23- أتى بضمير فاعل مع وجود فاعل:
جاء في سورة الأنبياء 21: 3 (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الذِينَ ظَلَمُوا) مع
حذف ضمير الفاعل في أسرّوا لوجود الفاعل ظاهراً وهو الذين.
الرد: وفي هذه النقطة يقال: إن التركيب مطابق لقواعد اللغة
العربية باتفاق علماء اللغة وإن اختلفوا في الفاعل الذي أسنِدَ إليه
الفعل، والجمهور على أنه مسند للضمير، والاسم الظاهر بدل منه.
ووجود علامة التثنية والجمع في الفعل قبل الفاعل لغة طىء وأزد
شنوءة، وقلنا من قبل إن القرآن نزل بلغات غير لغة قريش، وهذا
أمر كان لا بد منه، ومع هذا جاء هذا التعبير في لغة قريش، ومنه
قول عبد الله بن قيس بن الرقيات يرثى مصعب بن الزبير:
تولى قتال المارقين بنفسه -*-*-* وقد أسلماه مبعد وحميم
وقول محمد بن عبد الله العتبى من ولد عتبة بن أبى سفيان الأموي القرشي:
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي -*-*-* فأعرضن عنى بالخدود النواضر
[الذين ظلموا ليست هنا فاعلاً مكرراً، فكلمة أسر هي الفعل،
والواو فاعله، والنجوى مفعول به، والذين نعت صفاتهم بأنهم ظلموا]
24- الإلتفات من المخاطب إلى الغائب قبل إتمام المعنى:
جاء في سورة يونس 10: 22 (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الفُلْكِ وَجَرَيْنَ
بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ).
فلماذا التفت عن المخاطب إلى الغائب قبل تمام المعنى؟
والأصحّ أن يستمر على خطاب المخاطب.
الرد: 1- المقصود هو المبالغة كأنه - تعالى - يذكر حالهم لغيرهم
لتعجيبهم منها، ويستدعى منهم مزيد الإنكار والتقبيح. فالغرض
هنا بلاغي لإثارة الذهن والإلتفات لما سيفعله هؤلاء المُبعدين من
نكران لصنيع الله بهم.
2- إن مخاطبته - تعالى - لعباده، هي على لسان الرسول
- صلى الله عليه وسلم -، فهي بمنزلة الخبر عن الغائب، وكل من
أقام الغائب مقام المخاطب،
حسن منه أن يرده مرة أخرى إلى الغائب.
3- إن الإنتقال في الكلام من لفظ الغيبة إلى الحضور هو من باب
التقرب والإكرام كقوله - تعالى -: (الحمد لله ربَّ العالمين -*
الرحمن الرحيم) [الفاتحة 2-3] وكله مقام الغيب، ثم انتقل منها
إلى قوله - تعالى -: (إيَّاكَ نعبدُ وإيَّاكَ نستعين) [الفاتحة 5]،
وهذا يدل على أن العبد كأنه انتقلَ من مقام الغيبة إلى مقام
الحضور، وهو يوجب علو الدرجة، وكمال القرب من خدمة رب
العالمين.
أما إذا انتقل الخطاب من الحضور إلى الغيب وهو من أعظم أنواع
البلاغة كقوله: (هو الذي يُسَيَّركم) ينطوي على الامتنان وإظهار
نعمة المخاطبين، (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الفُلْكِ) (وَجَرَيْنَ بِهِمْ) ولما كان
المسيرون في البر والبحر مؤمنين وكفارا والخطاب شامل لهم
جميعا حسن الخطاب بذلك ليستديم الصالح الشكر، ولعل الطالح
يتذكر هذه النعمة فيتهيأ قلبه لتذكر وشكر مسديها.
ولما كان في آخر الآية ما يقتضي أنهم إذا نجوا بغوا في الأرض،
عدل عن خطابهم بذلك إلى الغيبة، لئلا يخاطب المؤمنين بما لا
يليق صدوره منهم وهو البغي بغير الحق.، فهذا يدل على المقت
والتبعيد والطرد، وهو اللائق بحال هؤلاء، لأن من كان صفته أنه
يقابل إحسان الله - تعالى - إليه بالكفران، كان اللائق به ما ذُكِرَ.
ففيها فائدتان: المبالغة والمقت أوالتبعيد.
25- أتى بضمير المفرد للعائد على المثنى:
جاء في سورة التوبة 9: 62 (وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ).
فلماذا لم يثنّ الضمير العائد على الاثنين اسم الجلالة ورسوله
فيقول أن يرضوهما؟
الرد: 1- لا يُثنَّى مع الله أحدٌ، ولا يُذكر الله - تعالى - مع غيره
بالذكر المُجْمَل، بل يجب أن يفرد بالذكر تعظيماً له.
2- ثم إن المقصود بجميع الطاعات والعبادات هو الله،
فاقتصر على ذكره.
3- ويجوز أن يكون المراد يرضوهما فاكتفى بذكر الواحد كقوله:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأي مختلفُ أي نحن بما
عندنا راضون.
4- أن العالم بالأسرار والضمائر هو الله - تعالى -، وإخلاص
القلب لا يعلمه إلا الله، فلهذا السبب خصَّ الله - تعالى - نفسه
بالذكر.
5- كما أن رضا الرسول من رضا الله وحصول المخالفة بينهما
ممتنع فهو تابع لرضاء ربه، لذلك اكتفى بذكر أحدهما كما يقال:
إحسان زيد وإجماله نعشنى وجبرنى. وقد قال أهل العلم: إن إفراد
الضمير لتلازم الرضاءين.
6- أو على تقدير: والله أحق أن يرضُوه ورسوله كذلك، كما قال
سيبويه: فهما جملتان حذف خبر إحداهما لدلالة الثاني عليه
والتقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك.
26- أتى باسم جمع بدل المثنى:
جاء في سورة التحريم 66: 4 (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ
قُلُوبُكُمَا). والخطاب (كما يقول البيضاوي). موجّه لحفصة
وعائشة. فلماذا لم يقل صغا قلباكما بدل صغت قلوبكما إذ أنه ليس
للاثنتين أكثر من قلبين؟
الرد: القلب متغير فهو لا يثبت على حال واحدة، فلذلك جمعه
فصار قلب الإنسان قلوب، فالحواس كلها تُفرَد ما عدا القلب:
ومثل ذلك (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) [النحل 78]،
ولعل المراد به هو جمع بناء على القلة تنبيهاً على هناك الكثير
من يسمع الحق بل ويراه، لكن هناك قلة من القلوب التي تستجيب
وتخشع لله.
أن الله قد أتى بالجمع في قوله (قلوبكما) وساغ ذلك لإضافته إلى
مثنى وهو ضميراهما. والجمع في مثل هذا أكثر استعمالا من
المثنى. فإن العرب كرهوا اجتماع تَثْنيَيْن فعدلوا إلى الجمع لأن
التثنية جمع في المعنى والإفراد.
ولا يجوز عند البصريين إلا في الشعر كقوله: حمامة بطن
الواديين ترنمي سقاك من العز الفوادي مطيرها.
27- رفع القرآن اسم إنْ:
جاء في سورة طه الآية 63 (إنْ هذانِ لَساحِرَانِ) وكان يجب أن
يقول: إنْ هذين لساحرين
الرد: إنْ بالسكون وهى مخففة من أن، وإنْ المخففة تكون مهملة
وجوباً إذا جاء بعدها فعل، أما إذا جاء بعدها اسم فالغالب هو
الإهمال نحو: (إنْ زيدٌ لكريم) ومتى أُهمِلَت أ يقترن خبرها باللام
المفتوحة وجوباً للتفرقة بينها وبين إنْ النافية كي لا يقع اللّبس.
واسمها دائماً ضمير محذوف يُسمَّى ضمير (الشأن) وخبرها
جملة، وهى هنا (هذان ساحران).
-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*






رد مع اقتباس


المفضلات