المبحث الثاني
نظام الحكم الإسلامي بين الشّورى والديمقراطية
موضوع (نظام الحكم الإسلامي بين الشّورى والديمقراطية) يهدف إلى بيان المقصود بالديمقراطية في المجتمعات المعاصرة، وعقد مقارنة بينها وبين حقيقة الشّورى في النظر الإسلامي بقصد الوصول إلى الموقف الإسلامي من الديمقراطيّة، وبيان إمكانيّة تبنيها في المجتمعات الإسلاميّة المعاصرة.. وما حدود ذلك وشروطه والآليّات اللازمة له، في إطار يركز على بيان الحكم الشرعي المعتمد، من منطلق أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ وبيان المقصود منه اعتماداً على النصوص والتطبيقات المتعلقة بالموضوع وعلى حرص الشريعة على تحقيق مصالح العباد، وفق ما بيَّنه علماؤنا في مباحث مقاصد الشريعة والمصالح المرسلة والاستحسان والعرف.
وتأتي أهمية البحث في هذا الموضوع من منطلق التوجّه العالمي إلى تبني الديمقراطيّة، عنواناً لاستقرار المجتمعات الإنسانيّة وتقدّمها، وبخاصّة في مجال الحياة السياسيّة، والمحافظة على حقوق الإنسان وحرياته.. بحيث بات تبنّي الديمقراطيّة مطلباً عالمياً تركز عليه حركات الإصلاح في المجتمعات المعاصرة، وأصبح الموقف منها مقياساً لمدى تقدم المجتمع ونهوضه، ومعياراً للحكم على صلاح النظم والمذاهب والحركات والتجمّعات والأحزاب السياسيّة.
ومن الأهمية بمكان أن نلاحظ أنّ الحكم على نجاح الأفكار والمفاهيم الديمقراطية بات يركز على صيغها وآلياتها وآثارها ونتائجها، ولا يهتم بأسسها الفلسفيّة، وما كانت عليه مفاهيمها في البداية أو في إطار النظم والفلسفات الأخرى، ومن هنا فإنه من المهم الوعي على هذه النقطة لأهميتها في تسهيل الحكم عليها من الناحية الشرعيّة،
حيث يبادر العديد من الباحثين المهتمين بدراسة هذا الأمر إلى القول بتحريم الأخذ بالأفكار والمفاهيم الديمقراطيّة بالنظر إلى أسسها الفلسفيّة، باعتبارها مصطلحاً غربياً طارئاً على الثقافة الإسلاميّة، له مدلولاته الخاصّة في الثقافات المغايرة.. وأنّ الأخذ بها قد يؤدي إلى الخلط بين الفلسفات والنظم، واستيراد المضامين غير الإسلاميّة، وليس فقط الأخذ بالصيغ والآليّات.
ويمكن تشبيه ما يدور حول استخدام لفظ الديمقراطيّة في الفكر والواقع الإسلاميين المعاصرين بما دار حول استخدام لفظ الاشتراكيّة في منتصف القرن الماضي، فقد سمى بعض الباحثين ما قدمه الإسلام من معالجة لمشكلات الفقر وتوزيع الثروة والدخل وتحقيق العدالة الاجتماعيّة في الإسلام باشتراكيّة الإسلام، ورفض بعضهم هذه التسمية واعتبرها خطراً يهدّد الفكر الإسلامي المعاصر، لأنه يؤدي إلى دخول بعض المفاهيم الغريبة عن الإسلام في هذا الفكر (انظر اشتراكية الإسلام، د. مصطفى السباعي حيث ناقش هذا الموضوع وعرض لحجج المانعين والموافقين وانتهى إلى ترجيح هذا الاستخدام، ص 6 – 8 .).
وعلى ضوء هذا كله فإنّ هذا المبحث سوف يهتم ببيان الأمور التالية:
1ـ المقصود بالديمقراطيّة في المجتمعات المعاصرة، وعلاقة ذلك بأصولها الفلسفيّة، بهدف بيان إمكانيّة فصلها بصيغها وممارساتها المعاصرة عن أصولها الفلسفيّة.
2ـ حقيقة الشّورى في النظر الإسلامي، وأدلتها وتطبيقاتها ومقارنتها بالصيغ الديمقراطية المعاصرة.
3ـ الحكم على الصيغ الديمقراطيّة المعاصرة من وجهة نظر إسلاميّة، وبيان كيف يمكن للتطبيق الإسلامي المعاصر أن يتبنى هذه الصيغ وينتفع بها، دون إخلال بالمبادئ والقواعد الإسلاميّة.
وأخصص لكل أمر من هذه الأمور مبحثاً مستقلاً.