اقتباس
اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الشهاب الثاقب. مشاهدة المشاركة


ولكن هناك رواية في سيرة ابن إسحاق تنص على أن أول خطاب بين جبريل - عليه السلام - والنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - كان برؤيا صادقة في المنام؛ ففي رواية ابن إسحاق عن عبيد بن عمير مرسلا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «جاءني جبريل وأنا نائم بنمط[14] من ديباج[15] فيه كتاب فقال: اقرأ...» إلخ، فظاهر هذا أنه كان مناما [16] [17].
وهذه الرواية تخالف الصحيح الذي رواه البخاري من نزول جبريل بالسورة جهرا وعلانية، وزاد ذلك وثوقا ما رواه البخاري في نزول آية المدثر عن جابر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فقلت: زملوني زملوني، فأنزل الله تعالى: )يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2) وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4) والرجز فاهجر (5)( (المدثر)، فحمي الوحي[18] وتتابع»[19] [20].
والمعول عليه ما في الصحيحين، وأن ذلك كان في اليقظة لا في المنام، وإن ثبت ما ذكره ابن إسحاق فيكون ما حدث في المنام كان قبل ذلك توطئة لما حدث في اليقظة[21].
وهكذا ننتهي إلى حقيقة ثابتة متفقة مع مجموع النقول، وتتلاقى مع العقول، وهي أن الالتقاء بالروح القدس ابتدأ في المنام، ثم ألف محمد - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا المنامية الصادقة، ويظهر أنها في وضوحها وجلائها تشبه رؤية اليقظة؛ إذ كانت تجيء مثل فلق الصبح كما أخبرت أم المؤمنين عائشة، حتى إذا كان الأنس بروح القدس، وامتلاء النفس بالروحانية كانت المشاهدة في اليقظة؛ لأن ذلك مقام خطير عظيم، لا تقوى عليه النفوس إلا بعد أن تصقل صقلا روحيا[22].


جزاك الله خيرا

احسنت اخي الكريم عندي نقطتين تؤيد ما ذكرت

اولا علق الامام ابن كثير رحمع الله بنفس هذا التعليق في البداية و النهاية حيث ذكر :

ال البخاري : حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها قالت : أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ، [ ص: 6 ] ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها ، حتى فجئه الحق ، وهو في غار حراء ، فجاءه الملك ، فقال : اقرأ . فقال : " ما أنا بقارئ " . قال : " فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ . فقلت : ما أنا بقارئ . فأخذني ، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ . فقلت : " ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم [ العلق : 15 ] ، فرجع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد ، فقال : " زملوني زملوني " . فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة ، وأخبرها الخبر : " لقد خشيت على نفسي " فقالت خديجة : كلا والله ، لا يخزيك الله أبدا ; إنك لتصل الرحم ، وتقري الضيف ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتعين على نوائب الحق . فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ، ابن عم خديجة وكان امرءا تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما [ ص: 7 ] شاء الله أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي ، فقالت له خديجة : " يا بن عم ! اسمع من ابن أخيك . فقال له ورقة : يا بن أخي ، ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس الذي كان نزل على موسى ، يا ليتني فيها جذعا ، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أومخرجي هم ؟ " فقال : نعم ، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا . ثم لم ينشب ورقة أن توفي ، وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال ، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل ، فقال يا محمد ، إنك رسول الله حقا . فيسكن لذلك جأشه ، وتقر نفسه ، فيرجع ، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل ، فقال له مثل ذلك .هكذا وقع مطولا في باب التعبير من " البخاري " . قال ابن شهاب : وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه : بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء ، فرفعت [ ص: 8 ]بصري ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فرعبت منه ، فرجعت ، فقلت : زملوني زملوني ، فأنزل الله : يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر [ المدثر : 1 - 5 ] فحمي الوحي وتتابع .ثم قال البخاري : تابعه عبد الله بن يوسف وأبو صالح يعني عن الليث وتابعه هلال بن رداد عن الزهري . وقال يونس ومعمر: بوادره . وهذا الحديث قد رواه الإمام البخاري رحمه الله في كتابه في مواضع منه ، وتكلمنا عليه مطولا في أول شرحالبخاري في كتاب بدء الوحي إسنادا ومتنا . ولله الحمد والمنة .

وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث به ، ومن طريق يونس ومعمر عن الزهري كما علقه البخاري عنهما ، وقد رمزنا في الحواشي على زيادات مسلم ورواياته . ولله الحمد ، وانتهى سياقه إلى قول ورقة : أنصرك نصرا مؤزرا .

فقول أم المؤمنين عائشة : أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبحيقوي ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار عن عبيد بن عمير الليثي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : فجاءني جبريلوأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب ، فقال : اقرأ . فقلت : " ما أقرأ " . فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني وذكر نحو حديث عائشة سواء . فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة ، وقد جاء مصرحا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عنالزهري أنه رأى ذلك في المنام ، ثم جاءه الملك في اليقظة .

وقد قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه " دلائل النبوة " : حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا منجاب بن الحارث حدثنا عبد الله بن الحارث حدثنا عبد الله بن الأجلح عن إبراهيم عن علقمة بن قيسقال : إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم ، ثم ينزل الوحي بعد وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسه وهو كلام حسن يؤيده ما قبله ، ويؤيده ما بعده .

البداية والنهاية» كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم» باب كيف بدأ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم


فعلى فرض صحة رواية عبيد بن عمير فيكون ما راه في المنام تمهيدا لرؤيته لجبريل عليه السلام في الغار كما في حديث ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها في البخاري . و يؤيده حديثها في الرؤيا مثل فلق الصبح فيجمع بين مرسل عبيد بن عمير و بين باقي الروايات المتواترة في رؤيته جبريل يقظة في الغار على هذا المعنى و التاويل.


ثانيا و الاهم : الرواية ضعيفة لانها مرسلة من عبيد بن عمير و هو لم يدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم و لم يراه

يقول الامام الذهبي في سير اعلام النبلاء :

عبيد بن عمير ( ع )

ابن قتادة الليثي الجندعي المكي ، الواعظ المفسر ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وحدث عن أبيه ، وعن عمر بن الخطاب ، وعلي ، وأبي ذر ، وعائشة ، وأبي موسى الأشعري ، وابن عباس ، وطائفة حدث عنه ابنه عبد الله بن عبيد ، وعطاء بن أبي رباح ، وابن أبي مليكة ، وعمرو بن دينار ، وعبد العزيز بن رفيع ، وأبو الزبير ، وجماعة .

وكان من ثقات التابعين وأئمتهم بمكة ، وكان يذكر الناس ، فيحضر ابن عمر -رضي الله عنهما- مجلسه .

روى حماد بن سلمة ، عن ثابت ، قال : أول من قص عبيد بن عمير على عهد عمر بن الخطاب .


سير اعلام النبلاء ، ترجمة عبيد بن عمير



فالرواية ضعيفة سندا و متنا كونها مرسلة ولمخالفتها ما ثبت في البخاري و مسلم و غيرهما من حديث ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها و الجمع بين الروايتين يكون في حال ثبوت الرواية سندا فان لم تثبت سندا فلا قيمة لمثل هذا الجمع بين الروايتين