سابعا : بيان تدليس المنصر الكذوب في شرحه لحديث (( فر من المجذوم )) .
اقتبس المنصر المدلس من كتاب شرح سنن ابي داود رحمه الله لابن رسلان حيث نقل من كتاب الطب الصفحة 698 ما ذكره الشارح بصيغة التمريض كاحدى اسباب الامر بالفرار من المجذوم و حاول ايهام القارئ بان هذا هو السبب الوحيد و هذا كذب محض لان الشيخ ابن رسلان قال في نفس الصفحة وبالحرف الواحد :
(( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((فر من المجذوم فرارك من الاسد )) و هذا محمول على الاستحباب و الاحتياط فبهذا يجمع بين الحديثين ))
ويؤيد هذا ما قاله ابن رسلان في الصفحة 676 اثناء شرحه لحديث (( لاعدوى )) حيث ذهب الى ما ذهب اليه جمهور اهل العلم في شرح الحديث من ان المرض بعينه لا يؤثر و لكنه تقدير الله
ثم استدل المدلس من ما ذكره محقق كتاب امتاع الاسماع للمقريزي في هامش الصفحة 25 الجزء الثامن و قد دلس و بتر هذا المنصر سياق الكلام حيث ان المحقق نقل اقوال اهل العلم في الجمع بين حديث : (( لا عدوى )) و حديث ((فر من المجذوم )) و اكتفى المنصر بنقل الراي الاول و الثاني ثم الاشارة الى الراي الاول (وهو الراي القائل بان الفرار من المجذوم يكون استعطافا لحال المجذوم ) و كانه الراي الوحيد و لم ينقل بقية الاراء التي في هامش الصفحة 26 و منها الراي الخامس الذي اتفق عليه جمهور العلماء !!!!
و اما الدليل على ان الراي الخامس هو راي جمهور العلماء نقرا ما قاله الامام النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم كتاب السلام باب لا عدوى و لا طيرة و لا هامة و لا صفر و لا نوء و لا غول :
(( [2221] وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُحَدِّثُ بحديث لاعدوى وَيُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضا أنه قال لايورد ممرض على مصحح ثُمَّ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ اقْتَصَرَ عَلَى رِوَايَةِ حديث لايورد ممرض على مصح وأمسك عن حديث لاعدوى فَرَاجِعُوهُ فِيهِ وَقَالُوا لَهُ إِنَّا سَمِعْنَاكَ تُحَدِّثُهُ فَأَبَى أَنْ يَعْتَرِفَ بِهِ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ الراوي عن أبى هريرة فلاأدرى أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَهُمَا صَحِيحَانِ قَالُوا وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أن حديث لاعدوى الْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ مَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَزْعُمُهُ وتعتقده أن المرض والعاهة تعدى بطبعها لابفعل الله تعالى وأما حديث لايورد مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ فَأُرْشِدَ فِيهِ إِلَى مُجَانَبَةِ مَا يَحْصُلُ الضَّرَرُ عِنْدَهُ فِي الْعَادَةِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْرِهِ فَنَفَى فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الْعَدْوَى بِطَبْعِهَا وَلَمْ يَنْفِ حُصُولَ الضَّرَرِ عِنْدَ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِعْلِهِ وَأَرْشَدَ فِي الثَّانِي إِلَى الِاحْتِرَازِ مِمَّا يَحْصُلُ عِنْدَهُ الضَّرَرُ بِفِعْلِ اللَّهِ وَإِرَادَتِهِ وَقَدَرِهِ فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَصْحِيحِ الْحَدِيثَيْنِ وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ ))
ومن كتاب الاداب الشرعية لشمس الدين المقدسي بينما نقرا من نفس المصدر باب في الطيرة والشؤم والتطير والتشاؤم والتفاؤل
(( فَيُحْتَمَلُ أَنَّ حَدِيثَ «لَا يُورِدْ بِكَسْرِ الرَّاءِ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» وَهُوَ فِي الْمُسْنَدِ، وَالصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْسَ لِلْعَدْوَى بَلْ لِلتَّأَذِّي بِقُبْحِ صُورَةٍ وَرَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ.
وَالْأَوْلَى أَنَّ حَدِيثَ «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ» نَفْيٌ لِاعْتِقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ يُعْدِي بِطَبْعِهِ وَلَمْ يَنْفِ حُصُولَ الضَّرَرِ عِنْدَ ذَلِكَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ، فَيَكُون قَوْلُهُ «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» إرْشَادًا مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إلَى الِاحْتِرَازِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَزَعَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْخَبَرَ الثَّانِيَ مَنْسُوخٌ بِخَبَرِ " لَا عَدْوَى " وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ.))
ثم استدل المنصر بحديث : ((لا تديموا النظر الى المجذومين )) و هذا الحديث على الصحيح لا علاقة له بالفرار فما دخل امر عدم النظر بالامر بعدم القرب !!!!!
واوضح ذلك الامام بن حجر رحمه الله حيث فصل بين الحكمة من الامرين حيث قال في فتح الباري كتاب الطب باب الجذام :
((وَسَاقَ حَدِيثَ فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ فِي أَمر المجذوم بِالرُّجُوعِ وَحَدِيث بن عَبَّاسٍ لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إِلَى الْمَجْذُومِينَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَمَرَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا نَهَاهُمُ إِنْ يُورِدَ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ وَخَشْيَةَ أَنْ يُصِيبَ بَعْضَ مَنْ يُخَالِطُهُ الْمَجْذُومُ الْجُذَامُ وَالصَّحِيحَ مِنَ الْمَاشِيَةِ الْجَرِبُ فَيَسْبِقُ إِلَى بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَدْوَى فَيُثْبِتُ الْعَدْوَى الَّتِي نَفَاهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُمْ بِتَجَنُّبِ ذَلِكَ شَفَقَةً مِنْهُ وَرَحْمَةً لِيَسْلَمُوا مِنَ التَّصْدِيقِ بِإِثْبَاتِ الْعَدْوَى وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا قَالَ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَكْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْمَجْذُومِ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ وَسَاقَ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنْ إِدَامَةِ النَّظَرِ إِلَى الْمَجْذُومِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِأَنَّ الْمَجْذُومَ يَغْتَمُّ وَيَكْرَهُ إِدْمَانَ الصَّحِيحِ نَظَرَهُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ قَلَّ مَنْ يَكُونُ بِهِ دَاءٌ إِلَّا وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ اه وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ احْتِمَالًا سَبَقَهُ إِلَيْهِ مَالِكٌ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ مَا سَمِعْتُ فِيهِ بِكَرَاهِيَةٍ وَمَا أَدْرِي مَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ شَيْءٌ ))
ثم ان الحديث الذي استدل به مختلف على صحته فقد ضعفه ابن حجر رحمه الله في فتح الباري شرح صحيح البخاري كتاب الطب باب الجذام :
(( وَلَكِنَّهُ قَالَ لَا عَدْوَى وَقَالَ فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ قَالَتْ وَكَانَ لِي مَوْلًى بِهِ هَذَا الدَّاءُ فَكَانَ يَأْكُلُ فِي صِحَافِي وَيَشْرَبُ فِي أَقْدَاحِي وَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِي وَبِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ تَرَدَّدَ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فَيُؤْخَذُ الْحُكْمُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ وَبِأَنَّ الْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ فِي نَفْيِ الْعَدْوَى كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ بِخِلَافِ الْأَخْبَارِ الْمُرَخِّصَةِ فِي ذَلِكَ وَمِثْلُ حَدِيثِ لَا تديموا النّظر إِلَى المجذومين وَقد أخرجه بن مَاجَهْ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ وَمِثْلُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَفَعَهُ كَلِّمِ الْمَجْذُومَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَيْدُ رُمْحَيْنِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ بِسَنَدٍ وَاهٍ وَمِثْلُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِمُعَيْقِيبٍ اجْلِسْ مِنِّي قَيْدَ رُمْحٍ))
واما استدلاله بشرح سنن ابن ماجه لحديث ((لا تديموا النظر )) فانه لا علاقة لما يرمي اليه اذ ، و كما قلنا ، ان الامر بعدم النظر لا يسقط الامر بعدم الاقتراب فشتان في اللفظ بين هذا وهذا ان قلنا بصحة حديث ((لا تديموا النظر )) وقد سبق ان نقلنا المصادر الكثيرة على ان حديث ((فر من المجذوم)) يحمل على الاخذ بالمسالك التي جعل الله خلالها اسباب الوقاية بمشيئته و اذنه و تقديره
نقرا ما قاله السيوطي رحمه الله في شرحه لسنن ابن ماجه باب اتباع السنة :
(( قَوْله لَا عدوى لاخ هَذَا الحَدِيث يُعَارضهُ الحَدِيث الثَّانِي وَهُوَ لَا يُورد ممرض على مصحح وهما صَحِيحَانِ فَيجب الْجمع بَينهمَا فَأَقُول يُمكن الْجمع بِأَن يُقَال ان فِي حَدِيث لاعد وَبَيَان ابطال مَا كَانَت الْجَاهِلِيَّة تعتقده أَن الْمَرَض يعدي بطبعها لَا بِفعل الله تَعَالَى وَفِي الحَدِيث لَا يُورد الخ إرشاد الى الِاحْتِرَاز مِمَّا يحصل الضَّرَر عِنْده فِي الْعَادة بِفعل الله تَعَالَى وَقدره لَا بطبعها ))
يتبع










رد مع اقتباس


المفضلات