

-
الكلام عن الجزية
1- كانت الجزية عن الأمم – سواء منها قبل الإسلام أو بعده – تفرض على المغلوبين للإذلال والامتهان، فهي بذلك تحمل معنىً بغيضاً من معاني الثأر والانتقام، ولكن الإسلام فرضها لحماية المغلوبين في أموالهم وعقائدهم وأعراضهم وكرامتهم، وتمكينهم من التمتع بحقوق الرعوية مع المسلمين الفاتحين سواء بسواء... ويدل على ذلك أن جميع المعاهدات التي تمت بين المسلمين وبين المغلوبين من سكان البلاد، كانت تنص على هذه الحماية في العقائد والأموال، وقد جاء في عهد خالد بن الوليد لصاحب قس الناطف: "إني عاهدتكم على الجزية والمنعة.... فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا حتى نمنعكم".
والواقع التاريخي لهذه المعاهدات يثبت بجلاء لا يحتمل الشك، أن المسلمين لم يأخذوا الجزية إلا على هذا المبدأ، وكلنا يعلم كيف رد خالد بن الوليد على أهل حمص، وأبو عبيدة على أهل دمشق، وبقية القواد المسلمين على أهل المدن الشامية المفتوحة ما أخذوه منهم من الجزية حين اضطر المسلمون إلى مغادرتها قبيل معركة اليرموك، وكان مما قاله القواد المسلمون لأهل تلك المدن: "إنا كنا قد أخذنا منكم الجزية على المنعة والحماية، ونحن الآن عاجزون عن حمايتكم فهذه هي أموالكم نردها إليكم".
2- وكانت الجزية عند الأمم الماضية تحمل معنى استغلال المغلوبين وابتزاز أموالهم فكانت تفرض عليهم بقدر يرهقهم ويكلفهم من أمرهم عسراً، ولكنها في الإسلام أبعد ما تكون عن الاستغلال والطمع بأموال المغلوبين، إذ كانت تفرض بمقادير قليلة على المحاربين والقادرين على العمل فحسب... لقد كانت على ثلاثة أقسام:
أ- أعلاها وهي 48 درهماً في السنة على الأغنياء مهما بلغت ثرواتهم[1].
ب- أوسطها وهي 24 درهماً في السنة على المتوسطين من تجار وزرّاع.
ت- أدناها وهي 12 درهماً في السنة على العمال المحترفين الذين يجدون عملاً.
وهذا مبلغ لا يكاد يذكر بجانب ما يدفعه المسلم من زكاة ماله فحسب، ولنذكر هذه المقارنة الواضحة:
لو أن هناك مسلماً غنياً يملك مليون درهم لوجب عليه في زكاة ماله خمسة وعشرون ألف درهم بنسبة اثنين ونصف بالمائة وهو القدر الشرعي لفريضة الزكاة.
ولو أن هناك جاراً له مسيحياً يملك مليون درهم أيضاً لما وجب عليه في السنة كلها إلا ثمانية وأربعون درهماً فقط.. أي أن ما يدفعه المسلم للدولة يزيد أكثر من خمسمائة ضعف على ما يدفعه المسيحي، فأين يكون الاستغلال في مثل هذا النظام؟!
ونعتقد أن في إسقاط الجزية عن الفقير والصبي والمرأة والراهب المنقطع للعبادة والأعمى والمقعد وذوي العاهات، أكبر دليل على أن الجزية يراعى فيها قدرة المكلفين على دفعها، كما أن تقسيمها على ثلاث فئات دليل على مراعاة رفع الحرج والمشقة في تحصيلها. وقد جاء في عهد خالد لصاحب قس الناطف: "إني عاهدتكم على الجزية والمنعة على كل ذي يد، القوي على قدر قوته والمقلّ على قدر إقلاله".
3- إن الجزية عند الأمم السابقة لم تكن تمنع دافعيها من تجنيدهم في جيش الغالبين، وإراقة دمائهم في سبيل مجد الفاتحين وامتداد سلطانهم، فكانوا يدفعون الجزية ويساقون إلى الحرب مرغمين!.. ولكن الإسلام أعفاهم من الخدمة في الجيش ذهاباً منه إلى أن الجيش الإسلامي إنما يحارب لأداء رسالة التحرير الإسلامية إلى العالم، فليس من العدالة أن يجبر شعب لا يؤمن بمبادئ هذه الرسالة على تقديم شبابه وبذل دمائه في سبيلها!.. هذا هو التفسير الصحيح لإعفاء الذميين من الخدمة العسكرية في الجيش الإسلامي، لا كما يزعم بعض المتعصبين من أن ذلك لانتقاصهم وعدم أهليتهم لشرف الجهاد... ودليلنا على ما قلناه أن الذمي لو رضي أن يتطوع في الجيش الإسلامي، قُبل ذلك منه وسقطت عنه الجزية، ففي الجزية إذاً معنى "بدل الخدمة العسكرية" في عصرنا الحاضر.
4- لم تكن الأمم الغالبة تلتزم نحو الأمم المغلوبة بأي حق نحو الفقراء والعاجزين وذوي العاهات، بل كانوا يرهقونهم بالجزية والضرائب، ثم يتركون ذوي الحاجات منهم، بل يتركونهم عند الفقر بعد الغنى فريسة للحاجة والجوع والمرض، ولكن الإسلام أعلن تأمينه الاجتماعي للذميين سواء منهم من دفع الجزية ومن لم يدفع (لفقر أو صغر مثلاً) وهو يعتبرهم رعايا الدولة كالمسلمين سواء بسواء، يجب عليها أن تضمن لهم حياة كريمة لا يحتاجون فيها إلى ذل السؤال ومرارة البؤس.
فنصوص القرآن الكريم التي تحتم إعالة البائسين والمحتاجين هي عامة شاملة لم تقيد بالمسلمين فحسب: ?وءات ذا القربي حقه والمسكين وابن السبيل? [سورة الإسراء: 26]، ?وفي أموالهم حقٌ للسائل والمحروم? [سورة الذاريات: 19] وجاء في عهد خالد بن الوليد لأهل الحيرة: "أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وأعيل من بيت مال المسلمين وعياله" وقد طبق عمر رضي الله عنه هذا المبدأ الإسلامي العظيم حين مر بشيخ كبير يسأل الناس الصدقة، فلما سأله وعلم أنه من أهل الجزية، أخذ بيده إلى بيته وأعطاه ما وجده من الطعام واللباس، ثم أرسل إلى خازن بيت المال يقول له: "انظر إلى هذا وأمثاله فأعطهم ما يكفيهم وعيالهم من بيت مال المسلمين فإن الله يقول ?إنما الصدقات للفقراء والمساكين? والفقراء هم المسلمون، والمساكين هم أهل الكتاب".
5- وكانت الجزية تفرض على المغلوبين بأي حال، أما في الإسلام فهي ليست كذلك، بل يجوز للإمام أن يعفيهم منها جميعاً كما فعل أبو عبيدة حين أسقط الجزية عن أهل السامرة بالأردن وفلسطين، وكما أسقط عمر الجزية على ملك شهر براز وجماعته لقاء اتفاقه معهم على قتال العدو، وكما أسقط معاوية الجزية عن سكان أرمينية ثلاث سنوات، كما يجوز إعفاء كل ذمي دخل في الجيش الإسلامي أو قدم خدمة عامة للدولة، وهي أحكام مسلّمة معروفة في الفقه الإسلامي.
6- وكانت الجزية قبل الإسلام تفرض على من لم يكن من الفاتحين عرقاً أو بلداً أو ديناً، سواء حارب أم لم يحارب، أما في الإسلام فلا تفرض إلا على المحاربين من أعداء الأمة، أما المواطنون من غير المسلمين ممن لم يحاربوا الدولة فلا تفرض عليهم الجزية كما فعل عمر مع نصارى تغلب، ولو رجعنا إلى آية الجزية في القرآن لوجدناها تقول: ?قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون? [سورة التوبة: 29] فهي كما ترون تجعل الجزية غاية لقتال أهل الكتاب حين نتغلب عليهم، وليس كل أهل الكتاب يجب علينا أن نقاتلهم، بل إنما نقاتل من يقاتلنا ويشهر علينا السلاح ويعرّض كيان الدولة للخطر، وهذا هو صريح الآية الكريمة ?وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين? [سورة البقرة: 190] فالأمر بالقتال في آية الجزية ليس إلا لمن قاتلنا، فقتال من لم يقاتلنا عدوان لا يحبه الله تبارك وتعالى، ويؤيد هذا قوله تعالى ?لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ¯ إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم? [سورة الممتحنة: 8-9] فلا شك في أن الذين يعيشون في الدولة مع المسلمين من أهل الكتاب ويشاركونهم في الإخلاص والولاء لها، ليسوا ممن يجوز قتالهم فلا تفرض عليهم الجزية التي هي ثمرة القتال بعد النصر.
وهذا ما يفهم من آيات الجزية والقتال من غير تأول ولا تعسف، وإذا كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه قد أخذ من نصارى جزيرة العرب ويهودها الجزية في حياته عملاً بآية الجزية، فذلك لأنهم حاربوا الإسلام وكادوا له وتألبوا مع أعدائه من الفرس والروم عليه، وإذا كان المسلمون حين فتحوا الشام ومصر وفارس قد أخذوا الجزية من أهل الكتاب فيها، فذلك لأنهم رعايا دول أعلنت على دولة الإسلام الحرب، وناصبتها العداء وساهموا مع دولهم في حرب الإسلام، أما استمرار أخذ الجزية بعد عصور من الفتح الإسلامي وبعد أن أصبح أهل الكتاب رعايا مخلصين للدولة كالمسلمين، فذلك لا يسأل عنه الإسلام وإنما يسأل عنه الحاكمون والأمراء من المسلمين، ونحن إنما نتكلم عن نظام الجزية في الإٍسلام لا عن تاريخ الجزية في الدولة الإسلامية.
وإذا كانت الجزية لا تفرض إلا على من قاتل المسلمين، اندفع ما يورده بعض القوميين، والمتعصبون على الإسلام، من أن تنفيذ نظام الإسلام في السلم والحرب يحتم أن تؤخذ الجزية اليوم من غير المسلمين في الوطن العربي أو الإسلامي، وهذا مما لا يتفق مع مفهوم الدولة في العصر الحديث ولا تقبله فئات من المواطنين ترتبط برابطة الولاء للدولة مع مخالفتها لجمهور الشعب في عقيدته، إن ذلك مندفع بما قررناه من أن الجزية لا تفرض إلا على من أعلن عداءه للدولة وهو من غير أبنائها، ومن أن مبدأ الجزية ليس نظاماً أساسياً من أنظمة الدولة في الإسلام بل يتطور بتطور العلاقات والظروف التي تجعل الدولة في حل من إسقاطها حين تكون مصلحة الدولة في ذلك.
[1] ما يقرب من عشرين ليرة سورية لبنانية أو 240 قرشاً مصرياً عام 1953 م.
تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة الشهاب الثاقب. في المنتدى استفسارات غير المسلمين عن الإسلام
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 11-10-2023, 01:34 PM
-
بواسطة أسد الإسلام في المنتدى منتدى الكتب
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 23-09-2015, 12:20 PM
-
بواسطة فداء الرسول في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 3
آخر مشاركة: 21-12-2012, 11:42 AM
-
بواسطة Abou Anass في المنتدى الرد على الأباطيل
مشاركات: 3
آخر مشاركة: 15-01-2011, 11:02 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات