المطلب الثاني

اللُغةُ العِبْرِيَّةُ (بالعبرية: עברית' عِڤْرِيتْ) من لغة البدو الرحل إلى لغة الدولة:
الثابت تاريخيا أن فترة تواجد يعقوب عليه السلام وبنيه في مصر كانت في (1991-1786) ق.م، والتي هي فترة تواجد يوسف عليه السلام..
كما أنهم هم البدو الرحل – قال تعالى: (.... وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ....) يوسف: ١٠٠ - وصفة العبرانيين ما هي إلا تسمية تطلق على كل القبائل والمجموعات والأفراد الذين ينتقلون من مكان إلى آخر طلباً للكلأ والماء ، وفي سبيل ذلك يقطعون الفيافي والقفار والصحارى ، والأنهار ، وهذه التسمية إنما هي صفة تطلق على كافة الأقوام التي تقوم بهذا التحرك ، لتحقيق الغايات والأهداف التي ينشدونها ، وعليه فإن لفظة العبرانيون أو العبيرو أو الخبيرو ما هي إلا صفات ، ولا تدلل على الانتماء إلى شعب من الشعوب ، أو أنها تكوّن شعباً من الشعوب ، سواء كان ذلك في الجزيرة العربية ، أو بلاد ما بين النهرين أو في مجاهل أفريقيا ، أو أمريكا اللاتينية ، أو أوربا أو أيّ جزء من العالم .
أما إطلاق تعبير (لغة) على العبرية، فهي من باب التجاوز، لأنه لا توجد لغة عبرية، وإنما هي إحدى اللهجات الكنعانية، ولم يتحدث بها اليهود إلا لفترة قصيرة جداً، فلغة الآباء (إبراهيم وإسحق ويعقوب)، إنما كانت لهجة ساميّة قريبة من العربية أو الآرامية، أما العبرية القديمة التي يصعب إطلاق هذه التسمية عليها في المرحلة الأولى من تاريخها، فلم يتوفر لها أسباب الاستقلال اللغوي أو التمايز اللهجي.
كيف كانت لغة التفاهم بين يوسف وإخوته:
حينما دخل إخوة يوسف عليه استطاع يوسف عليه السلام التعرف عليهم، لكنهم لم يعرفوه نظراً للتغير الكبير الذي حصل في مظهره وملابسه المصرية.
(وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ) وبحسب القصة القرآنية كيف خاطبهم يوسف عليه السلام:
( .... قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ * فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ) يوسف:59- 60. وهو يتحدث بلغة غير لغتهم؟..
بالتأكيد حدث هذا من خلال ترجمان بينهما، فهو مصري وعزيز مصر ويتحدث بلغة المصريين القدماء..
وعندما أراد يوسف عليه السلام التأكد من إحضارهم شقيقه بنيامين - أصغر أبناء يعقوب - فطلب منهم إبقاء أحدهم رهينة عنده حتى يرجعوا بأخيه.
وتقول الرواية التوراتية إن يوسف خاطب اخوته قائلا: «إن كنتم أمناء فليحبس أخ واحد منكم... وانطلقوا أنتم وخذوا قمحاً لمجاعة بيوتكم. واحضروا أخاكم الصغير إليَّ، فيستحق كلامكم ولا تموتوا».
عندئذ تذكر الأسباط ما فعلوه بيوسف عندما ألقوه في البئر رغبة في التخلص منه «وقال بعضهم لبعض حقا إننا مذنبون إلى أخينا الذي رأينا ضيقة نفسه لما استرحمنا ولم نسمع، لذلك جاءت علينا هذه الضيقة.. وهم لم يعلموا أن يوسف فاهم، لأن الترجمان كان بينهم. فتحول عنهم وبكى».
انتبهوا لهذه الفقرة «وهم لم يعلموا أن يوسف فاهم، لأن الترجمان كان بينهم. فتحول عنهم وبكى».
ذكرني هذا الموقف بحادثة ظريفة حدثت معي يعرف تفاصيلها كل من هو قريب مني دعوني أحكيها لكم:
كنت عائداً من أمريكا وذلك اثناء إحدى رحلاتي إلى الخارج على متن طائرة لوفتهانزا، ونزلت ترانزيت في ألمانيا انتظارا للطائرة المتوجهة إلى الإسكندرية حيث كنت أجلس في مقاعد الانتظار والتي كانت عبارة عن كراسي متقاربة مرصوصة في حلقة دائرية، صادف جلوسي بجوار ألماني ينتظر طائرته المتجهة إلى دبي وتناولنا سويا أطراف الحديث باللغة الإنجليزية. جاءت أسرة مصرية مكونة من سيدة معها بناتها الثلاث وأزواجهن وجلسوا في المقاعد المواجهة لنا مباشرة.. وكانوا يتحدثون على راحتهم.. ثم جاء موعد رحيل الرجل الألماني وتركني وحيدا، وفجأة وجهت الأم سؤالاً لبناتها وهي تشير إلىّ بإماءة منها لهن فقالت:
الخواجة اللي قاعد قدامكم ده يشبه مين عندنا في مصر؟..فراحت كل واحدة منهن تذكر ما يعن لها في خيالها.. وفجأة قاطعهم أحد الأزواج قائلاً:
اسكتي انت وهي.. دا يشبه (فلان الفلاني- وزير ثقافة مصري- آنذاك) واستكمل كلامه قائلاً: وتلاقوه (كذا كذا مثله) وهذه الكذاءات كلمة قبيحة كان يُنعت بها.. فراحوا يضحكون وتعالت ضحكاتهم بطريقة ملفتة للنظر.. هم لا يعرفون أنني مصري اسكندراني وابن بلد.. فما كان مني إلا أن أخرجت من حقيبتي كتاباً باللغة العربية ورحت أقرأ فيه.. وما حدث بعد ذلك من ردة الفعل عليهم حينما شاهدوا ذلك الفعل مني متروك لخيالكم خصوصا حينما عرفوا أنني متوجه إلى الإسكندرية على متن نفس الرحلة.. هذا الموقف تذكرته لحظة لقاء يوسف بإخوته وهم ينعتونه بالسرقة.
(قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) يوسف:77... فأبديتها لهم.
فعائلة يوسف عليه السلام من البدو وكانوا يتحدثون بلهجة غير مصرية فتحدثوا فيما بينهم وقد أساءوا إليه ظانين أنه لا يفهم لغتهم فهو كان يتحدث معهم وبينه بينهم ترجمانا..