يقول سبحانه وتعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ* وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ
إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا
لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ
وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ
وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} سورة المدثر/ 27- 31

وأول ما يجب التنبه إليه والتنبيه عليه ، أنّ القرآن كان واضحا وصريحا ومباشراً في تقرير أنّ هذا العدد ( تسعة عشر)
إنّما هو عدد زبانية سقر الموكّلين بها ، حتى أنّه قد صاغ هذا التقرير بأسلوب القصر ( ما ... إلّا .. )
لكيلا يدَعَ أيَّ مجالٍ للظنِّ والالتباس، فقال: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً}.
وبهذا الاعتبار وحده تسقط كل الآراء الأخرى التي صرفت دلالة هذا العدد إلى غير الملائكة ، وبخاصة تأويلات بعض
المتكلفين من باحثي الإعجاز العددي ، الذين شطحوا بعيدا ، وغالوا كثيرا في دلالات هذا العدد. وهذا هو رأي فضيلة الشيخ الشعراوي...
راجع تفسيره عند هذه الآية تحديدا.
أمّا ثاني ما يجب التنبه إليه ، فهو أنّ المفسرين كافة منذ نشأة علم التفسير وحتى عصرنا هذا قد أجمعوا على
أنّ أهل الكتاب المشار إليهم في الآية هم مَن عاصروا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأنّ استيقانهم كان سببُه
أنّهم وجدوا أنّ هذا العدد يوافق ما هو مذكور في كتبهم.
أمّا الأمر الثالث الذي نُنَبِّه إليه فهو أنّ كثيراً من المفسرين قد عللوا ازدياد المؤمنين إيمانا بأنّه يرجع إلى ما رأوه
من تسليم أهل الكتاب وتصديقهم لِمَا جاء في القرآن ، وهو ما نرجّحُ أنّه التعليل الصحيح والأقرب إلى الصواب من أي تعليل سواه .
ويُعد إجماع المفسرين على موافقة هذا العدد لما هو مذكور في التوراة أمراً في غاية الأهمية لمعرفة حقيقة
المسألة والوقوف على سرّ هذا العدد ، ولهذا كان لا بد من استعراض أقوال المفسرين بشيء من الإسهاب ،
حتى نتيقن تماماً من صحة إجماعهم على هذا الأمر.
وفيما يلي عرض تاريخي لأقوال المفسرين التي تخص هذا الإجماع:
1 ـ تفسير الطبري([1]) :
( وقوله : { لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ..} يقول تعالى ذكره: ليستيقن أهل التوراة والإنجيل حقيقة
ما في كتبهم من الخبر عن عدّة خزَنة جهنم ، إذ وافق ذلك ما أنزل الله في كتابه على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس،
قوله: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمَاناً} قال: وإنها في التوراة والإنجيل تسعة عشرة ،
فأراد الله أن يستيقن أهل الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيماناً. (
ثم روى الطبري مثله عن مجاهد، وعن قتادة ، وعن الضحاك ، وعن ابن زيد.
2 ـ الزمخشرى([2]) :
)كأنّه قيل ولقد جعلنا عدتهم عدة من شأنها أن يُفتتن بها ، لأجل استيقان المؤمنين وحيرة الكافرين واستيقان أهل الكتاب ،
لأنّ عدتهم تسعة عشر في الكتابين، فإذا سمعوا بمثلها في القرآن أيقنوا أنه منزل من الله ، وازدياد المؤمنين
إيماناً لتصديقهم بذلك كما صدقوا سائر ما أنزل، ولما رأوا من تسليم أهل الكتاب وتصديقهم أنه كذلك.
وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو، فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين، ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها وهو يعلمها(.
3 ـ ابن عطية([3]) :
ليستيقن أهل الكتاب.. أنّ هذا القرآن من عند الله، إذ هم يجدون هذه العدة في كتبهم المنزلة التي لم يقرأها محمد
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا هو من أهلها، ولكن كتابه يصدق ما بين يديه من كتب الأنبياء إذ جميع ذلك حق يتعاضد مُنزّل من عند الله ،
قال هذا المعنى ابن عباس ومجاهد وغيرهم.
4 ـ ابن الجوزى([4]) :
{ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} أنّ ما جاء به محمد حق، لأن عِدَّتهم في التوراة تسعة عشر {ويزدادَ الذين آمنوا} من أهل الكتاب {إِيماناً} أي:
تصديقاً بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ وجدوا ما يخبرهم موافقاً لما في كتابهم.
5 ـ الفخر الرازي([5]) :
(السؤال الثاني: ما وجه تأثير إنزال هذا المتشابه في استيقان أهل الكتاب؟
الجواب: من وجوه أحدها: أنّ هذا العدد لما كان موجوداً في كتابهم ، ثم إنّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر على وفق ذلك
من غير سابقة دراسة وتعلم، فظهر أنّ ذلك إنّما حصل بسبب الوحي من السماء .
السؤال الخامس: لما أثبت الاستيقان لأهل الكتاب وزيادة الإيمان فما فائدة قوله بعد ذلك: {وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ}؟..




([1]) ينظر (جامع البيان في تأويل القرآن) 24/30-31 للطبري المتوفى (310هـ) , تحقيق محمد شاكر مؤسسة الرسالة.

([2]) ينظر (الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل) 4/651-653 للزمخشري المتوفى (538) ، الناشر: دار الكتاب العربي – بيروت.

([3]) ينظر (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) 5/396 لابن عطية الأندلسي المتوفى (543 هـ) ، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي ، دار الكتب العلمية – بيروت.

([4]) ينظر (زاد المسير في علم التفسير) 4/364 لابن الجوزي المتوفى (597هـ) ، تحقيق: عبد الرزاق المهدي ، دار الكتاب العربي – بيروت.

([5]) ينظر ( مفاتيح الغيب = التفسير الكبير) 30/711 للرازي المتوفى (606ه) ، دار إحياء التراث العربي – بيروت.