

-
الرد على السؤال رقم 8: جاء في سورة الإسراء 16 ... " وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا "
والناقد يسأل: هل يريد الله إهلاك الناس ؟؟؟ وهل يأمر متنعّميها بالفسق لتحقّ العقوبة عليهم وعلى الفقراء بينهم ؟؟؟ وهل يناسب هذا عدل الله وقداسته وأمانته ؟؟؟ وكيف ينسب لله الجور والفسق والظلم ؟؟؟
ويضيف الناقد فيقول: ويناقض القرآن قوله السابق بقوله: " وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ... إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ " البقرة 168-169 ... وقوله: " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " النحل 90 ... وقوله: " وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ... قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ " الأعراف 28
بداية ... إن من يقرأ هذا السؤال بعين حيادية غير مشوبة بأي خلفية مغرضة تجاه الإسلام ... يستعجب ويستغرب كيف يُطرح مثل هذا السؤال أساساً !!! ... ولماذا ؟؟؟ لأنه لا يُعقل أن الخالق العادل يريد اهلاك أو ظلم من يخلقهم ... لأنه من المنطقي أن يكون المبدأ العام لعلاقة الخالق مع البشر الذين خلقهم هو ..." وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا "الكهف 49 ... " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ... وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ "فصلت 46
وعن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فيما روى عن اللهِ تبارك وتعالى أنَّهُ قال:" يا عبادي! إني قد حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه محرَّمًا بينكم فلا تظَالموا " ... الراوي: أبو ذر الغفاري | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الأدب المفرد| الصفحة أو الرقم: 377 ... أي: إني منعْتُ الظُّلمَ على نَفْسِي، أي: تَقدَّسْتُ عنه وتعالَيْتُ، فهو في حقِّي مستحيلٌ، وجعلْتُه بينَكم مُحَرَّمًا، أي: حكَمْتُ بِتَحريمِه فيما بينَكم فإذا عَلمتُم ذلك فلا تَظَّالَمُوا، أي: لا يَظلِمْ بعضُكم بعضًا ...
والله لا يهلك بالطبع المتمسكون بالحق ... والملتزمون بالفضائل ... والعاملون على اصلاح أمرهم وأمر غيرهم ... " وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ " هود 117 ... ولكن ماذا لو فسد اهل القرى بعد أن أرسل الله لهم الرسل وبينوا لهم شرائعه فلم يؤمنوا ... " وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا " القصص 59 ... وقال تعالى أيضاً " رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا " النساء 165 ... بل وحذرهم ونصحهم: " وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ " البقرة 168-169 ... فالله تعالى نفسه يقرر انه ما كان ليعذب احداً او يهلك احداً إلا بعد ان يقيم عليه الحجة ... وذلك بأن يرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين ...
فإذا ظل أهل القرى مستمرون على الظلم والاعتداء والضلال واستحكمت فيهم الذنوب ... بعد أن أقيمت الحجة عليهم بإرسال الرسل ... حينئذ فمن باب العدل الذي يتصف به الله سبحانه وتعالى ... ومن باب معاقبة المذنب والقصاص من الظالم ... استوجب هؤلاء إهلاك الله لهم بإرسال العذاب عليهم " وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ " القصص 59 ... إذن فإرادة الله لإهلاك الناس هي إرادة مشروطه ... والشرط هو ان يقع الناس في الذنوب بالرغم من تحذيرهم من الرسل اولاً ... هذا ولقد أكد القرءان الكريم أن الهلاك لا يقع إلا على اصحاب الذنوب ... حيث يقول الله تعالى " أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ... وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ ... فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ " الانعام 6... فهل يوجد دليل بعد ذلك ان الهلاك لا يقع إلا على المذنبين !!!
هذا وسيجد الناقد في كتابه عن موضوع اهلاك الله للبشر ... " وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ ... وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ ... فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ ... وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ ... فَقَالَ الرَّبُّ: «أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ ... الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ ... لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ» التكوين 6/ 5-8 ... فماذا حدث ؟؟؟ " فَمَحَا اللهُ كُلَّ قَائِمٍ كَانَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ: النَّاسَ ... وَالْبَهَائِمَ ... وَالدَّبَّابَاتِ ... وَطُيُورَ السَّمَاءِ ... فَانْمَحَتْ مِنَ الأَرْضِ. " التكوين 7/ 23 ... ثم ماذا بعد ذلك ؟؟؟ " فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا " التكوين 8/21.
وسيجد الناقد في كتابه أيضاً ... " فَأَمْطَرَ الرَّبُّ عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتًا وَنَارًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ ... وَقَلَبَ تِلْكَ الْمُدُنَ ... وَكُلَّ الدَّائِرَةِ ... وَجَمِيعَ سُكَّانِ الْمُدُنِ ... وَنَبَاتِ الأَرْضِ ... وَحَدَثَ لَمَّا أَخْرَبَ اللهُ مُدُنَ الدَّائِرَةِ أَنَّ اللهَ ذَكَرَ إِبْرَاهِيمَ " التكوين 19/24-29
هذا ومن البديهي أن الله ينهى عن الفحشاء ولا يأمر بالفحشاء أو الفسق أو الفجور بالطبع كما ادعى الناقد ... وهذا ما صرحت به آية 28 من سورة الأعراف التي استدل بها الناقد ... حيث ردت على أكاذيب الكافرين ... فعندما كانوا يفعلون الفاحشة كانوا يقولون: " وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا " الأعراف 28 ... فكذبهم الله بقوله: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ... أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ " الأعراف 28 ... ثم قال الله في الآية التي بعدها مباشرة " قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ " الأعراف 29 ... وأيضاً قال تعالى " وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ... إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ " البقرة 168-169
ولقد حرّم الله الفحشاء والفسق بالقطع ... وبالتالي لا يعقل أن يأمر الله بذلك ... بل إن الله لا يأمر الا بالقسط والخير ... ولذلك قال تعالى" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون " النحل 90 ... وقال تعالى " فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ " التوبة 96
أما الآية رقم 16 من سورة الإسراء ... فلا تدل على أن الله يأمر بالفحشاء أو الفسق اطلاقاً ... كما حاول الناقد أن يوهم القارئ السطحي بذلك ... ولا تتناقض أيضاً مع آيات سورة البقرة 168-169 ... أو النحل 90 ... أو سورة الأعراف 28 المشار إليهم من الناقد بالطبع ... وإنما تلتقي معهم في تقرير أمر الله بالخير والقسط ... ونهيه عن الشر والفحشاء والفسق ... وكيف ذلك ؟؟؟
إن القارئ الذكي للآية رقم 16 بسورة الإسراء ... " وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ... فَفَسَقُوا فِيهَا ... فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا " ... سيفطن للآتي:
حرف الفاء الأول في كلمة " فَفَسَقُوا " هو حرف عَزَلَ كلمة " أَمَرْنَا " عن كلمة " َفسَقُوا " ... وأفاد هذا الحرف ترتيب الاحداث مع التعقيب ... وماذا أيضاً ؟؟؟
كلمة" أَمَرْنَا " تدل على أمر صادر من الله سبحانه وتعالى ... ولكن لم يُذكر ولم يُحدد في منطوق الآية صراحة حقيقة أو تفصيل ما أمر الله به ... أي أن المأمور به محذوف.
وكلمة" َفسَقُوا " هي فعل قام به المترفون عقب الامر الذي صدر لهم من الله ... والفسق في اللغة هو الخروج عن الطَّاعة (معجم مقاييس اللغة) ... ويؤكد ذلك أيضاً قوله تعالى " إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ " الكهف 50 ... أي لكن إبليس الذي كان من الجن خرج عن طاعة ربه. التفسير الميسر
أي أن الله أمر المترفين بأمر ما ... ولكن هذا الأمر لم تصرح به الآية الكريمة ... فما كان منهم بعد صدور هذا الأمر ... إلا أنهم خرجوا عن طاعة الله ولم ينفذوا هذا الأمر.
وإذا تمشينا جدلاً مع سؤال السيد الناقد ... هل الله يأمر بالفحشاء أو الفسوق أم ينهى عن الفحشاء ؟؟؟ وعرضنا هاذين الاحتمالين جدلاً أيضاً على الآية المذكورة رقم 16 بسورة الإسراء سنجد الآتي:
الاحتمال الأول: أن الأمر الذي لم تصرح به الآية الكريمة كان أمراً بالفحشاء ... فهل نفذ المترفون هذا الأمر حينئذ حسب نص الآية ؟؟؟ الإجابة لا ... ولماذا ؟؟؟ لأن الآية تقول انهم " فسقوا " ... أي خرجوا عن طاعة وتنفيذ هذا الأمر وبالتالي لم يفعلوا الفحشاء وفعلوا عكسها ... أي فعلوا الخير ... إذن لا يستقيم ولا يعقل حينئذ أن يطبق عليهم العقوبة المذكورة في باقي نص الآية ... " فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا " ... اذن هذا الاحتمال يرفضه أي عاقل ...
الاحتمال الثاني: أن الأمر الذي لم تصرح به الآية الكريمة كان أمراً بالخير ونهياً عن الفحشاء (شأنه في ذلك شأن كل ما يأمر به الله في آيات القرآن الكريم التي ذكرنا بعضاً منها بعاليه) ... فهل نفذ المترفون هذا الأمر حسب نص الآية ؟؟؟ الإجابة لا ... ولماذا ؟؟؟ لأن الآية تقول انهم " فسقوا "... أي خرجوا عن الطاعة وبالتالي لم ينفذوا ما اُمِروا به من الخير ... بل وفعلوا عكس ذلك أي فعلوا الفحشاء ... وبالتالي يستقيم ويعقل حينئذ أن يطبق عليهم العقوبة المذكورة في باقي نص الآية: " فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا " ... اذن هذا الاحتمال هو الذي يقبله ويقتنع به بالطبع أي عاقل ...
ولو أراد الله سبحانه وتعالى كما ادعى المشكك أن يأمر بالفسق (حاشاه) ... لقالت الآية (أمرنا مترفيها أن يفسقوا فيها) مباشرة ... أو قال: (أمرنا مترفيها ليفسقوا فيها) ... وحينئذ يحق للمتشكك ان يجعل من ذلك شبهه ... ولكن الآية الكريمة جاءت بفاء العطف ... (فَفَسَقُوا) ... والفاء هي حرف عطف يفيد الترتيب والتعقيب ... وبالتالي يكون معنى الآية ان النتيجة التي ترتبت بعد أن أمرهم الله بالطاعة ... أن فسقوا ... أي خالفوا وعصوا امر الله سبحانه وتعالى في القرية فأفسدوا وظلموا وأذنبوا وضلوا ... فماذا حدث ؟؟؟ " فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا " ... وبهذا نسفت الشبهة من قواعدها ...
إن القران المعجز قد يحذف بعض الكلمات من تعبيره قصداً ... حتى يفكر فيه المتدبرون ويقدّروا الكلام الذي يقتضيه السياق ... ولا يأخذوا الأمر على غير ذلك ... وهذا معنى لا يدركه المحجوب عن القرآن الكريم ... إن المأمور به هنا محذوف ولكنه معروف ببداهة لأي عاقل من طبيعة أوامر الآمر وهو الله سبحانه وتعالى ...
إنه من المستحيل بالقطع ان يأمر الله المترفين او غيرهم بالفحشاء !!! وفضلاً عما ذكرناه من توضيح بعاليه فإن في قوله ... " أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا " كلام مقدر يقتضيه السياق والمعنى ... والتقدير: أمرنا مترفيها بما يأمر به الله من أمور الخير والطاعة ... " إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون " النحل 90 ... فماذا كان رد فعل المترفين مع هذا الأمر ؟؟؟؟ رفضوا ذلك وعصوا امرنا وفسقوا ... أي خرجوا عن طاعة الله وفعلوا الفاحشة ... ولذلك حق عليهم القول والحكم والعذاب فأهلكناهم ودمرناهم ... وتَهدفُ الآيةُ إِلى أَنْ تُقَررَ قاعدةً ارتباطُ الترفِ بالتمردِ والعصيانِ والمخالفةِ والفسقِ ... وأن انتشارُ الفسادِ هو ثمرةٌ للترفِ والفسق ... وهذا كلّه طريقٌ للهلاكِ والعقابِ والتدمير ...
إن موضوع تقدير المعنى المراد والمحذوف في قوله تعالى:" أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ... فَفَسَقُوا فِيهَا " ... هو أمر مألوف في لغة العرب ويسمى الإيجاز بالحذف ... وهو الذي يستخدم بحذف كلمة او جمله أو أكثر مع تمام المعنى ... ويفطن اليه كل قارئ للعربية ... مثل قولهم: " أمرتُه فعصاني " ... أي: أمرته بالطاعة فعصى ... ولا يمكن أن يكون المعنى بالطبع أنى أمرته بالعصيان ... وكما لا يخفى على أي قارئ ذكي !!!
فضلاً عما ذكرناه ... فإنه من البديهي انه لا يمكن ان يعاقب الله على ما أمر به ... فاذا كان الله (حاشاه) امر بالفاحشة (كما يحاول الناقد ان يوهم القارئ السطحي) فكيف يعاقب على ذلك ؟؟؟ ولكن العقاب يكون في حالة الفسوق (أي مخالفة أمر) خالق السماوات والأرض وما بينهما ...
مما تقدم ... عرفنا لماذا صدر حكم الله على المترفين بالهلاك ... فإذا سار غير المترفون والفقراء والضعفاء على نفس نهج المترفين من الذنوب ... واتبعوهم على ضلالهم كما قال تعالى: " وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا " الأحزاب 67 ... وقوله تعالى : " وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا ... فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ "ابراهيم 21 ... أو أنه لما عصى الله بعض من اهل القرية ، وبغى ، وطغى ، لم ينههم الآخرون عن ذلك ... حينئذ فإن الهلاك سيعم الجميع ... كما قال تعالى :" وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ... وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " الأنفال 25
هذا وإننا ننصح الناقد أنه بدلا من ان ينظر الى عقيدة غيره التي لا يؤمن بها سيادته ... ويجهد نفسه في دراسة اللغة العربية التي لا يجيدها بفنونها وقواعدها وكما اتضح ... بل ويحاول أن ينسب لله سبحانه وتعالى أموراً لا تليق بجلاله على انها في عقيدة الآخر ... وذلك بهدف بناء وتشييد عقيدته هو على أنقاض عقيدة غيره ... كان عليه أن يركز وينظر لما في عقيدته هو ويبحث عن حقيقة موضوع الناسوت واللاهوت مثلاً !!!
يقول النصارى عن السيد المسيح في القداس الإلهي في القسمة السريانية ... " انفصلت نفسه عن جسده (أي ناسوته) .... ولاهوته (أي طبيعته الإلهية) لم تنفصل قط عن نفسه ولا عن جسده ".... أو كما يقولون إن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين.
ولكن هنا سؤالاً يطرح نفسه ... هل قال السيد المسيح صراحة أنه ناسوت ولاهوت ... وإذا كان قال ذلك فأين هو النص تحديداً في الكتاب المقدس الذي ورد على لسان السيد المسيح نفسه (وليس من استنتاج أتباعه) والذي أخبر فيه صراحة أنه جزء لاهوتى وجزء ناسوتى ؟؟؟ أي انه إله كامل وإنسان كامل في نفس الوقت ... لاسيما أن موضوع الناسوت واللاهوت هو ركيزة أساسية في النصرانية ...
وإذا كان ناسوت السيد المسيح قد مكث تسعة أشهر يتكون وينمو في بطن أمه السيدة مريم حتى خرج منها ... ثم رضع هذا الناسوت من ثدييها حتى فطم ... كل هذا والناسوت لم يفارق اللاهوت لحظة واحدة ولا طرفة عين ... فهناك من يسأل وأين كان الناسوت (الذي لم يفارق اللاهوت لحظة واحدة ولا طرفة عين) قبل بدء انطلاقه للتكوين في بطن أمه.
وإذا كان اللاهوت أزلي منذ البداية أي قبل خلق آدم ... والناسوت معه لم يفارقه لحظة واحدة ولا طرفة عين حسب عقيدة النصارى ... إذن فقد كان الناسوت قبل خلق آدم موجوداً ومعداً للفداء والموت على الصليب قبل خطيئة ادم واكله من شجرة معرفة الخير من الشر ... ويكون الله بذلك قد غضبَ من أكْلِ آدم من الشجرة قبل أنْ يأكل آدم من الشجرة ... وأنَّ آدم حينئذ كان مُساقًا إلى اﻷكل من الشجرة ... أي غير حر، بل مُجْبَر على اﻷكل ... وإلاَّ لو كان الأمر بخلاف ذلك فإنه يلزم أنَّ يكون آدم قد خلق قبل ناسوت الله ... او يكون قد أكَلَ من الشجرة قبل أنْ يأكُل من الشجرة، وهذا اجتماع للنقيضين ... أو يكون اللاهوت قد ظل وحيداً (أي مفارقاً للناسوت) الالاف السنين حتى حملت السيدة مريم بالناسوت ... فحينئذ اتحد اللاهوت بالناسوت !!!! كل هذه أسئلة (وغيرها مما يترتب عليها) تطرح نفسها وتطلب الرد عليها من السيد الناقد !!!
واللـــه سبحانه أعلم وأعظم
يتبع بإذن اللـــــه وفضله
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة سيف الإسلام في المنتدى شبهات حول القران الكريم
مشاركات: 21
آخر مشاركة: 06-10-2020, 04:33 PM
-
بواسطة سيف الإسلام في المنتدى شبهات حول القران الكريم
مشاركات: 25
آخر مشاركة: 14-01-2018, 06:04 PM
-
بواسطة سيف الإسلام في المنتدى شبهات حول القران الكريم
مشاركات: 7
آخر مشاركة: 09-10-2017, 06:28 PM
-
بواسطة سيف الإسلام في المنتدى شبهات حول القران الكريم
مشاركات: 16
آخر مشاركة: 08-10-2017, 03:02 PM
-
بواسطة سيف الإسلام في المنتدى شبهات حول القران الكريم
مشاركات: 15
آخر مشاركة: 03-02-2017, 09:38 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات