المستشرقون والقرآن

دراسة لترجمات نفر منالمستشرقين الفرنسيين للقرآن وآرائهم فيه

ترجمة "سافاري (1)"

د. إبراهيم عوض


كذلك لاحظتُ أن المترجِم لا يَنطِق الكلماتِ العربيةَ نطقًا سليمًا، وهذا واضحٌ من الألفاظِ والعبارات التي أدَّاها بالحروف اللاتينية، وها هي ذي بعضُ الأمثلةِ السريعةِ: لقد سبق أن رأى القارئُ كيف كَتَب المترجِم لفظ "مروة" هكذا: "Merva " بكسر المِيم بدلاً من فتحها، وبإبدالِ الواو "فاء".

أوَ يدري أيضًا كيف يَنطِق اسم "أبي بكر"؟ إنه يَكسِر باءَ "بَكر"؟ مما يَنقُل هذه الكلمةَ عن معناها إلى معنى "عذراء"، وهو يَشرَح ذلك بأنه لما كان أبو بكرٍ والدَ الزوجة العذراءِ الوحيدة التي بَنَى بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد سُمِّي كذلك، فتأمَّل هذا التخريجَ المضحِكَ العجيب، "انظر هامش ص11 ".

أما "جلال الدين"، فيَنطِقه بكسر الجيم، وهو خطَّأ مطَّرد - ولا أدري سببَه - وإن كنتُ لاحظتُ عند بعض المستشرقينَ ميلاً إلى قلب الفتحة على الحرفِ الأول من بعض الكلماتِ إلى كسرةٍ.

كما يَنطِق الفاتحة: "fatahat"، والرحمن بضم الراء!" ص113-هـ2"، ومسلمون: "Meslemoun " بكسرِ الميم " ص113 - هـ 2"، ويَنطِق "أُحُد" "احد" ص152-هـ1، و153-هـ2"، ويَنطِق اللاتَ والعُزَّى ومَنَاةَ على النحو التالي: "Lat , Aza Menat" ص169-هـ 1"، "وقتادة "بضمَّ القافِ " ص192 هـ-1"، و"شُعَيْب" بفتح الشين وكسر العين "207 - هـ 3"، والزمخشري: "زَمْشَسْكِر"! "الموضع السابق، ومواضع أخرى كثيرة".

كما يَنطِق "الكهف" بفتح الكاف والهاء معًا " ص290 - هـ 1"، وذا الكفْل: "الكَفِل" ص315 - هـ 2"، وعُرْوَة "عَرُوَة " ص422 - هـ 2 ".

وكمثلِ خطئه في نطقِ اسم "أبي بكر"، وفي توجيه معناه، يُخطِئ في تفسير اسم "مالك"خازنِ النار؛ إذ يقولُ: إنه سُمِّي كذلك؛ لأنه واحدٌ من الملائكة، وهذه الكلمة تَعنِي "ملاكًا: ange ".

فمن أين له بهذا التوجيه المضحِك؟ "انظر ص424 - هـ 1 ".

أما صلاة "العشاء"، فيَنطِقها: "ache: عَشه"، قائلاً: إنها من طعام العَشَاء، "انظر ص444 - هـ 1"، وهو تخليطٌ عجيبٌ؛ فصلاةُ العِشاء بكسر العين، أما طعام العَشاء فبفتحها، ثم إنه إذا كانت إحدى الكلمتينِ مأخوذةٌ من الأخرى، فإن اسم الطعام هو المأخوذُ من اسم الوقتِ لا العكس، وهو يَنطِق "محمد": "Mahammed " ص740 - هـ 1 "و"الجُمعة "بكسر الجيم" ص471 - هـ 1"، ونَسْر: "naser" ص487- هـ 1"، وعلِّيِّين: "aliin"، و"تَسنيم" بكسر التاء، و "مُشركين "بفتح الميم" ص528 - هـ 3 ".

وليس خطؤه في النطقِ مقصورًا على الكلماتِ المفردةِ، أو على أسماء الأعلام، - كما ربما يتبادرُ إلى الذهن - بل يَشمَل نطقَ جملٍ كاملة يشوِّهها تشويهًا فظيعًا، حتى إني لأتساءل: كيف يتسنَّى له بعد ذلك أن يَفهَم النص القرآني؟
إنه مثلا يَنطِق: ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾.. إلخ " على النحو التالي:

"والشَّمس وضُحَيْها * والقمرٍ إذا تَلَيْها * والنهار إذا جَلَيْها * والليل إذا يَغْشَيْها * والسماء وما يبْنَيْها * واللَّرضٍ وما طَحَيْها... إلخ".

فتأمَّل كيف ينوِّنُ ما دخَل عليه الألف واللام! وتأمَّل كيف يقلِب ألف "ضُحَاها، وتلاها... إلخ" ياءً ساكنةً! وتأمَّل كيف يَغفُل التضعيف في لام "جلاَّها"! وتأمَّل كيف يَكسِر ياءَ "يغشاها"، وتأمَّل كيف يُضِيف ياءً إلى "بناها"، وكيف يُضِيف لامًا أخرى بعد لامِ التعريفِ في الأرضِ، وهذا كلُّه في ما لا يتعدَّى سطرينِ.

إن كاتبَ مقدِّمة الترجمةِ يذكرُ أن المترجِم قد أَنفَق شطرًا من عمرِه مع المسلمين العربِ في بلادِهم، يَأخُذ عنهم القرآنَ ونطقَه، فهل هذه هي مقدرةُ مستشرقٍ يتصدَّى لترجمةِ القرآنِ، بعد أن خالطَ أتباعَ هذا القرآنِ وأصحابَ اللغة التي نزل بها أعوامًا؟

ترى أكانَ هذا المستشرقُ يُحسِن حقًّا اللغة العربية؟


إن الأمر جدُّ محَيِّر! إلا أنني - قبل أن أعدِّي عن الملاحظة الأولى الخاصةِ بعدم الدقة، واعتمادِ الكاتب الترجمةَ الإجماليةَ في مئات المواضع - أَوَدُّ ألا تفوتُنِي الإشارةُ إلى أن ذلك المستشرقَ، في حدودِ انتباهي، لم يُثْبت - ولو مرَّة واحدة - لفظ الجلالة "الله" كما هو، بل أدَّاه بألفاظٍ فرنسية لا تقوم مقامَه أبدًا، مثل: "Le Dieu " ص143"، و "L'Eternel " ص186"، و"Le Tout – puissant " ص218"، و"Le Ciel " ص219" و"Le TresHaut " ص244"، وهذه مجرَّد أمثلة فقط، وإلا فلفظُ الجلالة يتردَّد في القرآن مئاتِ المرات.

ألعلَّه يَنفِر من كلمة "الله"، التي لا يَستَعمِلها إلا المسلمون؟



ربما أوْحَى إليَّ بهذا التفسير قولُه " ص528 - هـ 2" تعليقًا على قولِه - تعالى -: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1]:
"لقد قضى محمدٌ شطرًا من عمره يُحارِب الوثنية ويَهدِم الأصنام، لكنه لما لم يكن يَستَضِيء بوحيٍ إلهيٍّ؛ فإنه - وإن أزاح ظلمات الجاهلية - قد أتى بأخطاءٍ جديدةٍ؛ إذ إنه في دعوتِه لوحدانية الله "Dieu"، قد حارب عقيدة التثليثِ.

إن المسلمين "Maho****ns" يعتقدون بإلهٍ واحدٍ خالقٍ للسماءِ والأرضِ، يُعاقِب على الشر، ويَجزِي على الخير، لكنَّ تعاليمَ نبيِّهم المزيَّف جعَلتهم يرفضونَ الأسرارَ النصرانيةَ "les mysteres"، ويسمُّوننا بالمشركين "machrekin "؛ لأننا نعبدُ ثلاثةً في واحدٍ".

إن كلمة "الله" تدلُّ على المعبودِ الواحدِ الأحد، الذي لم يلد ولم يُولَد ولم يكن له كُفُوًا أحدٌ، فهل هذا هو سببُ هجرِه هذه الكلمةَ، واستبدالِ كلماتٍ أخرى بها؟

ذلك، ولا أُحبُّ أن أتعرَّض لاتهامه محمدًا بأنه نبِيٌّ مزيَّف قد أضل أتباعه، حين شدَّد على وحدانيةِ الله وهاجم التثليثَ، فهو كلامٌ لا يستحقُّ عناءَ تفنيدِه، لكن أليس مضحكًا أن يعابَ المسلمون لتوحيدِهم الله، وعدم إشراكِ أحدٍ من عبيده به؟

ومما يتعلَّق بمسألةِ الدقَّة أيضًا أنه يقسِّم الآيةَ الواحدةَ إلى آيتين وإلى ثلاث أحيانًا، ويشبكُ أحيانًا أخرى الآيتينِ والثلاثَ في آيةٍ واحدةٍ، ولم أَهتدِ قط إلى تفسيرٍ لهذا؛ فهو لا يُرَاعِي مثلاً أن تكون الكلمةُ التي يقسِّم عندها الآيةَ إلى آيتينِ منسجمةً موسيقيًّا مع بقيةِ الفواصلِ، أو أن يكون المعنى قد تَمَّ عندها.

إن هذا عبثٌ يُخِلُّ بالمسؤولية التي أخذها على عاتقه - حين أقدمَ على ترجمةِ القرآن - هو عبثٌ غيرُ مفهومٍ، ولا معذور؛ فإن الآياتِ القرآنيةَ محدَّدة تحديدًا واضحًا لا لَبْسَ فيه في المصاحف. والطريفُ في الأمرِ أنه - بقدرة قادر - قد حافَظ على عددِ آياتِ كلِّ سورةٍ كما هي، اللهم إلا في حالتينِ زاد العدد فيهما آية.