ثانيا : تصرف الله تعالى المباشر
الله تعالى مع كل مخلوقاته بتصرفه و فعله و إذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون رغم كونه مستويا على العرش في السماوات بذاته العظيمة. تصرف الله تبارك و تعالى يكون مباشرا أو بواسطة جنوده في السماوات و الأرض.
و في هذه النقطة أبين أمثلة في القرآن الكريم يتجلى فيها تصرف الله تعالى مباشرة دون استعمال لجنوده. و في النقطة الثالثة سأبين أمثلة عن تصرف الله تبارك و تعالى بواسطة جنوده.
كلما أراده الله تعالى و شاءه في الكون و ما فيه من مخلوقاته يتحقق بمجرد أمره و تقريره و الدليل كثير من الآيات منها: القمر 50 " و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " و غافر 78 " فإذا جاء أمر الله قضي بالحق و خسر هنالك المبطلون " يس 82 – 83 " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء و إليه ترجعون " و الأحزاب 38 " و كان أمر الله قدرا مقدورا " و البقرة 117 " بديع السموات و الأرض و إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون " يس 28-29 " و ما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء و ما كنا منزلين إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون " . هذه الآيات الكريمة أكدت الواقع الله تعالى يتصرف في الكون مباشرة وحده أو بواسطة جنوده، و من الأدلة فاطر 2 " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها و ما يمسك فلا مرسل له من بعده و هو العزيز الحكيم " فلا أحد نهائيا في الكون يمنع أو يغير تصرف الله تعالى و سأعطي أمثلة في القرآن و أترك لإخواني المحترمين ملاحظة تصرف الله تعالى في الكون و آياته بالاعتماد على الفكر و المنطق و الملاحظة السليمة الموضوعية لكي يقتنعوا فعلا و حقا أن الله تعالى قادر على التصرف في كل ما خلق و لكنه عادل و لا يظلم مثقال ذرة قال الله تعالى في سورة فصلت 53 " سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد " .
الله تعالى يتصرف في خلق الإنسان و حياته و موته و خلقه و بعثه للحساب و الجزاء عن أعمال الدنيا و امتحانها و ابتلائها و نيل الجزاء عنها. و يتحكم الله تعالى كذلك في جسم الإنسان مباشرة من السماوات و دون أن يمنعه أي حاجز كان. و الدليل الحاقة 43 – 47 " تنزيل من رب العالمين و لو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين " . و هذا تحذير لرسول الله محمد عليه و على كل الرسل صلاة الله و سلامه لكي لا يغير القرآن. و الفتح 11 " قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا " و الأحزاب 17 " قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة و لا يجدون لهم من دون الله وليا و لا نصيرا " و يونس 21 " و إذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون " و الأنعام 46 " قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم و أبصاركم و ختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به أنظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون " فإذا أخذ الله سمع إنسان و بصره هل يستطيع الحياة؟ إذا لم يجد من يقوده و يطعمه يموت جوعا وعطشا. الله تعالى هو الذي يتحكم في سمع الإنسان و بصره و هو الذي خلقه. و الدليل الأحقاف 26 " و جعلنا لهم سمعا و أبصارا و أفئدة فما أغنى عنهم سمعهم و لا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله و حاق بهم ما كانوا به يستهزئون " و الإنسان 2 " إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا " و الأنفال 24 " يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله و الرسول إذا دعاكم لما يجيبكم و اعلموا أن الله يحول بين المرء و قلبه و انه إليه تحشرون " و الشورى 24 " أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل و يحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور " و فصلت 53 " سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيدا " .
و تدبروا إخواني المحترمين ما وقع لنبي الله إبراهيم عليه السلام فبعد أن حطم أصنام الكفار قرروا إحراقه بالنار أمام العموم انتقاما منه و كفروا بدعوته و لكن تصرف الله تعالى أنقذه و الدليل الأنبياء 68 – 70 " قالوا حرقوه و انصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين قلنا يا نار كوني بردا و سلاما على إبراهيم و أرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين " أليس الذي حمى نبيه من النار الملتهبة و هو وسطها بقادر على فعل ما يريد؟ فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون. قال الله تعالى بصدق و هو الصدق والعدل و الحق في سورة محمد 7 " يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم " الله قوي و لا يحتاج إلى من ينصره أو يحميه ولكن نصر الله معناه نصر دين الله و الإيمان الصادق و التقوى و الدفاع عن دين الله بالنفس و المال و إبراهيم 27 " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة و يضل الله الظالمين و يفعل الله ما يشاء " ، فإذا لم ينصر الله تعالى قوما ادعوا الإسلام فلأنهم ليسوا صادقين في إيمانهم و إسلامهم.
وتدبروا إخواني خلق الله تعالى لرسوله عيسى بن مريم حملت به أمه بدون نطفة مني الذكر في بضع ساعات فقط بمجرد أن نفخ الله تعالى من روحه في فرجها و هو في السماوات مستوي على العرش. عندما يتكون الجنين ينفخ الله تعالى فيه من روحه و بذلك يخلق الإنسان و الدليل السجدة 7 -9 " و بدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه و نفخ فيه من روحه " و من حكمة الله تعالى و تصرفه في الكون و منه الإنسان أن عيسى عليه السلام بمجرد أن ولدته أمه كلمها من تحتها و كلم الناس و هو في المهد و أخبرهم أنه مبعوث رسولا من الله تعالى و الدليل مريم 24 " فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا و هزي إليك بجدع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا " و مريم 29-33 " فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله أتاني الكتاب و جعلني نبيا و جعلني مباركا أينما كنت و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حيا " .
و تدبروا إخواني المحترمين خلق الله تعلى لأدم و حواء من التراب و الماء في أرض الجنة قبل أن يأمرهما مع الشيطان بالنزول إلى أرض الدنيا بعد أن عصوا أمر الله تعالى البقرة " قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " . وتدبروا مائدة الطعام التي انزلها الله تعالى كدليل على تصرفه ووجوده على رسوله عيسى بن مريم و قومه و الدليل المائدة: 112 – 115 " إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها و تطمئن قلوبنا و نعلم أن قد صدقتنا و نكون عليها من الشاهدين قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا و آخرنا و آية منك و ارزقنا و أنت خير الرازقين قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين " . الله يتصرف في الكون كله و ما فيه و يستعمل كل ما خلق لتحقيق ما يريد و آيات الكون من مظاهر تصرف الله. و الأدلة كثيرة منها الفتح 20 " و كف أيدي الناس عنكم و لتكون آية للمؤمنين " و الفتح 24 " و هو الذي كف أيديهم عنكم و أيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم و كان الله بما تعملون بصيرا " و التوبة 52 " قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين و نحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا " و التوبة 85 " و لا تعجبك أموالهم و لا أولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا و تزهق أنفسهم و هم كافرون " و الأحقاف 24 – 25 " ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين " . هذا العقاب لقوم عاد لما كفروا بنبي الله هود عليه السلام و هود 82 – 83 " فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها و أمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك و ما هي من الظالمين ببعيد " و الفيل 1 – 5 " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل و أرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول " و هود 94 " و لما جاء أمرنا نجينا شعيبا و الذين آمنوا معه برحمة منا و أخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين " . و الذاريات 41 – 42 " و في عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم " و الذاريات 43 – 45 " و في ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة و هم ينظرون فما استطاعوا من قيام و ما كانوا منتصرين " و الأنبياء 14-15 " قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فمازالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين " و هود 66 – 67 " فلما جاء أمرنا نجينا صالحا و الذين آمنوا معه برحمة منا و من خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز و أخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين " .
يتجلى تصرف الله تعالى العادل في عقاب قارون الذي تجبر و طغى و كفر بموسى و بالتوراة و افتخر على الناس بأمواله الكثيرة و الدليل القصص 81 " فخسفنا به و بداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله و ما كان من المنتصرين " و العقاب الذي أنزله الله تعالى بقوم نوح الذين كفروا و الدليل العنكبوت 14-15 " و لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان و هم ظالمون فأنجيناه و أصحاب السفينة و جعلناها آية للعالمين " . الله يراقب كل مخلوقاته و منها البشر يعاقب عن الذنوب و السيئات في الدنيا العقاب الأدنى بأجل و بنار جهنم في الآخرة لمن لم يتب توبة نصوحا صادقة أبدية قبل الموت. فإذا جاء أجل عذاب الدنيا فلا أحد يمنع تصرف الله تعالى. و الدليل النحل 61 " و لو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة و لكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون " لهذا قال الله تعالى في سورة الأعراف 97-98 " أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا و هم نائمون أم آمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى و هم يلعبون " .
و هناك عقاب الله تعالى للذين كفروا برسوله موسى عليه السلام الأعراف 133-136 " فأرسلنا عليهم الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم آيات مفصلات فاستكبروا و كانوا قوما مجرمين و لما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك و لنرسلن معك بني إسرائيل فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكتون فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا و كانوا عنها غافلين "و الفرقان 35-36 " و لقد آتينا موسى الكتاب و جعلنا معه أخاه هارون وزيرا فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا " .
من الأدلة على تصرف الله تعالى في الكون و ما فيه فتح طريق على الأرض بالبحر ليجتازه موسى و الذين آمنوا به و بالتوراة حيث فرق الله البحر. و لما اجتازه موسى و قومه أغرق الله تعالى فرعون و جنوده الذين كانوا يطاردونهم و الدليل البقرة 50 " و إذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم و أغرقنا آل فرعون و أنتم تنظرون " و كذلك خروج الماء من الصخر بأمر الله تعالى و إرادته عندما استسقى موسى عليه السلام ربه و الدليل البقرة 60 " و إذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم " . و من الأدلة على تصرف الله تعالى مباشرة بجنوده الإسراء برسوله محمد عليه و على كل الرسل صلاة الله و سلامه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بالقدس بفلسطين و إعادته إلى مكة في ليلة واحدة رغم المسافة البعيدة بين المسجدين و الدليل الإسراء 1 " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع العليم " و مساندة الله تعالى لرسوله و المؤمنين في الحرب ضد الكفار الأنفال 17 " فلم تقتلوهم و لكن الله قتلهم و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى و ليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم و الأنفال 26 " و اذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم و أيدكم بنصره " ، لا أحد ينجو من تصرف الله و لو الرسل و الملائكة و الجن، و الدليل الملك 28 -29 " قل أرأيتم إن أهلكني الله و من معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم قل هو الرحمان آمنا به و عليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين " هود 31 " و لا أقول لكم عندي خزائن الله و لا أعلم الغيب و لا أقول إني ملك و لا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين " هذا كلام الله على لسان نوح عليه السلام و قال الله على لسان صالح عليه السلام في سورة هود 63 " قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي و أتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته " النمل 10 " يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظَلَـم " و يونس 107 " و إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو و إن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده و هو الغفور الرحيم " و الأنعام 17-18 " و إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو و إن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير و هو القاهر فوق عباده و هو الحكيم الخبير " و الأعراف 188 " قل لا أملك لنفسي نفعا و لا ضرا إلا ما شاء الله و لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير و ما مسني السوء إن أنا إلا نذير و بشير لقوم يِؤمنون " و الأنعام 42-44 " ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء و الضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا و لكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون " و النمل 10 " يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم " و الأحقاف 9 " قل ما كنت بدعا من الرسل و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم إن أتبع إلا ما يوحي إلي و ما أنا إلا نذير مبين " و الأنعام 15-16 " قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه و ذلك الفوز المبين " .
و من مظاهر تصرف الله تعالى و فضله على كل المخلوقات الحية و منها الإنسان الريح و الهواء الذي خلقه الله تعالى و يتحكم فيه إن شاء أمسكه فتموت كل الكائنات الحية التي تتوقف حركتها و حياتها على استنشاقه، بل المحركات التي صنعها البشر تتوقف إذا انعدم الهواء لهذا قال الله تعالى في سورة الرحمان 33 – 35 " يا معشر الجن و الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات و الأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان فبأي آلاء ربكما تكذبان يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران " فلولا قدرة الله تبارك و تعالى و تصرفه لما استطاع الناس الطيران إلى المريخ و القمر، فيكفي أن يمسك الله تعالى الريح و الهواء فتتوقف كل حركة للإنسان و سائر المخلوقات الحية و المحركات المصنعة.
و هنا أقول لإخواني المحترمين أن هذه الحقيقة القرآنية تحققت فعلا فالإنسان نفذ فعلا بين أقطار السماوات و الأرض و منها المريخ و القمر و هذا دليل على صدق القرآن و أنه فعلا كلام و شرع الله تعالى لكافة الناس بالكون. نزلت هذه الآية مع القرآن منذ أربعة عشر قرنا و نصف تقريبا عندما كان المجتمع العربي و الأوروبي لا يعلم أقطار السماوات و لا يتوفر على وسائل نقل غير الحمير و البغال و الجمال و الحصان، و لكن في عصرنا نفذ الناس إلى أقطار السماوات و الأرض بعد التقدم العلمي و تطور وسائل النقل، ألم يخبرنا الله عز وجل عن هذا الإنجاز في وقت نزول القرآن حيث لم يكن أحد غير الله يعلمه.
و أعطي أدلة أخرى على تصرف الله تعالى و منها يونس 22-23 " هو الذي يسيركم في البر و البحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة و فرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان و ظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون " و لقمان 31-32 " ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور و إذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد و ما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور " فكل حركة للإنسان و المخلوقات الحية الأخرى و المحركات المصنعة أساسها نعمة الله تعالى وهي الهواء الذي خلقه و يتحكم فيه، و الدليل الإسراء 66 " ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما " و الإسراء 69 " أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا " . الهواء أصل كل حركة بالنسبة للإنسان و كل المخلوقات الحية و كل محركات السيارات و السفن و الطائرات و كل الآلات التي فيها محرك، هل الذي له ضيق في التنفس الحاد يستطيع المشي، هل الذي أغلق فمه و أنفه معا يبقى على قيد الحياة، فتدبروا إخواني المحترمين سورة يونس 22 المذكورة أعلاه " هو الذي يسيركم في البر و البحر .. " ، و هذه الحقيقة لا أحد يستطيع إنكارها أبدا.
الهواء الذي خلقة الله و يتحكم فيه هو الذي يسيرنا عندما نستنشقه، طبعا لا بد من الطعام و الماء، السيارة لا تسير بدون وقود كذلك الجسم لا بد له من الطاقة للحركة هذه الطاقة من الله لأن مصادر الطعام من الله و لكن بدون الهواء تتوقف كل حركة. و تدبروا البقرة 164 " إن في خلق السماوات و الأرض و اختلاف الليل و النهار و الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس و ما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها و بث فيها من كل دابة و تصريف الرياح و السحاب المسخر بين السماء و الأرض لآيات لقوم يعقلون " . الطائرة في الجو إذا منع الله الهواء و أمسكه يتوقف محركها و تسقط على الأرض، السفينة العملاقة إذا أراد الله تعالى يغرقها بالأمواج العاتية و الرياح القوية و إذا منع على محركها الهواء تتوقف نهائيا في أعماق البحار فمن يخرجها منه؟ و الدليل الشورى 32 – 34 " و من آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيضللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا و يعفو عن كثير " و الجاثية 12 " الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره و لتبتغوا من فضله و لعلكم تشكرون " .
لاحظوا لعبة الورق أو البلاستيك التي يصنعها الطفل على شكل طائر بجناحين و يربطها بخيط طويل و يرميها في الهواء ثم يجري ممسكا بالخيط و هي طائرة في الهواء دون محرك، فالريح و الهواء هو الذي أمسكها، و لو أسكنه و أمسكه الله تعالى لسقطت اللعبة و مات الولد لأنه لم يتنفس الهواء.
تدبروا الأعراف 133 " فأرسلنا عليهم الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم آيات مفصلات فاستكبروا و كانوا قوما مجرمين " فصلت 53 " سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد " هذا جزء من تصرف الله تعالى في خلقه علمناه حسب ما أخبرنا في القرآن و ما لاحظناه في الكون المحيط بنا و في أنفسنا و لكن هناك من تصرف الله تبارك و تعالى ما لا نعلمه الآن في الدنيا، و المهم أن فضل الله تعالى علينا كثير لقوله الإسراء 70 " و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر ورزقناهم من الطيبات و فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " فكل آيات الكون تصرف الله تعالى. تأكدوا أيها الناس أن حياتنا جميعا متوقفة على إرادة الله تعالى و تصرفه في ثانية واحدة، إذا منعنا من الهواء و الماء أو شل دورتنا الدموية مباشرة و دون حاجز و هو مستوي على العرش بالسماوات و ذلك بمجرد صيحة واحدة منه تبارك و تعالى تصيب من يشاء، كيف تتكلم أيها الإنسان و تسمع و تتحرك و تفكر و تعيش بفضل نعم الله تعالى و إحسانه و تصرفه و تنكر وجوده و سلطانه و مراقبته و هو معك أينما كنت بسمعه و بصره و علمه و تصرفه و كلامه و لو كنت في قاع الأرض أو البحر أو السماوات. تأكد أيها الإنسان أن القرآن الكريم كلام الله الصادق و مادة امتحانه و اختباره لنا في الحياة الدنيا المؤقتة ليختار منا و من كل ما خلق من البشر الفائزين في امتحان الاستخلاف الذين يفوزون برضاه و رؤيته و الحياة الدائمة بعد البعث معه في الجنة، الفائزون هم المؤمنون الصالحون المتقون الذين ثقلت موازينهم يوم الحساب. كل شرائع الله امتحان للناس في فترة صلاحيتها الزمنية. و القرآن مادة امتحان كل الناس بالكون لأن الله تعالى أبطل و ألغى بالقرآن صلاحيات و مفعول الشرائع السابقة و منها التوراة و الإنجيل، فآمنوا أيها الناس و يا أيها النصارى و اليهود بالله تعالى و احترموه و أحبوه و لا تفكروا فيما لا يرضيه و اعبدوه و أطيعوه و ذلك بالالتزام بالقرآن قولا و عملا سرا و علانية و انتهزوا أيها الناس فرصة الحياة الدنيا و سارعوا إلى التوبة النصوح الصادقة النهائية فهي تبدل السيئات حسنات إذا جسدتموها فعلا بالإيمان و العمل الصالح و التقوى و حصد المزيد من الحسنات التي تسجل في كتبكم عند الله تعالى و لكن قبل الموت.
لقد بينت الأدلة على أن الله تعالى مع كل مخلوقاته و منها الإنسان بسمعه و بصره و علمه و تصرفه و كلامه باستمرار و في الكون كله، وفي النقطة التالية أبين تصرف الله تعالى الغير المباشر بواسطة جنوده.