الرد على السؤال رقم 13: جاء في سورة الأعراف 163 ..." وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ... إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ ... إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ... وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ ... كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ " ... ثم قال الناقد: ومعنى هذا أن الله أوصى بني إسرائيل أن يستريحوا من أعمالهم للعبادة يوم السبت ... وجعل الحيتان تأتي ظاهرة يوم السبت لإغرائهم بصيدها ... وتختفي باقي أيام الأسبوع ... فكيف نتصوّر إلهاً يجرّب عباده بالشرور ... ويسهّل لهم العصيان بإظهار الحيتان يوم السبت ؟؟؟ مع أن الإنجيل يقول: " لَا يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللّهِ ... لِأَنَّ اللّهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ ... وَهُوَ لَا يُجَرِّبُ أَحَداً (بالشرور) ... وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِهِ " (يعقوب 1: 13 و14).
الرد على سؤال السيد الناقدبداية نذهب للتفسير الميسر لنفهم معنى الآية التي ذكرها الناقد ... " أي واسأل أيها الرسول هؤلاء اليهود عن خبر أهل القرية التي كانت بقرب البحر، إذ يعتدي أهلها في يوم السبت على حرمات الله ... حيث أمرهم أن يعظموا يوم السبت ولا يصيدوا فيه سمكًا ... فابتلاهم الله وامتحنهم ... فكانت حيتانهم (الأسماك الكبيرة) تأتيهم يوم السبت كثيرة طافية على وجه البحر ... وإذا ذهب يوم السبت تذهب الحيتان في البحر، ولا يرون منها شيئًا ... فكانوا يحتالون على حبسها في يوم السبت في حفائر، ويصطادونها بعده ... وكما وصفنا لكم من الاختبار والابتلاء، لإظهار السمك على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده فيه، وإخفائه عليهم في اليوم المحلل لهم فيه صيده ... كذلك نختبرهم بسبب فسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها " ... التفسير الميسر
ولما ذهبنا الى تفسير زهرة التفاسير وجدنا: " لقد اختبرهم الله تعالى ليكشف حالهم، ويهذبهم بأمرين: بتحريم الصيد يوم السبت ليفطموا شهواتهم ويقرعوا نفوسهم الشرهة، والمتسلطة عليهم ... وثانيا: بأن تأتيهم حيتان السمك شرعا، لتثور شهوتهم ويقمعوها إن كانت فيهم إرادة، فإن لم تكن ربوها وهذبوها، وقرعوها عن شهواتها استجابة لأمر ربهم؛ فالنفس الشرهة التي تسيطر عليها الشهوة لابد من فطمها.
إن الله تعالى ذكر أنهم كانوا يعدون في السبت، فمنهم من كان يتناول المحرم في السبت غير متأثم ولا متحرج ... ومنهم من يحتال ... وقالوا: إنه كان يحفر حفرة بجوار البحر، ويعمقها فإذا جاءت حيتان السمك شرعا يوم السبت نزلت في هذه الحفر ... فإذا جفت بعد قطع الماء عنها لَا تستطيع الخروج، فيأخذونها بأيديهم، وتلك حيلة تفوت معنى تقوية النفوس وتربيتها ... وهم بذلك يعدون يوم السبت، لأنهم يخرجون بذلك عن الابتلاء الذي يكشف الله به نفوسهم.
لقد قال تعالى في حكمة تحريم الصيد يوم السبت، وإتيان حيتانهم شرعا فيه: " كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ " ... أي: كهذا الذي صنعناه معهم من تحريم السبت ومجيء الحيتان فيه ... نعاملهم معاملة المبتلى المختبر لتهذب نفوسهم وتربي إرادتهم، وذلك بسبب استمرارهم على الفسوق، وانحراف النفوس وخضوعها لشهواتها، ولأجل تعويدهم ضبط النفس، والصبر على الحرمان، فإن الصبر نصف الإيمان ... وإن الله تعالى وصاهم، ودعاهم إلى الهدى، وشرع لهم ما يصقل نفوسهم ويهدي قلوبهم ... انتهى تفسير زهرة التفاسير
إذن ما ادعاه الناقد من أن الله سبحانه وتعالى يجرّب عباده بالشرور ... ويسهّل لهم العصيان هو ادعاء فارغ من مضمونه بل هو والعدم سواء ... والقارئ الذكي سيقرأ هذه الآية مع الآية التي بعدها والتي توضح أن طائفة من أهل تلك القرية فطنوا الى حقيقة اختبار الله لهم على النحو الذى ذكرناه ... ولذلك نصحوا الآخرين بعدم التحايل على أمر الله ... وارتكاب المحذور ... " وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ " الأعراف 164 ... أي: قالت جماعة منهم لجماعة أخرى كانت تعظ المعتدين في يوم السبت، وتنهاهم عن معصية الله فيه: لِمَ تعظون قومًا الله مهلكهم في الدنيا بمعصيتهم إياه ... أو معذبهم عذابا شديدًا في الآخرة ؟؟؟ قال الذين كانوا ينهَوْنهم عن معصية الله: نَعِظهم وننهاهم لِنُعْذَر فيهم، ونؤدي فرض الله علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورجاء أن يتقوا الله، فيخافوه، ويتوبوا من معصيتهم ربهم وتعديهم على ما حرَّم عليهم. " التفسير الميسر
ثم ماذا بعد أن رفض المتحايلون على أوامر الله الاستجابة الى نصح الناصحين ؟؟؟ لقد تلقوا هم أو من يسير على نهجهم في التحايل على أوامر الله بحيلة من الحيل درساً قاسياً ... فهدي الله المنزل يجب أن يُطبق بقوة ... فليس الله كغيره، ولا أمر الله كأمر غيره ... اقرأ الآية التي بعد ذلك ... " فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ... أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ... وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ " الأعراف 165 ... أي: فلما تركت الطائفة التي اعتدت في يوم السبت ما ذُكِّرت به، واستمرت على غيِّها واعتدائها فيه، ولم تستجب لما وَعَظَتْها به الطائفة الواعظة، أنجى الله الذين ينهون عن معصيته، وأخذ الذين اعتدَوْا في يوم السبت بعذاب أليم شديد; بسبب مخالفتهم أمر الله وخروجهم عن طاعته. التفسير الميسر
إن اللهُ خَلَقَ عبادَه وكَلَّفَهم بالتكاليف ... وهو يبتَلِيَهم ويمتحِنَهم، ويُجَرِّبَهم ويَختبرَهم ... فالتكاليفُ والشرائعُ ابتلاءٌ من اللهِ لعبادِه ... قال تعالى:" الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا " الملك 2 ... واللهُ يَبْتَلِي عبادَه ليَميزَ الخبيثَ من الطَّيِّب ... فالمؤمنُ يشكرُ اللهَ عند السّرّاء، ويَصبرُ عندَ الضرّاء ... وبذلكَ ينجحُ في هذا الابتلاءِ والاختبار ... أَمّا الكافرُ والفاسقُ فإِنه يَطْغى عندَ الخَيْرِ والنعمة ... ويَيْأَسُ عند المصيبة، وبذلك يَخسرُ ويَرسبُ في الابتلاءِ والامتحان ... على ضوءِ هذه الآيةِ نَعرفُ ابتلاءَ أَهْلِ القرية، حيثُ امتَحَنَهم بعدمِ صَيْدِ الحيتان يوم السبت، ومبالغةً في الابتلاءِ كان يَسوقُ إِليهم الأَسماكَ والحيتانَ في يومِ السبت، وكانت هذه الحيتانُ لا تأْتيهم في باقي أَيام الأُسبوع ... ورسب معظم أَصحابِ القريةِ في هذا الامتحان، حيث تَحايَلوا على حُكْمِ الله، وارْتَكَبوا ما حَرَّمَ الله ... بينما نجح في نفس الوقت آخرون منهم ...
وكما ابْتَلى اللهُ بني إِسرائيلَ بالتكليف، ومَنَعَهم من الصيدِ في البحر يومَ السبت ... ابْتَلى اللهُ المؤمنين، ومَنَعَهم من صَيْدِ البَرِّ أَثناءَ إِحرامِهم بالحَجِّ أَو العمرة ... قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ... لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ ... فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ " المائدة 94 ... وتفسير ذلك: أي: يا أيها الذين آمنوا: إن الله يختبركم في الحج بتحريم بعض من الحيوان والطيور يسهل عليكم اصطياده بأيديكم ورماحكم ... ليظهر الذين يراقبونه منكم في غيبة من أعين الخلق ... فالذين تجاوزوا حدود الله بعد بيانها يقع عليهم عذاب مؤلم شديد . تفسير المنتخب ... فاللهُ قَرَّبَ الصيدَ للمسلمين المُحْرِمين ... وعَبَّرَت الآيةُ عن هذا التقريب: " تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ " ... كما قَرَّبَ الأسماك الكبيرة لليهودِ من أَصحابِ القرية ... هذا وقد نجحَ المسلمونَ في هذا الابتلاءِ والامتحان، والْتَزموا بحُكْمِ الله ... بينما نجح بعض اليهود في الامتحان الذي أجرى لهم ... وعصت الأغلبية الباقية منهم فرسبت ... فعاقبهم الله على ذلك ...
وإذا كان الناقد يقول: وكيف نتصوّر إلهاً يجرّب عباده بالشرور ... ويسهّل لهم العصيان ؟؟؟ فإننا نقول انه كان من الأمثل لسيادته أن يتوجه بهذا السؤال الى كتابة المقدس ... ولماذا ؟؟؟ لأن كتبة الأناجيل نسبوا لله رب العالمين أنه جرب السيد المسيح (الذي هو في نفس الوقت أيضاً الله رب العالمين خالق السماوات والأرض وما بينهما - كما يؤمن بذلك النصارى) أربعين يوماً على يد ابليس ... وما أدراك من هو ابليس !!! إنه الرئيس والقائد العام للشر والعصيان في العالم كله ... والذي لن يصدر عنه بالطبع الا الشر والعصيان !!! وكيف ذلك ؟؟؟
«وكان يُقتاد (أي السيد المسيح عليه السلام) بالروح في البرية أربعين يوماً يُجرَّب من إبليس ... ولم يأكل شيئاً في تلك الأيام، ولما تمَّت جاع أخيراً» (لو 4: 2،1).
«ثم أصعده إبليس (أي أصعد ابليس السيد المسيح) إلى جبلٍ عالٍ وأراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان ... وقال له إبليس: لك أُعطي هذا السلطان كله ومجدهُنَّ لأنه إليَّ قد دُفِع ... وأنا أُعطيه لمن أريد ... فإن سجدتَ أمامي يكون لك الجميع» (لو 4: 5-7) ... وبصرف النظر عن سلطة وإمكانيات ابليس التي جعلت المسيح يرى " جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان " على يد ابليس !!! بل وجعلت ابليس يعرض على المسيح منحه ذلك كله ؟؟؟ فإن السؤال الذي يطرح نفسه على كاتب الانجيل هو: كيف يمكن أن يرى السيد المسيح جميع ممالك كوكب الأرض وهي كره ... بمجرد الارتفاع بعض الأمتار فوق نقطة من سطح هذه الكرة على جبل ؟؟؟
ليس هذا فقط ... لكن اقرأ: ... «ثم جاء (أي ابليس) به (أي بالسيد المسيح عليه السلام) إلى أُورشليم وأقامه على جناح الهيكل، وقال (أي ابليس) له (أي للسيد المسيح عليه السلام): إن كنتَ ابن الله فاطرح نفسك من هنا إلى أسفل ... لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك، وأنهم على أياديهم يحملونك لكيلا تصدم بحجرٍ رجلك» (لو 4: 9-11).
هذا ولا ندرى ما سبب استخدام كتبة الاناجيل كلمات والفاظ تدل على مدى سيطرة ابليس على السيد المسيح عليه السلام اثناء ما كان يجربه مثل: ثم جاء (أي ابليس) به (أي بالسيد المسيح عليه السلام) إلى أُورشليم ... ثم أصعده إبليس إلى جبلٍ عالٍ والى اخره ...
ثم نسأل السيد الناقد أيضاً ... وكيف يجرب الله بنى إسرائيل بإذلالهم ؟؟؟ " وَتَتَذَكَّرُ كُلَّ الطَّرِيقِ الَّتِي فِيهَا سَارَ بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هذِهِ الأَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْقَفْرِ ... لِكَيْ يُذِلَّكَ وَيُجَرِّبَكَ لِيَعْرِفَ مَا فِي قَلْبِكَ: أَتَحْفَظُ وَصَايَاهُ أَمْ لاَ؟ " سفر التثنية 8/2 ... بل ويؤكد الله على هذا الذل في تجربته لبنى إسرائيل مرة أخرى ... " الذِي أَطْعَمَكَ فِي الْبَرِّيَّةِ الْمَنَّ ... الَّذِي لَمْ يَعْرِفْهُ آبَاؤُكَ !!! لِكَيْ يُذِلَّكَ وَيُجَرِّبَكَ "سفر التثنية 8/16
واللــه أعلم وأعظم
يتبع بإذن الله وفضله







رد مع اقتباس


المفضلات