

-
إلى بلاد الكنائس.. (3)
استيقظ جورج مبكرًا، وبعد أن تناول إفطاره شرع في قراءاته كعادته؛ فقد كان لديه كتاب مهم يود قراءته هو كتاب (حكايات محرمة في التوراة) تأليف: جونثانكيرتش. قرأ تعليق مجلة واشنطن بوست على الكتاب: «يقول لنا المؤلف في هذا الكتاب المدهش أن العهد القديم مليء ببعض أكثر القصص ترويعا وجلاء في الأدب الغربي.. كتمت بسبب طول التاريخ لأنها قصص صادمة». فهل يعقل أن يكون القساوسة والرهبان أعلم من الله فيما يصلح للبشر أن يعرفوه وما لا يصلح؟ كان يتساءل في نفسه: ما هي الحكايات التي لا يعرفها في العهد القديم (التوراة)؟ ولماذا أخفيت؟ وكيف؟ هل يمكن أن تكون أكثر دموية أو أكثر عنفًا مما تحدث مع ليفي فيه سابقا؟ قرر أن يبادر إلى القراءة قبل أن يأتي توم، فهو على موعد معه اليوم. كان الكتاب مليئا بكيفية التلاعب بالترجمات لإخفاء بعض الموضوعات، بل بالقص والحذف من النسخة الأصلية التي بالعبرية؛ ليتناسب مع القراء، بحجة أنه كيف نترك أطفالنا يقرؤون قصص العهر والعري والعنف هذه؟ وأحيانًا بادعاء الحاخامات بأن الكتاب المقدس لا يعني ما يقول. كانت جميعها محاولات بائسة لإخفاء أو تزييف أو تغيير النص الأصلي، ليعود التساؤل في ذهنه: هل هذا يعني أنهم أعلم من الله؟ أم يعني أنه ليس من عند الله؟ أم أنه حرِّفَ وبدل عما جاء به الله؟
استمر جورج يقرأ وهو في حالة من الذهول والصدمة؛ إذ إن هذا الكتاب المقدس (العهد القديم) تؤمن به جميع الديانات السماوية (اليهودية والمسيحية والإسلام)، ونقضه ربما نقض لكل الأديان السماوية! قرأ في الكتاب قصة نوح المخمور العاري، وقرأ القصة الجنسية القذرة بين لوط وبنتيه، وكيف ضاجعتاه، أو بين رأوبين ابن يعقوب وبين بلهة سرية أبيه أو..، كانت نفس جورج تشمئز وهي تقرأ هذه القصص الجنسية حتى بين المحارم، استغرب جورج هذه القصص التي تشمئز منها النفوس السوية، فكيف تكون مع أنبياء الله ورسله؟ واجه جورج صعوبة شديدة في إكمال هذه الحكايات.. حتى وصل للجزء الخاص بوصف الله بأنه: «إله متقلب المزاج زئبقي، وغالبا ما يكون هدامًا أكثر من كونه باعثًا للحياة»، كان يشعر بأنها أوصاف صعبة، وأنه لا يمكن أن يعبد هذا الإله البتة! هل تُعقل هذه الجرأة حتى على الله؟! إن من يعبدون البقر يقدسونها أكثر مما يقدس الكتاب المقدس الرب. ضحك جورج واستلقى على ظهره وهو يقرأ حكاية ثامارا المومس المقدسة! وكيف أصبح الزنا مقدسًا ما دام في المعبد؟ بل قال بعضهم ربما كانت راهبة، ثم استنكر أنها ربما تكون زوجة ابن يهوذا الذي زنا بها، شعر جورج بالاشمئزاز مما يقرأ، وشعر أنه لا يستطيع أن يكمل قراءة هذه القصص والحكايات، وتذكر فضائح الرهبان والراهبات الكاثوليك الجنسية التي انتشرت في وسائل الإعلام.
أغلق الكتاب وفتح جهاز الحاسب الآلي، دخل موقع اليوتيوب وكتب: «فضائح الكنيسة الجنسية»، وهاله كمية الفضائح الجنسية الموجودة والموثقة والمصورة، كان يسأل نفسه: هل أكمل في السفر إلى روما وأعرف سوء الكاثوليكية وأستمر كما أشار عليّ آدم، بل وكاترينا الكاثوليكيان؟ أم أسافر للنزهة فقط وأنسى طريق السعادة؟ لكنه يعرف أنه إن نسي طريق السعادة فسيعود لطريق الشقاء والشك الذي كان يعيش فيه، أو يتجه للإلحاد تلك الفكرة المدمرة للنفس البشرية بنفس قوة تدميرها للعقل والعلم، شعر بالأفكار تتصارع في ذهنه، بل كل فكرة قبل أن تصرع الفكرة الأخرى تصرع نفسه وروحه، وتعيد كل تساؤلاته عليه، ولم يقطع عليه ذلك إلا والطبيب يقول له:
جورج.. جورج ألا تسمعني؟ هاه.. نعم، تفضل أكلمك وأنت في عالم آخر، في ماذا كنت تفكر؟! في موضوع أكرهه وأبغضه. وما هو؟! أكره التناقض ومخالفة المنطق والعقل. ماذا تعني؟ أَسمعت عن فضائح الرهبان؟! أوه.. نعم. كيف يعقل أن يتفرغ لعبادة الله أناس ليغتصبوا الأطفال بعد ذلك؟! كما يشرب الخمر أو يتعاطى المخدرات طبيب وهو يعرف خطرها وضررها! ولكن ماذا تعدون الطبيب الذي يتعاطى الهيروين فيكم؟ طبيب فاشل، يجب أن يطرد من المهنة ويشهر به! فإذا كانت الجهة المسئولة عن الأطباء ترقيهم وتكافئهم وتسكت عنهم، بل وتروج لهم ولمخدراتهم، بل وتعلمهم طرق ذلك، بل نظامها ودستورها يحث على ذلك! مستحيل، لكن لنكمل حديثنا، فهي جهة متواطئة سيئة، ويجب أن يُحَذَّر الناس من الأطباء ومن المستشفيات ومن الطب كله، ماذا تريد؟ أليست التعاليم المقدسة تعلم حتى الرهبان الجنس والزنا والفجور والاغتصاب؟! أليست الكتب المقدسة مليئة بمثل هذا حتى عن الأنبياء؟! فلماذا لا نعاملها كما تقول؟ لم أفهم شيئًا، بل الأصح لا أريد أن أفهم شيئا منك، هل تريدنا أن نلحد إذن؟! في عالم الطب نعرف جيدا أن كثير من الأطباء الملحدين حتى المتميزين منهم أقرب إلى أن يكونوا مرضى نفسيين، أو دعني أقول: على الأقل ليسوا سعداء في حياتهم، إن أردت نصيحتي اهرب من نفسك وأفكارك هذه ولو كنت مقتنعا بها، اهرب بأي طريقة.. باللعب بالخمر، بالنساء، بالعمل بأي شيء. وهل يمكن أن نهرب من أنفسنا ونشعر بالسعادة؟! للأسف لا يمكن ذلك البتة، لكن هذا الشقاء يعتبر نعيمًا بالنسبة لشقاء الإلحاد والبعد عن الله.. آسف لقطع الحوار الممتع، لكني جئت لأجيبك عن أي استفسار طبي فقط عن حالتك، وبأنك ستخرج اليوم مساء، وننصحك بمتابعة درجة الحرارة خلال اليومين القادمين أيضًا، فهل لديك أي سؤال؟ طبـي فقط؟! لا شكرًا.. فقط هل أحتاج بعد يومين الاستمرار في التأكد من درجة الحرارة؟ لا.. اليومين القادمين للاحتياط الإضافي فقط، وفي حالة استقرارها، فهذا يعني أنك استرددت صحتك كاملة.
دخل توم.. وألقى التحية على الطبيب وجورج.. فاستأذن الطبيب منهما ليخرج إلى عمله، فبادره جورج..
هناك سؤال غير طبي فهل تأذن به؟ بشرط أن يكون سريعًا، تفضل. بما أنك تعرف أن الهروب لا يجلب السعادة، لماذا تهرب؟ خوفًا من الإلحاد، فهو الشقاء بعينه من وجهة نظري على الأقل. إما إلحاد أو هروب؟! لا خيار ثالث؟! ربما كان هناك خيار ثالث، لكني لم أهتدِ إليه، فإن وصلت له فأخبرني وأكون ممتنًّا لك.. أستأذنك وإن كان لديك أي استفسار طبي قبل خروجك يمكنك أن تخبر الممرضة كي تتصل بي، مع السلامة.
نظر توم للطبيب وهو خارج، ثم التفت إلى جورج..
جورج أنا لا أعرف ما الحوار الذي كان يدور بينكما؟ لكني أعرف شقاء الإلحاد وهمه وغمه كما لا يعرفه غيري. لماذا الإلحاد شقاء كما تقولون؟ من أصعب الأمور ألا تجد من تركن إليه، وتفوض إليه أمرك، وتتعرف منه على دربك وطريقك. كيف أتعرف منه على دربي؟ عن طريق رسله وكتبه إلينا. وهل تتوقع أن يدلني على دربي راهبة مومس أو راهب مغتصب؟ لم أفهم؟ هل يدلني على دربي نبي مخمور زانٍ، أو كتاب جنسي مقدس؟ ماذا بك يا جورج؟ لماذا تتكلم هكذا اليوم؟ تعبت يا توم، أفكر جديًّا ألا أسافر لروما، أو أسافر للنزهة والسياحة فقط. لماذا.. ما الجديد؟ لا جديد، لكني قرأت ورأيت عن الجنس والعنف في التوراة والإنجيل. وهل هذا خاص بالكاثوليكية؟! ماذا تعني؟ العنف البروتستانتي أليس مثله أو أشد؟! أتعرف من قتل الشعوب الكاثوليكية في ألمانيا وغيرها في أكبر مذابح في التاريخ؟ نعم البروتستانت، لكني تعبت، ربما حتى البروتستانتية لا تنفع! جورج كن قويا كما عودتنا، وإياك والضعف، إن ثابرت وصممت ستصل لطريق السعادة، وإن انهزمت وضعفت فستؤول إلى شقاء الهم والغم. ماذا أفعل؟ لا أعلم، كل الذي أعلمه أنه لا يمكن أن يخفي الله الطريق إليه. أين هذا الطريق؟ أليس المسيحيون والمسلمون يؤمنون بالعهد القديم؟ ذلك الكتاب المليء بالجنس والعنف، كنت لا أصدق ليفي وهي تتحدث عن هذا، لكني أيقنت الآن بما تقول، هل تريدني أن أعطيك أدلة من العهد القديم؟! لا أحتاج أبدا، بل إن أردت أن أعطيك أدلة من العهد الجديد أيضا فعلت. لماذا إذن نتعب أنفسنا بالبحث في المسيحية والإسلام وهما يسيران في نفس الطريق؟ اتفقنا من البداية أن نسير في الطريق وأن نتعرف، ولا أعرف لماذا أشعر بأننا اقتربنا أن نصل إلى الطريق، فلا تستسلم في نهاية السباق.. جورج أنت لا تسير أو تبحث لنفسك، أنا أصبحت قراءاتي وأبحاثي معك، وأنا متأكد أننا سنصل، لكن لا تسألني كيف؟ لدي نفس الشعور، لكني كثيرا ما أشعر أنني ربما أتلاعب بنفسي وروحي، وإلا فكل الأدلة تدل على تيه وضياع عن الطريق، مع إني في داخلي أشعر بأني قريب. سافر إلى روما وتعرف على الكاثوليكية والبروتستانتية عن قرب، وشاهد وحاور عما قرأته، ولا تتخذ قرارك الأخير حتى تنتهي من كل الأديان السماوية. وسنبحث في الإسلام أيضًا؟! أكيد بلا شك، والبحث في شيء لا يعني الإيمان به، ألم تبحث وتقرأ وتحاور في البوذية والهندوسية واليهودية؟ ما الجديد إذن؟ ألم نتفق سابقا أن نترك الحكم حتى ننهي التعرف على كل الأديان السماوية؟! سأكمل وأنا لا أرى أمامي الآن إلا سدًا من الخرافة والعنف والجنس والتحريف في كل ما ذهب وما بقي من الأفكار والأديان، رغم أني متأكد في داخلي أنني سأصل إلى طريق السعادة. فكر أكثر في أنك ستصل لطريق السعادة، ولو كان الوصول وطريقه واضحا وسهلا لما احتجنا أن نبحث عنه! سأصل، وربما أفاجأ أن الحل بجواري سهل وواضح، ولكني لم أستطع أن أراه. ربما يكون الطريق هو الكاثوليكية أو البروتستانتية.. أو الإسلام. رغم قناعتي بأن كل هذه الطرق مليئة بالخرافة والدجل واستغلال الدين للوجاهة والمال والجنس لكنا سنكمل، فبماذا توصني؟ هل قرأت كثيرا؟
نعم، ولم يتعبني إلا قراءاتي، بالمناسبة: الكاثوليكية لا تريدينا أن نقرأ حتى الكتاب المقدس إلا بشرح من البابا، فما في الكتاب المقدس يجب أن نفهمه كما يفهمه البابا؟! وتريدنا أن نصادر عقولنا. صدقت، ولكن البروتستانتية تريد أن تؤلف الدين كما تريد، وتفهمه كما تحب، ولهذا انشقت وانقسمت كثيرا. بل أصل العهد الجديد يبدو أنه مليء بالتحريف، فسواء فهمناه كما يريد البابا أم كما نريد نحن فهو محرف، ألم أقل لك كل هذه الأديان لا تنفع وأنها خرافة؟ جيد، اقرأ أكثر، تعلم أكثر، ناقش أكثر، انفتح أكثر، عند ذلك سترى الطريق. لكن الكاثوليكية تقوم على الأسرار التي لا يصح مناقشتها، أسرار الكنيسة السبعة التي لا يفهمها إلا الرهبان!! ومناقشتها والتفكير فيها أو الاعتراض عليها كفر، مع أنها تخالف العقل والمنطق! حتى البروتستانت يؤمنون باثنين منها. ألا ترى أني كلما قلت لك شيئا قلتَ لي: البروتستانتية مثل ذلك؟ فهل أصبحت كاثوليكيًّا من ذهابك للكنيسة الكاثوليكية مع كاترينا؟ أعرف جيدًا كل ما تقول، ولكني أتكلم عن الكاثوليكية. لا أريدك أن تكون متحيزًا متحاملا على دين بلا علم وعقل، فإن كان بعلم وعقل فقل ما تشاء بلا تحامل. وما أقوله بعلم وعقل. وما أقوله أنا كذلك، وأردت أن تكون أكثر توازنا. آه.. صدقت، ربما أكون أكثر حدة على الكاثوليك، رغم أن أكثر ما أقوله عنهم موجود في اليهودية والبروتستانتية؛ بل وأتوقع الإسلام كذلك. ولذا دعنا نكمل رحلتنا الاستكشافية بنفس هادئة كما بدأنا، إلى أن تتضح لنا الأمور.. ألست أنت الذي تقول لي «ببساطة وبلا تعقيد»؟ نعم هذه من جمل آدم المعروفة. لذا كلما كان الإنسان هادئا كان أكثر اتزانا وأكثر عقلًا، كما أني أدعوك كما قلت لك من البداية بأن تتعرف ولا تتخذ القرار حتى تنجلي لك الأمور، فقد يكون القرار أنها اليهودية مثلا، فلم الاستعجال؟ ببساطة لا أعتقد أنه يمكن أن تكون اليهودية بحال من الأحوال، فأنا أكره العنف، والتوراة مليئة بالعنف، تخيل أنه في العهد القديم: (وملعون من يمنع سيفه عن الدم)، و: (قال الرب إله إسرائيل: على كل واحد منكم أن يحمل سيفه، ويطوف المحلة من باب إلى باب ويقتل أخاه وصديقه وجاره)، أيّ إرهاب هذا؟! أليس المسيحيون والمسلمون كذلك يؤمنون بالعهد القديم؟! فكن أكثر رفقًا، ولا تحكم حتى تتضح لك كل الأمور، وأنا متأكد أنك ستصل لطريق السعادة. هذه أكبر مشكلة في ظني، فالمسيحيون يرون أن العهد الجديد مكمل للعهد القديم، وأظن المسلمون كذلك، ولذا فكلها أديان عنف وإرهاب. هنا نقطتان: الأولى أنه لا يصلح الظن في هذه القضايا، بل يجب أن تبني رأيك عن علم، ثانيا: أتمنى أن تكون أكثر تدقيقا، فماذا يعني أن العهد الجديد مكمل للعهد القديم؟ هل يعني أنهم يؤمنون به أم لا؟ أتفق معك فيما قلت، فالظن ليس علمًا، كما أن التحرير والتدقيق من أهم القضايا، ولكن للأسف لم يحرر المسيحيون مصطلحًا مكملًا تحريرًا واضحًا، وليس أنا الذي لم أحرر، فالكاثوليك مثلا يمنعون أتباعهم من فهم حتى العهد الجديد، ويرون أنه ينبغي أن يفهمه الرهبان ويوضحوه للعامة مثلي ومثلك، وإلا لعلك تعرف نصوصًا في العهد الجديد مثل: (لا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض، ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا)، أو: (أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم، فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي). وأنت تعرف أن لدى المسيحيين تأويلات لهذه الأقوال. نعم لدينا تأويلات، ولدينا نصوص معاكسة لها تدعوا للرحمة والمحبة، ورغم عدم منطقية التأويلات إلا أنها تبقى تأويلات، لكن لا تتناسق هذه التأويلات مع إيماننا بالعهد القديم المليء بذلك، وأفعالنا للأسف تدل عليها، ليس مع الآخرين فحسب، بل فيما بيننا، هل تريدني أن أذكر لك أمثلة على وحشيتنا؟! ليس هذا موضوعنا الآن، دعنا نضع الأمور في نصابها، وننظر بنظرة شمولية عامة، فلدراسة أي دين من المناسب التركيز على: إلهه، ورسوله، وكتابه، وعقائده، وأحكامه، تاريخه، وواقعه، وفي دارسة ذلك من الجيد التركيز على الأمور الكلية لا الأمور التفصيلية. جيد، كيف؟ بدلا من التركيز على قول معين في العهد القديم أو الجديد وتأويلاته، ننظر للكتاب المقدس نظرة كلية من حيث صحة وصوله، وكاتبه وما يدعوا إليه، وعقائده في الله وأنبيائه، وتبقى المنقولات التفصيلية مجرد شواهد لإثبات الأصل. جميل جدا، مع أني قرأت كثيرا في ذلك، ولكن يمكن أن أرجئ ذلك حتى أقرأ فيه أكثر وأناقش فيه أكثر. لتوضيح ذلك يفترض أنك انتهيت من موضوع اليهودية كما تقول، إذن من كتب العهد القديم؟ وماذا يدعو له؟ وما نظرته لأنبياء الله؟ يفترض أنه من عند الله. هل كتبه الله؟ هل كتبه النبي موسى؟ هل كتبه هارون؟ هل تعرف كاتبه؟ وأظنك مثل هذا تقول عن العهد الجديد؟ بلا شك، وإلا كنت متحيزا، هذه الطريقة في التفكير أقرب إلى إيصالنا لطريق السعادة، وألا ننشغل بالجزئيات التي فيها أخذ ورد. فكرة جيدة، واتفق معك فيها. وبعد عودتك من روما نكون قد استطعنا تقييم أهم دينين من الأديان السماوية، وسيبقى واحد وتتضح لنا الصورة الكلية، وتنتهي رحلتنا الاستكشافية للبحث عن طريق السعادة. فإن اتضح أنها كلها لا تصلح؟! لو كنت كما كنت سابقا لقلت لك نرجع للإلحاد، فأنا لم أجعلك تسلك هذا الطريق إلا لتعود للإلحاد، لكن الآن أقول لو اتضح أن كلها لا تصلح سنعود ونقيم عملنا بالكامل من البداية، وسنبدأ مرة أخرى في: هل الدين ضروري؟ ثم كيف نختار الدين؟ وهكذا حتى نصل إلى ما نحن فيه الآن، لكن ستكون الأمور قد اتضحت لنا أكثر. مشوار طويل جدا؟ أتوقع ألا نعود مرة أخرى، وأتمنى ذلك، ولكن المسألة مرتبطة بالعلم، بمعنى أنه كلما ازددنا علما ازددنا بصيرة، وبالعكس كلما زادت المناطق العمياء وزاد جهلنا بعدنا عن الوصول إلى إجابة التساؤلات، وبالتالي ابتعدنا عن طريق السعادة، أنا متأكد من أنك ستصل، ولكن اصبر قليلا. سأصل لا محالة، ثم ابتسم وقال: وأكثر ما يتعبني أني لا أرى الطريق إلى الطريق.
الطريق إلى الطريق واضح، لكن ما لا تراه هو الطريق، وكثيرا ما يحسب الناس الطريق إلى الطريق جزءا من الطريق الذي يبحثون عنه ولم يروه. فلسفة جميلة، ولكن بين لي وضوح الطريق إلى الطريق. ألست تعرف أنك من البداية ألغيت طريق الإلحاد والعلمنة؟ ثم ألغيت طريق الديانات الأرضية؟ ثم بدأت تفاضل بين الأديان السماوية؟ أليس كذلك؟ أتفق معك تماما، لكن ما ليس واضحًا لي كيف سنصل إليه؟ هذا ما قلته لك، ما ليس واضحا لك هو الطريق، لا الطريق إلى الطريق.
ههه، جيد لكن لنتجاوز ذلك، ماذا تنصحني في سفري؟ أوصيك أولا: بأن تستمتع بالرحلة، وتنزه أطفالك؛ فأنت تحتاج إلى أن تريح ذهنك، وترتب وتفرز معلوماتك الكثيرة التي جمعتها من قراءاتك ونقاشاتك، ثانيًا: استمر في قراءاتك ونقاشاتك، ولكن بعقل مفتوح، واهتم بالقضايا الجوهرية لا الشكلية، ثالثا: أكثر من التأمل الذي يساعد على الفرز والترتيب لمعلوماتك، ويساعدك على التركيز في القضايا الجوهرية. جيد، أعتقد أنها وصايا مهمة وسأجاهد نفسي عليها، فرغم راحتي بمجرد البحث عن تساؤلاتي إلا أنني أجد نفسي أصبحت أكثر حدة. الحدة سببها الضغط المتتالي على عقلك، ضغط معلوماتيّ، وضغط مَن حولك، لذا أصبحتْ حمولتك كبيرة، فخفف من أحمالك بالوصايا التي ذكرتها لك. نعم سأفعل، فقد وعدت أبنائي بذلك أيضًا. سفرًا سعيدًا، وألقاك بعد سفرك، وأنت أقل أحمالا، وأكثر معلومات، وأكثر انفتاحًا. ما أخبار براد يا توم؟
يبدو أن الموضوع بدأ يتطور، فقد بدأ بتهديدي بوضوح ببعض الصور والتسجيلات التي لديه. تهديدك! نعم، لديه صور قديمة غير أخلاقية لي مع بعض المريضات، ولديه تسجيلات من بعض الجلسات، وبدأ يساومني عليها، وإلا سيرفعها لمجلس اللجان الطبية، وإلى النقابات الطبية. وماذا يضرك لو رفعها للنقابات؟ تسحب مني الرخصة المهنية، بالإضافة للفضيحة العامة. يساومك على ماذا؟ على أن أعمل معه. في ماذا؟ هههه، في بيع المخدرات، وتنفيذ ما يطلب مني. أن يبلغ النقابات خير من أن تصبح مروج مخدرات. صدقت.. لكن لو طردت من المهنة فهذه كارثة كبيرة أيضًا. وماذا ستفعل؟ لا أعرف، سأتدبر أمري، أستأذنك مع السلامة.
عاد جورج لقراءاته وهو سعيد بلقائه مع توم.. شعر بأنه اطمأن واستراح بعد مقابلته، وانشرح صدره لكلامه، وقرر أن يعمل بما أوصاه قدر ما يستطيع. لكنّ ذهنه بات مشغولًا في كيفية مساعدة توم في مشكلته مع براد.. فبعدما وثق بتغيّر توم،لم يرد أن يتركه وحده، لكن ماذا عساه أن يفعل؟
فيما كان يفكّر في مشكلة توم.. فتح بريده الإلكتروني، فوجد رسالتين من حبيب وليفي، يطمئنان على صحته، فردّ عليهما:
«عزيزي حبيب لقد أجريت عملية جراحية ناجحة، وأبشرك أني بخير صحة وعافية، سأسافر بعد يومين إلى روما، وكم كنت أتمنى لو كنت هناك؛ لتفسر لي بعلمك وعقلك المفتوح بعض ما يشكل علي في الكاثوليكية. محبك: جورج» «صديقتي ليفي لقد أجريت عملية جراحية ناجحة، وأبشرك أني بخير صحة وعافية، سأسافر بعد يومين إلى روما، وكم كنت أتمنى لو كنت هناك لتفسري لي بعلمك وعقلك المفتوح بعض ما يشكل علي في التوراة وفي اليهودية. محبك: جورج»
وبينما هو يكمل تصفح رسائل بريده دخلت عليه كاترينا..
بدأت إجراءات خروجك بعد قليل إن شاء الله. اشتقت كثيرًا للبيت وللناس وللسيارات. كانت فترة غيابك صعبة جدًّا علي وعلى أبنائي.. أما أنت فكنت مشغولًا في قراءاتك ومناقشاتك، هل جاء توم اليوم؟ نعم، وقد كانت جلسة رائعة. ألم أقل لك ذلك؟ نصائحك دائمًا موفقة، المهم متى سنخرج؟ بعد قليل، بقي أن أتم بعض الأوراق، سأذهب لأتمها الآن وأعود حتى نخرج وتخبرني في الطريق بما تم بينك وبين توم اليوم.
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة *اسلامي عزي* في المنتدى البشارات بالرسول صلى الله عليه وسلم
مشاركات: 5
آخر مشاركة: 11-09-2018, 08:12 PM
-
بواسطة ابوغسان في المنتدى البشارات بالرسول صلى الله عليه وسلم
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 30-12-2014, 04:14 PM
-
بواسطة صدى الحقيقة في المنتدى من ثمارهم تعرفونهم
مشاركات: 3
آخر مشاركة: 26-09-2013, 12:57 AM
-
بواسطة pharmacist في المنتدى المنتدى العام
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 16-04-2013, 12:02 PM
-
بواسطة محمد مصطفى في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 28-04-2006, 01:58 AM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات