3. القرآن نسخ به الله تعالى كل الشرائع السابقة
خلق الله تعالى آدم وحواء ومنهما ذريتهما التي نحن منها ولما استخلفهم في أرض الدنيا بعد إنزالهم من أرض الجنة بالسماوات أكد حكما أساسيا ثابتا هو أن كل الناس بالكون في أرض الدنيا ملزمون بالشرع الذي ينزله لهم سبحانه وتعالى، والدليل البقرة 38 – 39 " قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " . فهدى الله تعالى الذي ينزله على الناس هو كتابه وشرعه ونظام استخلاف الناس في الدنيا ومادة امتحانهم واختبارهم وابتلائهم.
هذه الآية في سورة البقرة 38 – 39 تؤيدها وتؤكدها الأعراف 35 " يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " .
تدبروا إخواني هذه الأحكام القرآنية إننا مستخلفون في أرض الدنيا لإعمارها من جهة والتمتع بمتاعها الذي أنعم به الله علينا في إطار الحلال والتقوى ولاختيار الذين يفوزون بالحياة الدائمة الخالدة إما في جهنم وإما في الجنة حسب أعمالنا ونتيجة امتحان الدنيا الذي مادته شرع الله المنزل . هناك حركة ونظام سنه الله تعالى حتمي وحق يخلق الله الناس ويموتون ثم يحييهم ويصعد بهم الملائكة عند الله في أرض الحساب والجزاء بالسماوات إلى أن تأتي نهاية وجود الإنسان في ارض الدنيا حيث يفني الله تعالى كل من عليها ويصعد الملائكة بما تبقى من المبعوثين يوم القيامة الكبرى النهائية .والأدلة كثيرة لا داعي لذكرها كلها ومنها البقرة 30 " و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " ويونس 14 " ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون " فاطر 39 " هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره و لا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا لا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا " والكهف 7 " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا " والملك 1 – 2 " تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور " هود 61 " هو أنشأكم من الأرض و استعمركم فيها ."
فتدبروا إخواني المحترمين هذه الآيات الكريمة فالحياة المؤقتة في أرض الدنيا مرحلة امتحان وابتلاء وهي التي تحدد نتيجتها أي عمل الإنسان فيها الحياة الدائمة في أرض الجزاء والحساب في الآخرة فإما العذاب الدائم في جهنم وإما الحياة السعيدة في الجنة . وطبعا يستفيد المسلم المؤمن الصالح المتقي حتى في الدنيا حيث ينال رحمة الله عز وجل وحمايته وينجو من عذابه.
و ذرية آدم التي منها كل إنسان في الكون في تكاثر مستمر وتزايد الظروف الاجتماعية في تطور إلا أن يفني الله تعالى كل من على أرض الدنيا. وساعة الفناء لا يعلمها إلا الله تعالى . لهذا أنزل الله عز وجل عدة كتب حسب ما يراه صالحا للعباد. وهناك أحكام كثيرة مشتركة بين الشرائع السماوية كل شريعة تنسخ من سبقها والقرآن آخرها وناسخها كلها.
بعد هذه المقدمة التمهيدية سأعالج هذه النقطة حول نسخ القرآن لكل الشرائع السابقة له ومنها التوراة والإنجيل كما يلي:
1/. لكل أمة رسول وكتاب ومدة زمنية لصلاحيته ومفعوله.
2/. كل شريعة سماوية تنسخ الشرائع السابقة لها.
3/ الأحكام المشتركة بين الشرائع السماوية.
و هذه المحاور الثلاثة من الأدلة والبراهين دالة على إلغاء الله تعالى وإبطاله للتوراة والإنجيل بالقرآن وهذا ما بين بأن اليهود والنصارى على خطأ وضلالة وأنهم يضيعون فرصة الحياة الدنيا إذا استمروا في كفرهم بالقرآن الذي أنزله الله إليهم ولكافة الناس بالكون.
1 - . لكل أمة رسول وكتاب ينسخ ما سبقه:
منذ تزايد الناس وتكاثروا بعد أن أنزل الله تعالى آدم وزوجته والشيطان من الجنة إلى ارض الدنيا كما أخبرنا الله تعالى في البقرة 36 " وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين " منذ ذلك التزايد وظهور النزاعات بين الناس بعث الله تعالى أول رسول للناس هو نوح عليه وعلى كل الرسل صلاة الله وسلامه وأنزل عليه شريعته ليلتزم بها الناس لأنها مادة امتحانهم وابتلائهم وتنظيم استخلافهم وحياتهم في الدنيا.
ومنذ ذلك العهد قطع الله عز وجل الناس إلى أمم. وتعني الأمة حسب هذا التقطيع الرباني كل الناس الذين يؤمنون بشرع الله المنزل في الكون كله والدليل الأحقاف 18 " أولائك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن و الإنس إنهم كانوا خاسرين " والبقرة 213 " كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه " وفاطر 24 " إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا و إن من أمة إلا خلا فيها نذير " والأعراف 168 " وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك و بلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون " والروم 47 " ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين " والرعد 38 – 39 " ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب " المؤمنون 43 " ما تسبق من أمة أجلها و ما يستأخرون " كل أمة يبعث لها الله رسولا لبليغ كتابه إلى الناس وكل رسول تنتهي صلاحيته بموته والكتاب المبلغ من طرفه تنتهي صلاحيته بإنزال الله تعالى لكتاب بعده.
والقرآن آخر كتاب شرعه الله تعالى للناس وأنزله على رسوله محمد بن عبد الله عليه وعلى كل الرسل صلاة الله وسلامه فقد انتهت صلاحية التوراة بالإنجيل وانتهت صلاحية التوراة والإنجيل بالقرآن . وانتهت الأمم السابقة لأمة القرآن التي تضم كل المؤمنين به في الكون كله والدليل الرعد 30 " كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحيا إليك " . وهذا كلام الله عز و جل الموجه لرسوله محمد بن عبد الله الذي انزل عليه القرآن فتدبروا أيها النصارى واليهود هذه الآية فالله تعالى وهو الصدق والعدل والحق أكد أن امة التوراة وأمة الإنجيل والأمم الأخرى السابقة قد انتهت وصعد أعضاؤها الذين ماتوا وبعثهم الله تعالى إلى أرض الحساب والجزاء بالسماوات.
والأمة الشرعية التي أرادها الله تعالى منذ أواخر القرن السادس الميلادي وإلى ما شاء الله تعالى هي أمة القرآن . وتضم كل المؤمنين به في الكون والدليل الأنعام 114 – 115 " أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا و الذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم " والأحزاب 45 - 46 " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا " . طبعا الرسول ليس في حد ذاته وشخصه سراجا منيرا بل القرآن هو السراج المنير لأنه يهدى من اتبعه إلى الصراط المستقيم فيزيل أمامه الظلام أي يبعده من الضلالة وينير له الطريق أي يجعله في طريق و الجنة السعادة الخالدة. والدليل الأعراف 157 " فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون " والنساء 174 " يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا " الله تعلى أنزل القرآن ولم ينزل الرسول فالقرآن هو السراج المنير والنور الذي يهدي من اتبعه إلى طريق الجنة. و الدليل المائدة 15 " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين " ومن الناحية العقلية والمنطقية إذا كان الرسول في حد ذاته وشخصه سراجا منيرا للناس فمن يكون لهم سراجا منيرا بعد موته. لهذا فالقرآن هو السراج المنير الذي أنزله الله عز وجل لكافة الناس بالكون والرسول بدون القرآن ليس سراجا منيرا.
و من الأدلة على أنه لا وجود إلا لأمة القرآن منذ أواخر القرن السادس الميلادي المزمل 15 " إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا " لكن شهادة الرسل لا تتعلق بمراقبة الناس لأنهم لا يعلمون الغيب نهائيا ومعزولون بعد موتهم عن الدنيا. سوف أوضح هذه المسألة في النقطة المتعلقة بالإيمان. و النتيجة التي نستخلصها من هذه النقطة أن أمة التوراة وأمة الإنجيل والأمم السابقة قد أنهى الله تعالى وجودها وأنهى وألغى وأبطل الكتب التي أنزلت لها ومنها التوراة والإنجيل بالقرآن .