.

جاء في ’’جريدة الطريق والحق‘‘ عدد فبراير 2010


.
سؤال غريب:
من أخطأ هذا أم أبواه حتى ولد أعمى؟
من المؤكد أن هذا الشخص كان معروفاً لدى التلاميذ بأنه ولد أعمى، ولذلك عندما رأوه سألوا المسيح هذا السؤال الذي كان موضوع بحث طويل عند اليهود. وربما يدور في ذهن القارئ أسئلة أخرى مثل: ما هي الخلفية الفكرية لهذا السؤال؟ وكيف يخطئ شخص قبل أن يُولد؟ وما هي علاقة خطية الآباء بالأبناء؟ وسوف نجيب علي هذه الأسئلة في ثنايا هذا المقال:
أ‌- هل أخطأ هذا؟
هذا قول غير منطقي، لأن هذا الشخص أعمى منذ ولادته، متى أخطأ؟ ورغم عدم منطقية السؤال فقد كان لدى أحبار اليهود في زمن المسيح تفسيرهم الخاص لهذا الموضوع:
– لقد كان لدى اليهود فكرة عن بداية الخطية منذ بداية حياة الإنسان وتكوينه في الرحم، فهم يعتقدون أن في إمكان الإنسان ارتكاب الخطايا وهو في بطن أمه قبل أن يولد. وقد جاء في الأدب اليهودي القديم محادثة خيالية بين المدعو “أنطونيوس” وبين الحبر اليهودي “يهوذا”: سأل أنطونيوس قائلاً: في أي وقت يبدأ الشيطان عمله، منذ لحظة تكوين الطفل في بطن أمه، أم منذ ولادته؟ فأجاب الحبر يهوذا: منذ أن يبدأ تصوره في البطن.
– ويعترض أنطونيوس علي هذا الرأي محاولاً أن يقنع محدثه بخطأ رأيه، فيقول: لو كان الشر يبدأ منذ تكوين الجنين، لتضايق الجنين من السجن الذي يحيا فيه، وراح يرفس ويمزق أحشاء أمه، وربما أدي ذلك إلي موتها، أو إلي خروجه قبل الأوان. أما الحبر اليهودي يهوذا فبحث في كتب الناموس فلم يجد إلا الآية التي جاءت في سفر التكوين “هناك خطية رابضة عند الباب” (تكوين 4: 47). وفسرها بقوله إنه عند باب الرحم تكمن الخطية منتظرة اللحظة التي يتكون فيها الإنسان، ملازمة إياه طيلة فترة الحمل مولودة معه بولادته، متجاهلاً أن المقصود بالنص هو ذبيحة الخطية وليس الخطية. وربما يكون ما ذكره المعلم اليهودي هو نتيجة لفهم خاطئ لقول النبي داود: “بالآثام صورت وبالخطية حبلت بي أمي”.
– في عصر المسيح تأثر اليهود بالثقافة اليونانية، وبنظريات أفلاطون عن الوجود السابق لأرواح الناس، وهكذا اعتقد اليهود أن أرواح جميع البشر كانت موجودة منذ البدء في مكان ما أعده الله لها، وهي تنتظر وجود الجسد وتكوينه لتدخل فيه، واعتقدوا أن هناك أرواحاً صالحة خيرة بطبيعتها، ولا تتلوث إلا عند دخولها الأجساد، وأن هناك أرواحاً غير صالحة، وربما استندوا علي ما جاء في سفر الحكمة الأبوكريفي: “بل كنت بالأحرى صالحاً فأتيت في جسد غير مُدنس” (حكمة سليمان 8: 20).وقد اعتقد بعض اليهود بفكرة تناسخ الأرواح أي أن أرواح البشر كانت عائشة قبل حلولها في الأجساد وأنها ارتكبت خطأ سابقاً لتجسدها.
لقد كانت هذه هي الخلفية الفكرية التي تسود المجتمع اليهودي في ذلك الوقت، والتي دفعت التلاميذ أن يسألوا المسيح: هل أخطأ هذا أم أبواه؟
.


ويقول القس ابراهيم سعيد في شرحه لإنجيل يوحنا :-

عجيب ان هؤلاء الصيادين يلهون بالمشاكل الفلسفية عن أعمال الرحمة... ربما في هذا برهان على ان اكثر الناس رغبة في إثارة المشاكل اللاهوتية الفلسفية ، ليسوا هم أوسع الناس عقولاً ، بل أضيقهم قلوباً . فوا رحمتاه على القرون الطوال التي صرفتها الكنيسة في المجادلات الكلامية وانصرفت بها عن المشروعات التبشيرية الجليلة !