا العمل فريق أمني محترف ورسمي أعد العدة خصيصا لارتكاب هذه الجريمة، وجاء إلى إسطنبول في طائرتين من القاهرة ودبي، وكان مع الفريق منشار ومواد كيماوية مذيبة للجسد.
هذه الوقائع تطرح العديد من المسائل القانونية، حتى قبل أن تعلن تركيا التفاصيل النهائية لحادث الاغتيال.
في هذه النقطة يفترق القانون عن الشريعة الإسلامية؛ فالقانون الذي وضعه البشر يسمح بإفلات من يشاء، ولكنه وفقا للشريعة فهو يريد أن يفتدي بمن أمرهم بالقتل، فلا يتوفر الأساس الشرعي لقتلهم، ويصبح قتلهم جريمة جديدة تضاف إلى جرائم الجانب السعودي. فعدم حسم القضية بصدق يصيب أبرياء كثرا.
على أن معاقبة المنفذ لا تغني عن معاقبة الآمر؛ لأن بداية الخيط في الجريمة هو الأمر بالقتل، ولا يمكن فك الارتباط بين الآمر والمنفذ عندما يكون المنفذ رسميا ومن الموظفين العموميين الذين يفترض أنهم يلتزمون بتعليمات الآمر، حتى ولو كان قتل الخصوم. وهذا قد يجوز في القانون السعودي، ولكنه ليس جائزا في الشريعة؛ لأنه في الشريعة لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا يمكن تفسير سلطة ولي الأمر في الإسلام بأنها تشمل القتل والتمثيل والتوحش الإجرامي، فقد كان يكفي أن يتم إخراج الضحية من الحياة إلى الموت دون تعذيبه أو التمثيل بجثته؛ لأن حرمة الموت تأبى هذه التصرفات المشينة.
وعلى الجانب الآخر، قد ترى السعودية أن القاتل سعودي والمبنى سعودي، وأن القضاء والقانون السعودي يسودان ويمنعان القانون القضائي التركي. وهذا زعم - إن صح - يخرج تماما عن إطار القانون الدولي في أي عصر.
حيث القضية بدأت دولية ولا تملك السعودية حصرها في إطار سعودي؛ لأنها ببساطة تمت على أرض أجنبية، حيث تنادى غير المتخصصين بأن البعثة سعودية في مبنى تملكه السعودية، وتمتد إليه السيادة السعودية، وهذا خطأ فادح، فالمبنى ملك للسعودية والأرض للسيادة التركية، فلا تملك السعودية سوى التصرف في المبنى بيعا أو ترتيبا، أما ما يقع فيه من جرائم فيختص به القاضي التركي.
ومعنى ذلك، أنه ليس هناك تنازع في الاختصاص القضائي، إنما هناك القضاء التركي الوحيد المختص.