النتيجة
بعد استعراض كلام كلٍّ من كلام هارولد Elder Harold Hunt وبول بكنيل Paul Bucknell يمكننا أنْ نخلص إلى ما يلي:
إذا كان أحفاد نوح الستة عشر يمثلون البلاد الكبرى في العصور القديمة ، فإنّ آباء هؤلاء الأحفاد ( أي أبناء نوح الثلاثة ) يمثلون القارات الثلاث
التي ضمت تلك البلاد جميعاً ، وهى قارات :آسيا وأوروبا وأفريقيا ، فلم تكن القارات الأخرى مأهولة بعد ولا معروفة لأحد.
وهكذا تتضافر الأدلة والبراهين المكنونة في علوم التاريخ والجغرافيا والأنثربولوجى (علم الإنسان ) والأثنولوجى (علم السلالات) على أنّ ذرية نوح ،
سواء أولاده الثلاثة أو أحفاده الستة عشر (ومجموعهم تسعة عشر) إنّما يمثلون الأسلاف الأوائل لكل الأمم البشرية من بعد الطوفان
وهى الأمم التي سيتعامل معها خزنة سقر التسعة عشر..
نخلص من ذلك كله إلى أن العدد (19) هو العدد الذي تنقسم إليه كل أعراق وأجناس البشر كافة ، أو تندرج تحته كل أمم الناس جميعا ،
وأنّ خزنة سقر لما كانوا يتعاملون مع الكافرين من كافة الأمم والأجناس والأعراق فإنّ من الطبيعي أن يأتي عددهم على نفس عدد تلك الأمم ،
بحيث يختص كل واحد منهم بأمة واحدة ، وفقاً لقاعدة التخصص التى تحكم أعمال الملائكة الكرام .
ومن الدراسات السابقة وجدنا نصوصاً في التوراة قد وردت بهذا المعنى المصدق لما ذكره القرآن الكريم ، ولقد ورد هذا النص في الموضع الطبيعي الوحيد
الذي كان متوقعاً أنْ يأتي فيه ، في أول أسفار التوراة المسمى (سفر التكوين) ، فهو السفر الذي فصّل قصة الخليقة منذ آدم عليه السلام وحتى نوح
وذريته عليهم السلام، كما أورد نبأ الطوفان الذي عمّ الأرض جميعاً وهلك فيه كل البشر ، عدا نوح وذريته فقط بنص القرآن الكريم كذلك ،
حيث قال تعالى عن نوح: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} (الصافات/77 (، لتبدأ قصة الخليقة من جديد مع نوح عليه السلام والمُسَمّى عند أهل الكتاب بـ (آدم الثاني).
ففي سفر التكوين من أوله إلى الفصل التاسع منه (أو الإصحاح التاسع كما يسمّيه أهل الكتاب) استوقفتنى فيه عبارة ملفتة للنظر تقول :
(وَكَانَ بَنُو نُوحٍ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الْفُلْكِ سَاما وَحَاما وَيَافَثَ. وَحَامٌ هُوَ ابُو كَنْعَانَ . هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ هُمْ بَنُو نُوحٍ. وَمِنْ هَؤُلاءِ تَشَعَّبَتْ كُلُّ الارْضِ ) - تكوين 9: 19
ثم نجد في الإصحاح العاشر والذي يحوى ما أطلق عليه شراح التوراة ومفسروها اسم) جدول الأمم ( أو ) قائمة الأمم( ، والذي يستعرض بالتفصيل
ذرية نوح قبل وبعد الطوفان مباشرة ، ثم ينتهي بعبارة ملفتة للنظر كذلك وتقول :
(هَؤُلاءِ قَبَائِلُ بَنِي نُوحٍ حَسَبَ مَوَالِيدِهِمْ بِامَمِهِمْ. وَمِنْ هَؤُلاءِ تَفَرَّقَتِ الامَمُ فِي الارْضِ بَعْدَ الطُّوفَانِ ) - تكوين 10 : 32
والمدقق في عدد أبناء وحفدة نوح الأوائل المذكورين في هذا الإصحاح ، (والذين تشعبت منهم كل أمم الأرض (بنص التوراة ذاتها )
وبنص القرآن كذلك ( يبلغ تحديداً وحصراً تسعة عشر شخصاً فقط لا غير !!!! .
هذا هو سر التسعة عشر منصوص عليه فى التوراة ذاتها ، بل فى أول أسفارها على الإطلاق !!.
حيث تجد أنّ أبناء نوح عليه السلام الذين نجوا معه من الطوفان كانوا ثلاثة ، هم : سام و حام و يافث ،
وقد ورد ذكرهم في حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي يقول فيه : (سام أبو العرب ، وحام أبو الحبش ،
ويافث أبو الروم ( .رواه أحمد ، وقد رُوِي عن عمران بن حصين عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثاً مثله.
أمّا عن أبناء هؤلاء الثلاثة ، أى حفدة نوح عليه السلام فبلغت جملتهم ستة عشر حفيداً مباشراً ، فيكون مجموع الأبناء والحفدة معاً تسعة عشر تماماً ،
وها هي أسماءهم بحسب ترتيب ذكرهم فى التوراة :
أولاً : ( بَنُو يَافَثَ : جُومَرُ وَمَاجُوجُ وَمَادَاي وَيَاوَانُ وَتُوبَالُ وَمَاشِكُ وَتِيرَاسُ ) – تكوين 10 :2
ثانياً : (وَبَنُو حَامٍ : كُوشُ وَمِصْرَايِمُ وَفُوطُ وَكَنْعَانُ ) – تكوين 10 : 6
ثالثاً : ( بَنُو سَامَ : عِيلامُ وَاشُّورُ وَارْفَكْشَادُ وَلُودُ وَارَامُ ) – تكوين 10 : 22
إذا أنت عددت كل الأسماء الواردة فى الفقرات التوراتية السابق ذكرها فسوف تجدها تسعة عشر اسماً بالتمام والكمال ، لا تزيد ولا تنقص ، وسبحان الله العظيم !!!.
ثمَّ تأتي خاتمة الإصحاح العاشر لتقول : ( هَؤُلاءِ قَبَائِلُ بَنِي نُوحٍ حَسَبَ مَوَالِيدِهِمْ بِامَمِهِمْ. وَمِنْ هَؤُلاءِ تَفَرَّقَتِ الامَمُ فِي الارْضِ بَعْدَ الطُّوفَانِ ) – تكوين 32: 10.
ونتساءل : أليس هذا بالأمر العجيب ؟!!.
بل ثمة أمر عجيب آخر : فإنّك إذا تأملت في أرقام الآيات التوراتية الثلاث التي تضمنت الأسماء التسعة عشر وهى : (2 ، 6 ، 22 (لوجدت أن مجموعها يساوى(30)،
وهو نفس رقم آية سورة المدثر القائلة : {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}.
وكأنّ هذه علامة لنا على تصديق إقامة الحجة على يهود والذين يعلمون تماماً سر الرقم (19) الذي ذكره القرآن ومنصوص عليه في التوراة !!.
من كل ما سبق ذكره نعلمُ أنّ هذا العدد لم يأتِ فى القرآن عبثاً – حاشا لله – وأنّ ذكره فيه كان له حكمة بالغة ،
وأنّ القرآن كان حكيماً للغاية حين أشار مرتين فى آية المدثر (31 ) إلى علم الذين أوتوا الكتاب بهذا العدد ،
وكأنّه كان يؤكد مرة بعد أخرى أنّ لهذا العدد عندهم دلالة خاصة وأكيدة.
درء شبهة وإقامة حجة:
بعد ان استعرضنا كل ما سبق أرى أنه من المناسب تناول قضية هامة حارت فيها العقول وغمضت كثيرا على الأفهام..
هذه القضية باختصار تنحصر في بعض آيات من القرءان الكريم تتعارض في ظاهرها مع كل ما أثبتناه..
يقول سبحانه وتعالى سورة آل عمران: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)} .
فبني آدم يتبعون بذريتهم لذرية آدم والتي هي نفس الذرية التي أبقى الله تعالى عليها وحملها نوح،
يقول الله تعالى {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} سورة آل عمران/ 34.
إذن فهي ذرية آدم عليه السلام والتي أبقاها الله ذرية لنوح عليه السلام وجعلها هي الذرية الباقية لتكون هي نفسها ذرية الناس التي نقلها وأبقى عليها ذرية لنا،
فاصطفى الله نوحاً على الآخرين وجعله يحمل ذرية آدم لنا معه بالفلك، فقال تعالى: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76)
وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81)
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (82) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83)} سورة الصافات.
فأخبرنا الله تعالى بأنه حمل ذرية الناس في الفُلك المشحون فقال تعالى : {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} سورة يس 41 .
فكانت ذريتنا والتي جعل منها الله آية لنا هي نفسها ذرية آدم ونوح والتي ابقى الله عليها في الفُلك، فقول الله تعالى {وَآيَةٌ لَّهُمْ} أي للناس
بأن الله حمل ذريتهم عن طريق ما كان قد حمل على الفلك مع نوح والذين قال الله فيهم {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ}
فكان من بقي من الناس هم فقط من ذرية نوح والذين هم كانوا حملة ذريتنا من آدم ونقلوها لنا فما بقي من الذرية من بعد الطوفان
سوى ذرية نوح وقال تعالى: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ} ، فمن بقي من الناس وسلالاتهم إذن ينحدرون من نفس ذرية آدم عليه السلام.
والسؤال هنا : هل غرق جميع من في الأرض - عدا من كان مع نوح - على ظهر السفينة عندما أرسل الله الطوفان ؟
وهل كل مَن في الأرض الآن يعتبرون مِن نسل مَن كان في السفينة ؟.
يدل صريح القرآن الكريم على أن جميع من على الأرض أغرقوا بالطوفان، ولم ينج من البشر ولا من الحيوان إلا مَن حمله نوح عليه السلام معه في السفينة.
قال الله تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ . ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ} الشعراء/119-120 .
وقال عز وجل : {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} هود/40 .
وقال تعالى : {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} يونس/73 .
كما جاء النص في القرآن الكريم على أن الأرض إنما عمرت بعد ذلك من نسل ذرية نوح عليه السلام فقط، وأما المؤمنون
الذين نجوا معه في السفينة فلم تبق لهم ذرية، فجميع أهل الأرض الآن من ذرية نوح عليه السلام.
والمدقق في قوله تعالى: { وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78)
سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (82)} الصافات/77-82.
ولما كان الأمر كذلك وبناء على ما سبق كله فما هو المقصود من قوله عز وجل والموجود في الآية الكريمة:
{وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} الأنعام/133.
فهل بالفعل البشرية مقتصرة على نسل سيدنا نوح ( سام وحام ويافث ) ؟.
من خلال البحث فى القرءان الكريم وُجِدَتْ بعضُ الآيات القرآنية تبين أن هناك أمم كانت مع سيدنا نوح ليست من ذريته..
{قِيلَ يَا نُوح اِهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْك وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك وَأُمَم سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَاب أَلِيم } هُود/ 48 .
ويقول سبحانه وتعالى:{ذُرِّيَّة مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح} الْإِسْرَاء/ 3.
إذن قوله تعالى: {أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} في الآية الكريمة أعلاه لا تعود على ذرية نوح من أبناءه الثلاث سام وحام ويافث..
ولكن من :{ذُرِّيَّة مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح} الْإِسْرَاء/ 3 .
فكيف نوفق بين الآية السابقة وقوله تعالى:{وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيم. وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ..} الصافات 77-81.








رد مع اقتباس


المفضلات