المعجزة في القرآن الكريم:
ورد في القرآن الكريم استعمال مشتقات كلمة ( عجز ) نحو ست وعشرين مرة لكنه لم يرد استعمال مصطلح معجزة ولا ( إعجاز ) في القرآن الكريم ولا في السنة ولم يكن معروفاً هذا الاصطلاح في عهد النبوة والصحابة والتابعين إنما عُرف في أواخر القرن الثاني تقريباً[12].
وأطلق القرآن الكريم على المعجزة عدّة مسمّيات منها:
1-الآية: قال الله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنّن بها قل إنّما الآيات عند الله وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون }[13]
2-البيّنة: قال موسى عليه السلام لفرعون { قد جئتكم ببيّنة من ربّكم فأرسل معي بني إسرائيل }[14]
3-البرهان: قال الله تعالى: { يا أيّها الناس قد جاءكم برهان من ربّكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً }[15]
4-السلطان: قال الله تعالى: { وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله }[16] وقال أيضاً:{ ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه }[17] [18].
أما التأثيري:
فهو مركّب إسنادي من أثر الشيء: أي حصول ما يدلّ على وجوده، يقال: أثر الشيء وأثر، والجميع آثار، يقول الله تعالى: { ثم قفينا على آثارهم برسلنا}[19]، ويقول { وآثاراً في الأرض }[20] ويقول { فانظروا إلى آثار رحمة الله }[21]. ومن هذا يقال للطريق المستدل من تقدّم آثار { فهم على آثارهم يهرعون }[22] ويقول { هم أولاء على أثري }[23].
وأثرت البعير: جعلت على خفّه أثره، أي علامة تؤثّر في الأرض ليستدلّ بها على أثره، وأثرت العلم: رويته، أثراً، وإثاره، وأثره، وأصله: تتبعت أثره.[24]
والخلاصة: فالتأثيري في اللغة مأخوذ من الأثر والنتيجة، والمحصلة الدالّة على وجود مؤثّر سواء أكان المؤثر حيّاً كما في قولهم ( أثرت البعير )أم معنويّاً كما في قول الله تعالى: { فانظروا إلى آثار رحمة الله }. والآثار هي اللوازم المعلّقة بالشيء [25]، أو جملة الأمور التي تنتج عن الشيء المسبب لها.
اصطلاحاً: الإعجاز التأثيري للقرآن: هو ( وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم أشار إليه السابقون، ويتمثّل فيما يتركه القرآن الكريم من أثر ظاهر أو باطن على سامعه أو قارئه ولا يستطيع هذا السامع أو القارئ مقاومته ودفعه ولا يقتصر ذلك على المؤمنين به).[26]
أو هو تأثير القرآن الكريم في النفس الإنسانية عندما تسمعه، وتفاعلها معه حتى لو كانت نفساً كافرة.[27]
المبحث الثاني
نشأة الإعجاز التأثيري وتطوّره:
تستطيع أن تميّز هنا بين مرحلتين من مراحل نشأة الإعجاز التأثيري وتطوّره.
المرحلة الأولى: مرحلة النشأة:
تتمثل نشأة هذا الوجه الإعجازي للقرآن الكريم بنزول القرآن نفسه اتصالاً مباشراً وذلك لما يلي:
أولاً: أمر الله تعالى في كتابه الحرص على إسماع المشركين القرآن الكريم ليكون ذلك عوناً على دعوتهم للإسلام. قال ابن حجر ( ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب الله تعالى معجز لم يقدر أحد على معارضته بعد تحدّيهم بذلك، قال الله تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثمّ أبلغه مأمنه }[28] فلولا أن سماعه حجّة عليه لم يقف أمره على سماعه ولا يكون حجّة إلّا وهو معجز.[29] والمعجزة لابد لها من أثر في من تعجزه إما تصديقاً أو تكذيباً.
ثانياً: ما ورد في كتب السيرة والتفسير وأغلب الكتب التي تتناول قضية الإعجاز عن لجوء رسول الله صلى الله عليه وسلم لإعجاز القرآن التأثيري كوسيلة أساسية من أسس الدعوة للإسلام وظهور أثر هذه الوسيلة الفعّال في كل من استعملت معه.
إما قبولاً واعتناقاً للإسلام أو نفوراً وإعراضاً عنه أو إقراراً لإعجاز القرآن في حاله.
ثالثاً: إن الإعجاز التأثيري في هذه المرحلة وهي مرحلة النشأة الأولى يتمثّل في الممارسة والسّلوك العمليّ للإعجاز نفسه دون التّأليف فيه أو وضع قواعد أو أصول له، وإنما تدلّ الشواهد الكثيرة على ممارسته في حياة المسلمين. وبعد قرنين من الزمان وفي أوائل القرن الثالث الهجري أشار الجاحظ من خلال حديثه عن الإعجاز البلاغي للقرآن إشارات خاطفة للإعجاز التأثيري [30] وكذلك فعل الرماني في منتصف القرن الرابع.
المرحلة الثانية: مرحلة التأهيل العلمي للإعجاز التأثيري:
كثير من علماء التفسير والقرآن والبلاغة في القديم والحديث لاحظوا تأثير القرآن الكريم في القلوب وأثره في النفوس فاعتبروا ذلك التأثير من وجوه إعجاز القرآن وعبّروا عنه بعبارات متفاوتة وسأقف مع عدد من العلماء في القديم والحديث ممّن تحدّثوا عن الإعجاز التأثيريّ.
الخطابي أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي – ت 388هـ.
وكان أوّل من اعتبر هذا التأثير القرآني وجهاً خاصّاً من وجوه الإعجاز هو الإمام الخطّابي فقد نص عليه نصّاً في رسالة ( بيان إعجاز القرآن ) فقال( قلت في إعجاز القرآن وجهاً آخر ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشاذّ من آحادهم وذلك حيفة بالقلوب، وتأثيره في النّفوس فإنّك لا تسمع كلاماً غير القرآن، منظوراً ولا منثوراً، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللّذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى، ما يخلص منه إليه تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور حتى إذا أخذت حظّها منه عادت إليه مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق تغشّاها الخوف والفرق، تقشعرّ منه الجلود وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها.
فكم من عدو للرسول صلى الله عليه وسلم من رجال العرب، أقبلوا يريدون اغتياله وقتله فسمعوا آيات القرآن فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحوّلوا عن رأيهم الأوّل وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة وكفرهم إيماناً [31]
ابن قيّم الجوزيّة ت 75 ورأيه في الإعجاز التأثيري:
يبيّن ابن قيّم الجوزيّة ما يقع في النفوس عند تلاوته وسماعه من الورعة ما يملأ القلوب هيبة والنفوس خشية، وتستلذ الأسماع وتميل إليه بالحنين الطباع، سواءً أكانت فاهمة لمعانيه أم غير فاهمة، وسواءً أكانت كافرة بما جاء به أم مؤمنة.
يقول في كتابه ( الفوائد )[32] ( إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله قال الله تعالى { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد })[33]
وذلك أن تمام التأثير لما كان له موقوفاً على مؤثر مقتفى ومحل قابل وشرط لحصول الأثر وانتفاء المانع الذي يمنع منه، تضمّنت الآية بيان ذلك كلّه بأوجز لفظ وأبينه وأدلّة على المراد بقوله { إن في ذلك لذكرى } إشارة إلى ما تقدّم من أوّل السورة إلى هاهنا وهذا هو المؤثّر، وقوله { من كان له قلب } فهذا هو المحل القابل والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال الله سبحانه وتعالى: { إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيّاً }[34] أي حيّ القلب وقوله تعالى { أو ألقى السمع وهو شهيد } أي وجه سمعه وأصفى حاسّة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التّأثير بالكلام وقوله ( وهو شهيد ) أي شاهد القلب حاضراً غير غائب، أي استمع إلى كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم، وليس بغافلٍ ولا ساه، وهو إشارة إلى المانع من حصول التّأثير وهو سهو القلب وغيبته عن تعقّل عن ما يقال له والنظر في تأمّله.
فإذا حصل المؤثّر وهو القرآن، والمحلّ المقابل وهو القلب الحيّ ووجد الشرط وهو الإصغاء وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر حصل الأثر وهو الانتفاء بالذكر.
ثم يقول: فإن قيل: إذا كان التأثير إنما يتمّ بمجموع هذه الأشياء مما وجه دخول أداة أو في قوله { أو ألقى السمع }والموضوع موضوع واو الجمع لا موضع أو التي هي لأحد الشيئين ؟ قيل: هذا سؤال جيد، والجواب عنه أن يقال: خرج الكلام باعتبار حال المخاطب المدعو فإنه من الناس من يكون حيّ القلب واعيه تامّ الفطرة فإذا فكر بقلبه وحال بفكره دلّه قلبه وعقله على صحّة القرآن، وأنه من الحقّ، وشهد قلبه بما أخبر القرآن.
فكان ورود القرآن على قلبه نوراً على نور الفطرة، وهذا وصف الذين قال فيهم القرآن: { ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحقّ}[35].
من خلال هذا نرى رؤية ابن القيّم في مسألة التأثير، وكيفيّة حدوثها، وبيان أركانها وجوانبها، فإنه يرى أنها تقوم على أركان عدّة:
1- المؤثر القويّ ( والمقصود به القرآن الكريم )
2- أداتا التلقّي ( القلب والسمع )
3- رغبة السامع في تفهّم ما يسمع وتعقّله.
4- الخروج من شتّى الموانع، سواء أكانت انحرافات عقائدية، أم شبهات فكريّة، أم نزعات شهوانيّة، أم مكانة أدبيّة، أم منزلة اجتماعيّة، أم غير ذلك.
ومن الملاحظ أن ابن القيّم رحمه الله يتحدّث هنا عن دعوة المسلم للانتفاع بالقرآن الكريم، ولا ينصّ على ذكر الكافر وذلك فإنّه لا يكشف عن الجانب الأهمّ في إعجاز القرآن التّأثيريّ ألا وهو: أثره على الكافر.
بعد هذا العرض لرأي بعض الأقدمين عن الإعجاز التأثيريّ أعرض رأي بعض العلماء المحدثين حول هذا الوجه من وجوه الإعجاز لتظهر لنا مراحل تطوّره.