

-
المبدأ الثالث
تخويل الأمة حق عزل الحاكم.
بينا فيما سبق أن الإمامة تنعقد بناء على عقد يختار فيه الشعب الإمام أي الحاكم ويلتزم له بالطاعة في مقابل التزام الحاكم بالإشراف على شئون الأمة وقيادتها في الطريق التي رسمتها الشريعة وينبني على هذا المنطق أن الحاكم الذي لا يقوم بالتزاماته أو يخرج على حدودها فليس له أن ينتظر من الشعب السمع والطاعة، وعليه هو أن يتنحى عن مركزه لمن هو أقدر منه على الحكم في حدود ما أنزل الله، فإن لم يتنح مختاراً نحّاه الشعب واختار غيره.
وهذا الذي يقتضيه المنطق هو نفس حكم الشريعة الصريح، جاء به القرآن وأمر به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وعمل به الخلفاء الراشدون من بعده، فالله جلّ شأنه يأمر بطاعة أولي الأمر في حدود ما جاء به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيقول عز شأنه: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا] النساء: 59
والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).. ويقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنما الطاعة في المعروف).. ويقول في ولاة الأمور: (من أمركم منهم بمعصية فلا سمع له ولا طاعة).
وبعد موت الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اختار المسلمون أبا بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ خليفة عليهم فكانت أول خطبة يقولها تطبيقاً دقيقاً لهذه النصوص حيث قال: (أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم)..
وولي عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ أمر المسلمين بعد أبي بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَُ فكان حريصاً على إظهار معاني هذه النصوص وتثبيتها في الأذهان، خطب يوما فقال: (لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقاً وغرباً فلن يعجز الناس أن يولوا رجلاً منهم فإن استقام اتبعوه وإن جنف قتلوه)..
فقال طلحة: وما عليك لو قلت وإن تعوج عزلوه..
قال عمر: لا.. القتل أنكل لمن بعده.
وإليكم مثالاً لمساواة الحاكم أمام القانون في الإسلام.
هذه هي مبادئ الشريعة جاءت بها في وقت كانت فيه سلطة الحاكمين على المحكومين سلطة مطلقة، فلم تكن الشريعة حين قررت هذه المبادئ تأتي بما يلائم الجماعة ويصلح لحالها وإنما جاءت بالمبادئ لأنها ضرورية للشريعة الكاملة الدائمة من ناحية، ولترفع بها مستوى الجماعة وتدفعهم نحو الرقي من ناحية أخرى..
فالمبادئ إذن شرعت للتكميل والتوجيه.. وهذه هي النصوص التي تقوم عليها المبادئ جاءت عامة إلى آخر حدود العموم، مرنة إلى آخر حدود المرونة بحيث تنطبق في كل زمان ومكان ولا تضيق بما يمكن أن يستجد من حالات..
وقد سبقت الشريعة الإسلامية بمبادئها كل القوانين الوضعية في تقييد سلطة الحكام، وتعيين الأساس الذي تقوم عليه علاقة الحاكمين بالمحكومين، وفي تقرير سلطان الأمة علة الحكام، وأول قانون وضعي اعترف بعد الشريعة بسلطان الأمة علة الحكام هو القانون الإنجليزي، وكان ذلك في القرن السابع عشر بعد أن قررت الشريعة نظريتها بأحد عشر قرناً، ثم جاءت الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر وعلى أثرها انتشر هذا المبدأ في القوانين الوضعية.
إن الشريعة الإسلامية تجعل الحد بين الحاكمين والمحكومين محوره وأساسه هو مراقبة الله سبحانه وتعالى عليهم والذي هو واضع والمبادئ ويبقى التقنين على عباده..
لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة صاحب القرآن في المنتدى فى ظل أية وحديث
مشاركات: 76
آخر مشاركة: 21-06-2015, 12:43 AM
-
بواسطة ابوغسان في المنتدى اللغة العربية وأبحاثها
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 26-11-2014, 06:23 PM
-
بواسطة فريد عبد العليم في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 13-03-2010, 02:00 AM
-
بواسطة ياسر سواس في المنتدى المنتدى العام
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 16-02-2010, 10:39 PM
-
بواسطة نسيبة بنت كعب في المنتدى منتدى الصوتيات والمرئيات
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 08-09-2007, 12:22 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات