الدكتور عبد الكريم الخطيب ورأيه في الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم:
تحدّث الدكتور عبد الكريم الخطيب عن إعجاز القرآن الكريم – بصفة عامّة – حديثاً طويلاً، متناولاً إيّاه من خلال آراء علماء البلاغة – الذين تناولوا وجوهه المتعدّدة، ووقف أمام وجه الإعجاز التأثيري للقرآن وقفات دقيقة، فنراه يحاول أن يكشف عن سرّ تأثير القرآن فيمن سمعه من المؤمنين والكافرين على حدّ سواء:
(( إن كلمات القرآن التي كانت على فم الناس، كان لها رحلة إلى الملأ من الأرض إلى السماء من أفواه الناس إلى عالم الروح، والحق والنور، وهناك في هذا العالم / عالم الروح والحق والنور / عاشت تلك الكلمات دهراً طويلاً بين ملائكة، وولدان، وحور، فنفضت عليها هذه الحياة الجديدة، روحاً من روحها، وجلالاً من جلالها ونوراً من نورها، حتى إذا أذن لها الحكيم الخبير أن تعود أدراجها إلى الأرض وتلقى في أفواه الناس مرة أخرى، وتطرق أسماعهم، وتتصل بعقولهم وقلوبهم، لم ينكروا شيئاً من وجودها، وإن سرى إليهم من هذا الوجود ما يخطف الأبصار ويخلب الألباب، فالمؤمنون في شوق متجدد معه وفي خير متصل منه، وفي عطاء موصول من ثمره، كلما مدّوا أيديهم قطفوا من أدبه أدباً عالياً ومن علمه علماً نافعاً، ومن شريعته ديناً قيّماً، وغير المؤمنين في عجب من أمره ودهش. يتناولونه بألسنة حداد، ويرمونه بسهام مسنونة، وبكيد عظام، فما يصل إليه من كيدهم شيء ))[36].
إن العبارة السابقة يحاول فيها الخطيب أن يضع أيدينا على هذا السر الذي جعل لكلمات القرآن على من يسمعه من الأثر الواضح ما لا نجده مما نسمعه من كلام آخر، فكلمات القرآن الكريم قد رحلت إلى الملأ الأعلى حيناً من الزمن، أعطاها هذا الرحيل سرّاً يخطف الأبصار، ويخلب الألباب، ويجعل المؤمنين به في شوق دائم لسماعه، وغير المؤمنين في عجب ودهش من أمره.
ويقول الدكتور الخطيب معلّقاً على كلام الإمام الخطّابي عن الإعجاز التأثيري للقرآن: ( وهذا الوجه من وجوه الإعجاز هو – فيما نرى – المعجزة القائمة في القرآن أبداً، الحاضرة في كل حين، وهي التي تسع الناس جميعاً، عالمهم وجاهلهم، عربيّهم وأعجميّهم، إنسهم وجنّهم ) { قل أوحي إليّ أنّه استمع نفر من الجنّ فقالوا إنّا سمعنا قرآناً عجباً، يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً }[37] [38]
ويعقّب الدكتور الخطيب تعقيباً على كلام ابن عطيّة عن وجوه الإعجاز فيقول: ( وهذا هو سر الإعجاز وعظمته كلمات هن من كلام الناس ثم يفعلن هذا الأمر العجيب في النفوس، ويضمن هذا السلطان القاهر على القلوب )[39]
من خلال ما تقدّم نرى أن حديث الدكتور الخطيب عن الإعجاز يرتكز بصورة أساسيّة على ما يحدثه القرآن من أثر في النفوس كما رأينا ذلك واضحاً في مقارنة بين أثر كلام البشر وكلمات القرآن على النفوس البشريّة المؤمنة بالقرآن والمنكرة له على السواء.
إن آيات القرآن الكريم والأحاديث النبويّة الشريفة ومواقف الصحابة بل وما في واقع الحياة البشريّة في عصرنا الحالي وكلّ ما ذكره الدكتور تثبت وترصد مظاهر هذا الوجه من وجوه الإعجاز في حياة البشر وتؤكد اختياره له[40].
إن الدكتور الخطيب ذهب إلى أكثر من الاختيار لوجه الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما أخذ يبيّن مزايا هذا الوجه دون سواه فهذا الوجه يمتاز عن سائر وجوه الإعجاز بأنّه:
1- المعجزة القائمة في كل حين.
2- أنها تسع الناس جميعاً عالمهم وجاهلهم.
3- أنها تسع لكل لغاتهم عربيهم وعجميهم.
4- أنها لا تقتصر على الإنس وحدهم بل وتسع الجن أيضاً.
4. الشيخ محمد الغزالي رحمه الله ورأيه في الإعجاز التأثيري:
لقد أفرد الشيخ محمد الغزالي في كتابه ( نظرات في القرآن ) فصلاً كاملاً عن الإعجاز في القرآن الكريم، ويرى فيه أن إعجاز القرآن يبرز في وجوه ثلاثة ( الإعجاز النفسي، الإعجاز العلمي، الإعجاز البياني ) ومن خلال حديثه عن الإعجاز النفسي التأثيري نراه يتمثّل في نقاط أربع:
1- مكانة الإعجاز التأثيري
2- تأثير القرآن في المؤمن والكافر
3- من وسائل تأثير القرآن: تقديم الدليل المفحم على كل شبهة، تعريف الأمثال.
4- مواضع التأثّر بالقرآن.
وحديث الشيخ عن الإعجاز النفسي والتأثيري جاء مرسلاً دالّاً على سجيّة مؤلفه ويحمل في طواياه هذه النقاط الأربع السابقة، ونتلمس النقطة الأولى من حديث الشيخ عن الإعجاز النفسي فبعد أن يتحدّث عمّا يعرض له القرآن من عقائد دينيّة وأحكام تشريعية وحقائق علمية يقول: ( قد تجد في القرآن حقيقة مفردة، ولكن هذه الحقيقة تظهر في ألف ثوب، وتتوزّع تحت عناوين شتّى، كما تذوق السكر في عشرات الطعوم والفواكه وهذا التكرار مقصود، وإن لم تزد به الحقيقة العلميّة في مفهومها، ذلك أن الغرض ليس تقرير الحقيقة فقط، بل بناء الأفكار والمشاعر ونقاط مؤلفه آخر ما تختلفه اللجاجة من شبهات......، ثم الكرّ عليها بالحجج الدامغة حتى تبقى النفس وليس أمامها مفرّ من الخضوع لمفهومها للحق والاستكانة لله وعندي أن قدراً من إعجاز القرآن الكريم يرجع إلى هذا )[41]
تلك هي مكانة الإعجاز التأثيري عند الشيخ فإن كان للقرآن الكريم وجوه إعجاز أخرى غير أنها لا تصل في قدرها وأهميّتها إلى الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم في نفس الإنسان ولكن هل يتأثّر كل إنسان بالقرآن ؟ أم يقتصر هذا التأثير على المؤمنين به ؟ ويرد أمامنا على هذا التساؤل بما يؤكد مكانة الإعجاز التأثيري بين وجوه الإعجاز، وعدم اقتصاره على نفس إنسانية دون أخرى فيقول:
( فما أظن امرءاً سليم الفكر والضمير يتلو القرآن ويستمع إليه ثم يزعم أنه لم يتأثر به، قد تقول: ولم يتأثر به ؟ والجواب: أنه ما من هاجس يعرض للنفس الإنسانية من ناحية الحقائق الدينية إلا ويعرض له القرآن بالهداية وسداد التوجيه، ما أكثر ما يعزّ المرء من نفسه، وما أكثر الذين يمضون في سبل الحياة هائمين على وجوههم، ما تمسكهم بالدنيا إلا ضرورات المادة فحسب.
إن القرآن الكريم بأسلوبه الفريد يردّ الصواب إلى أولئك جميعاً وكأنه عرف ضائقة كل ذي ضيق وزلّة كل ذي زلل ثم تكفّل بإزاحتها كلّها، كما يعرف الراعي آية تاهت خرافه، فهو يجمعها من هنا وهناك لا يغيب عن بصره ولا عن عطفه واحدة منهم.
وذلك سر التعميم في قوله تعالى { ولقد صرفنا في هذا القرآن من كلّ مثل }[42] حتى الذين يكذبون بالقرآن ويرفضون الاعتراف بأنه من عند الله أنهم يقضون منه مثلما يقف الماجن أمام أب ثاكل، قد لا ينخلع من مجونه الغالب عليه ولكنّه يؤخذ فترة ما يصدّ من العاطفة الباكية أو مثلما يقف الخلي أما خطيب يهدر بالصدق ويحدث العميان عن اليقين الذي يريد ولا يرون أنه قد يرجع مستهزئاً، ولكنه يرجع بغير النفس التي جاء بها.
والمنكرون من هذا النوع لا يطمعون في التأثير النفساني للقرآن الكريم، كما أن العميان لا يطعنون في قيمة الأشعة ولذا يقول الله عز وجل: { الله نزّل أحسن الحديث }[43] [44]
وبذلك يكون الشيخ رحمه الله قد تناول النقطة الثانية التي يتأكّد من خلالها إعجاز القرآن التأثيري في المؤمنين والكافرين به على حد سواء، وفي النقطة الثالثة يبرز الشيخ في بعض أسرار التأثير القرآني في الإنسان فيقول: ( إن القرآن يملك على الإنسان نفسه بالوسيلة الوحيدة التي تقهر تفوّقه في الجدل أي بتقديم الدليل المفحم لكلّ شبهة، وتسليط البرهان القاهر على كل حجّة، فالنكوص عن الإيمان بعد قراءة القرآن يكون كفراً عن تجاهل لا عن جهل ومن تقصير لا عن قصور، والجدل آفّة نفسيّة وعقليّة معاً، فالنشاط الذهنيّ للمجادل يمدّه حراك نفسي خفيّ، فلما يهدأ بسهولة.... ويستكمل الشيخ بيانه عن وسائل القرآن التي تسبّب التأثير في النفس الإنسانية فيقول: ( إن طبيعة هذا القرآن لا تلبث أن تعتبر برودة الإلف وطول المعرفة فتتعرى أمام النفوس، وتنسلخ من ثكلتها وتصنّعها، وتنزعج من ذهولها وركودها وتجد نفسها أمام الله – جل شأنه – يحيطها ويناقشها، ويعلمها ويؤدّبها فما تستطيع أمام صوت الحق المستعلن العميق إلّا أن تخشع وتصيخ.[45]
ثم يقول وكما قهر القرآن نوازع الجدل في الإنسان وسكن لجاجته، تغلب على مشاعر الملل فيه وأمدّه بنشاط لا ينفذ والجدل غير الملل، هذا تحرّك ذهني قد يجد الأوهام ويحوّلها إلى حقائق وهذا موات عاطفي قد يجمّد المشاعر فما تكاد تتأثّر بأخطر الحقائق وكثير من الناس يصلون في حياتهم العادية إلى هذه المنزلة من الركود العاطفي فنجد لديهم بروداً غريباً بإزاء المثيرات العاصفة، لا عن ثبات وجلادة بل عن موت قلوبهم وشلل حواسّهم، والقرآن الكريم في تحدّثه للنفس الإنسانية – حارب هذا الملل وأقصاه عنها إقصاء وعمل على تجديد حياتهم بين الحين والحين، حتى أنهم ليمكنها أن تستقبل في كل يوم ميلاداً جديداً ( وكذلك أنزلناه قرآناً عربيّاً وصرفنا فيه من الوعيد لعلّهم يتّقون أو يحدث لهم ذكراً ) [46] [47]
ومن وسائل القرآن التأثيرية: الترغيب والترهيب، حيث يقول الشيخ ( والشعور بالرغبة والرهبة والرقّة تعمرك وأنت تستمع إلى قصص الأولين والآخرين تروى بلسان الحق ثم يتبعها فيض من المواعظ والحكم والمغازي والعبر تقشعرّ منه الجلود [48].
ويتبيّن لنا أنّه تناول الإعجاز التأثيري من جوانب أربعة ولعلّ أهمّها جميعاً هو بيان ما في القرآن من وسائل تأثيريّة والتي أورد فيها تفصيلاً وتعليلاً لم نره عند كثير من السابقين.