

-
هناك فروق بين التبني وكفالة اليتيم .
أ- أما التبني : فهو أن يتخذ الرجل يتيماً من الأيتام فيجعله كأحد أبنائه الذين هم من صلبه ويدعى باسمه ولا تحل له محارم ذلك الرجل فأولاد المتبني إخوة لليتيم وبناته أخوات له وأخواته عماته وما أشبه ذلك . وهذا كان من فعل الجاهلية الأولى ، حتى أن هذه التسميات لصقت ببعض الصحابة كالمقداد بن الأسود حيث أن اسم أبيه ( عمرو ) ولكنه يقال له ابن الأسود باسم الذي تبناه .
وظل كذلك في أول الإسلام حتى حرم الله ذلك في قصة مشهورة حيث كان زيد بن حارثة يدعى زيد بن محمد ، وكان زوجاً لزينب بنت جحش فطلقها زيد .
ب- وقد حرم الله تعالى التبني لأن فيه تضييعاً للأنساب وقد أُمرنا بحفظ أنسابنا .
عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ومن ادَّعى قوما ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار ". رواه البخاري ( 3317 ) ومسلم ( 61 ) .
ومعنى كفر : أي جاء بأفعال الكفار لا أنه خرج من الدين .
لأن فيه تحريم لما أحل الله وتحليل لما حرم .
فإن تحريم بنات المتبني مثلاً على اليتيم فيه تحريم للمباح الذي لم يحرمه الله تعالى واستحلال الميراث من بعد موت المتبني مثلاً فيه إباحة ما حرم الله لأن الميراث من حق الأولاد الذين هم من الصلب .
قد يُحدث هذا الشحناء والبغضاء بين المُتَبنَّى وأولاد المُتبنِّي .
لأنه سيضيع عليهم بعض الحقوق التي ستذهب إلى هذا اليتيم بغير وجه حق وهم بقرارة أنفسهم يعلمون أنه ليس مستحقاً معهم .
وأما كفالة اليتيم فهي أن يجعل الرجل اليتيم في بيته أو أن يتكفل به في غير بيته دون أن ينسبه إليه ، ودون أن يحرم عليه الحلال أو أن يحل له الحرام كما هو في التبني ، بل يكون الكفيل بصفة الكريم المنعم بعد الله تعالى ، فلا يقاس كافل اليتيم على المتبني لفارق الشبه بينهما ولكون كفالة اليتيم مما حث عليه الإسلام .
قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ( البقرة :120
وقد جعل رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفالة اليتيم سبباً لمرافقته في الجنة ،فعن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وأنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا - وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً – " . رواه البخاري ( 4998 ) .
ولكن يجب التنبيه على أن هؤلاء الأيتام متى بلغوا الحلم يجب فصلهم عن نساء الكافل وبناته وألا يُصلح من جانب ويُفسد من جانب آخر كما أنه ينبغي العلم بأن المكفول قد تكون يتيمة وقد تكون جميلة تشتهى قبل البلوغ فيجب على الكافل أن يراقب أبناءه من أن يقعوا بالمحرمات مع الأيتام لأن هذا قد يحدث ويكون سبباً للفساد الذي قد يعسر إصلاحه .
بعد هذه المقدمة ...
نتيجة لهذا التحريم ظهرت مشاكل ..على سيبل المثال:
حدث بعد تحريم التبني أن أتت سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إلى النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تقص عليه مشكلتها مع سالم ابنها بالتبني..إذ أنها تبنته صغيراً ليكون عوضاً لها عن الحرمان من الولد فكانت هي بمثابة أمه وزوجها أَبِي حُذَيْفَةَ والده..
إلا أنها بعد نزول آيات التحريم كانت ترى الضيق في وجه أَبِي حُذَيْفَةَ من دخوله وخروجه على سهلة زوجته (فجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ وَهُوَ حَلِيفُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْضِعِيهِ قَالَتْ وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ).
ولنا ملاحظات على تلك الواقعة المخصوصة:
1- المدقق في هذه الواقعة نجد أنه كان يتعين على سهلة أن تستنكر تكَشُفها أمام سالم لكنها لم تسأل عن هذا بل استغربت نفس الإرضاع حالة كونه كبيرًا فقالت " وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ " لأنها تعي جيدا أن الإرضاع ملابس لحال الصغر وهو المعتد به شرعا والأحاديث التي تقيده بما كان في الحولين أو المجاعة أشهر من أن نعمد هنا إلى جمعها وسردها.
2 - كذلك سالم نفسه لِمَ لَمْ يستغرب أمر ملامسته جسد أجنبية وفيما لا يظهر للأجانب عادة ، ومن سالم هذا ؟ إنه من أرشد النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصحابة أن يأخذوا عنه القرءان حين قال: " خذوا القرءان من أربعة من بن أم عبد فبدأ به ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة" صحيح مسلم حديث رقم 2464 ، وهو الذي كان يؤم المهاجرين الأولين بمسجد قباء لأنه كان أكثرهم قرآنا وغير ذلك من مآثره الكثيرة الكثيرة ، إضافة إلى ما هو معلوم عن الصحابة رضي الله عنهم من الحيطة والحذر حتى إنهم كانوا يبادرون بالسؤال عن الحلال والحرام ويستعجلون التشريع فيما يرتابون منه كما حدث في قصة تحريم الخمر حيث قال عمر وبعض الصحابة: اللهم بيِّن لنا في الخمر بينا شافيا، في قصة معلومة التفاصيل إلى أن نزل أمر تحريمها فقال الصحابة: انتهينا.
3 - والشاهد أنهم لم يكونوا رضي الله عنهم يستمرئون المعاصي ويتلمسون لها الرخص كما نفعل نحن في أيامنا هذه بل كانوا يسألون ويستفسرون وآيات " يسألونك عن " في القرآن الكريم شاهدة على ذلك ، وكذلك الأخبار شهدت على اهتمام الصحابة بالاستفهام عن حكم الله فيما يلم بهم أكثر من أن تحصى ، وأعصى من أن تستقصى. فكيف يسوغ مع ذلك القول بأن رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم أبطال قصة الرضاعة ومجتمع الصحابة قد قبلوا هذه الفكرة التي يروج لها المشتبهون ؟.
4 - هل هذا الحكم خاص بسالم أم مستمر مرتبط بعلته ؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا الحكم خاص بسالم ولا يتعداه إلى غيره وهذا في حد ذاته يثير إشكالية ينبئ عنها هذا السؤال:
لماذا الخصوصية وهل في التشريع خصوصية ؟ ولماذا لا يمضي الحكم مرتبطا بعلته وجودا وعدما فيوجد حيث توجد وينعدم حيث تنعدم ؟.
أقول: إن الخصوصية هنا يبررها أنها الحالة الوحيدة التي نشأت عن حكم التبني الذي قرر القرآن تحريمه ، حيث كانت هذه الحالة قائمة وحاصلة فنزل التحريم طارئا عليها ، فحدث بعد ذلك ما حدث لأبي حذيفة من غيرة لدخول سالم بيته وقد صار أجنبيا عنه ولامرأة أبي حذيفة من وجْد لفراق سالم ابنها بالتبني ، وأما في غيرها فغير متصور لماذا ؟ لأنه بقرار تحريم التبني أغلق الباب من البداية فلا يتصور تعلق امرأة بأجنبي تعلق امرأة أبي حذيفة بسالم لعدم إقرار السبب الذي أفرز هذا النوع من العلاقة وهو نظام التبني.
وقد أبى أزواج النّبيّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يأخذن بهذا الحديث كرخصة يترخص بها.. ففي صحيح مسلم عن زينب بنت أبي سلمة أن أمها أم سلمة زوج النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانت تقول: " أبى سائر أزواج النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة وقلن لعائشة والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لسالم خاصة فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا ".
إذن فهي حالة لن تتكرر لعدم إقرار سببها وهو التبني ، أو بتعبير أكثر احترافا لن يحتاج إلى الحكم لانعدام حصول العلة بتحريم التبني.
لتحميل كتبي فضلاً الضغط على الصورة التالية - متجدد بإذن الله
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة ابو طارق في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 16
آخر مشاركة: 16-09-2014, 02:17 AM
-
بواسطة أبو عبد الله البخاري في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 25
آخر مشاركة: 28-04-2013, 09:33 PM
-
بواسطة أبو آدم محمود البخاري السلفي في المنتدى منتدى الكتب
مشاركات: 4
آخر مشاركة: 12-12-2012, 11:16 AM
-
بواسطة عاطف أبو بيان في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 09-10-2011, 02:21 PM
-
بواسطة الفجر الجديد في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 4
آخر مشاركة: 28-04-2010, 04:20 AM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات