آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


-
- من حوارات المسلمين في العصر الأموي والعباسيّتمثل قصة يوحنا الدمشقي (670ـ 750م) مع الإسلام نموذجًا للتسامح الإسلامي، وللكرم الكبير الذي أسبغه خلفاء بني أمية عليه وعلى أمثاله من مجادلي أهل الكتاب، وهم يعلمون أنه وأباه من قبله يتعصبون تعصبًا شديدًا للأرثوذكسية.- لقد عمد يوحنا الدمشقي إلى كتابة كتابين يشير فيهما إلى الإسلام على مستوى التاريخ والعقيدة والقرآن والأخلاق والممارسات.- ولقد انتهج يوحنّا الدمشقي منهجًا مبتورًا متعسفًا في كتابته عن الإسلام، ولذلك لم يُدخل في نهجه، وهو يدرس الإسلام، مسائل جدلية حول ما إذا كان مجيء محمد قد وَرَدَ في نبوءات أنبياء تقدموا عليه، أو ما إذا كان قد أتى بمعجزات تفوق مثيلاتها لدى عيسى وموسى عددًا وأهمية، أو ماإذا كان الأسلوب البلاغي في القرآن دليلًا على نبوّة الرسول.بل من المؤسف أن نقول: إن يوحنّا رفض التعرف الموضوعي على الإسلام، وأن المسيحية الأرثوذكسية هي التي استقطبت وحدها جلّ اهتمام يوحنا الدمشقي، فهو يدرس الإسلام ابتداءً لتفضيل الأرثوذكسية عليه، ولتشويهه وتفنيد حقائقه، وهو تحيّز «غير علمي»، ويكفي لبيان عنصريتهالأرثوذكسية أن يوحنّا الدمشقي يعدّ الإسلام من جهة، وحركة تحطيم الصور و«الأيقونات» والمعتقدات الشعبية من جهة ثانية من وجهة نظره بدعتين معاصرتين (8)، وكان جزاؤه على هذا التحيزّ من بني دينه أنفسهم، فقد تمت إدانته في مجمع «هاييريا» سنة754م، وذكر باعتبارههالكًا لعدم رفضه لتقديس الأيقونات.ومن أكبر أدلة تعمد يوحنا الدمشقي تشويه الإسلام ما اعترف به دانييل ساهاس من أن يوحنا كان يحاول التشكيك في كون الإسلام دين إبراهيم الحنيف من خلال وصفه المسلمين، على نحو لا يخلو من الخبث.وأيًا كان أمر المنهج الفاسد الذي استعمله بخبث شديد (كما يقول ساهاس) يوحنا الدمشقي، فإنه قام بإيجاد مناخ جدلي صاخب مع المسلمين.. كما أن عنصر الإثارة والجدَّة اللذين استخدمهما الدمشقي في مناقشاته العقدية، ومراسه الفلسفيّ في تطويع مقولات الفلسفة اليونانية والمنطق، شكلتكما يقول ساهاس أمورًا كان من نتيجتها أن استرعت انتباه المسلمين، وشدّت اهتمامهم إلى ما يتجاوز المضامين الفكرية (يقصد الباطلة) موضوع المناقشة (9).- كما أن يوحنا الدمشقي، الذي عاش في فترة متقدمة خلال العصر الأموي، كان واحدًا من الذين ألهموا المسلمين ووجهوهم لدراسة الإسلام، لأغراض ذاتية على وجه التحديد، باستخدام نماذج وإنجازات مستقاة من حضارة أخرى، (وهو تفاعل حضاري مقبول).وفي العصر العباسي ثمة حوار طريف نذكره ونعدّه دليلًا على مستوى راقٍ من الحوار الحضاري في هذا العصر.فقد قال الخليفة المأمون لمرتدٍ إلى النصرانية: خبِّرنا عن الشيء الذي أوْحَشَك من ديننا بعد أُنْسك به، واستيحاشِك مما كنت عليه؟قال المرتدّ: أَوحَشني ما رأيتُ من كثرة الاختلاف فيكم، قال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما كالاختلاف في الأذان، والتكبير في الجنائز، ووجوه القراءات، ووجوه الفُتيا؛ وهذا ليس باختلاف، إنما هو تخيّـُر وسعة وتخفيف، فمن أذَّنَ مَثْنى وأقام مثْنَى لم يُخطِّئ من أذَّن مَثْنى وأقام فُرادَى، ولايتعايرون بذلك ولا يتعايبون.والاختلاف الآخر: كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتابنا، وتأويل الحديث مع اجتماعنا على أصل التنزيل، واتفاقنا على عَيْن الخبر.فإن كان الذي أوْحَشَك هذا حتى أنكَرْت هذا الكتاب، فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متفقًا على تأويله، كما يكون متفقًا على تنزيله، ولا يكون بين جميع اليهود والنصارى اختلاف في شيء من التأويلات، وينبغي لك ألا ترجع إلا إلى لغة لا اختلاف في تأويل ألفاظها، ولو شاءالله أن يُنزِّل كتبه، ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل.. قال المرتدّ: أشهد ألا إله إلا الله، وأنّ المسيح عبدٌ، وأن محمدًا صادقٌ، وأنك أمير المؤمنين حقًا.ولم تكن الحروب الصليبية كما هو المتوقع حربًا كلها، على امتداد كل الأيام أو الشهور؛ بل كانت تتخللها فترات سلم كثيرة، تمليها ضرورة الحياة والطبيعة الإنسانية؛ لحرب استمرت قرنين ونصف قرن من الزمان.وفي ضوء هذا، لا يبدو من المستغرب أن تزدهر العلاقات التجارية والثقافية بين الصليبيين الذين احتلوا الرها، وأنطاكية، وطرابلس، وبيت المقدس، واستوطنوها، وبين المسلمين في هذه الأيام الصليبية التي يتقاتل الناس فيها حينًا، ويتبادلون التجارة والثقافة حينًا آخر؛ في عملية حوارية منأطرف العلاقات الجدلية في التاريخ.وإذا كان التتار؛ الذين دمروا بغداد، وقضوا على الخلافة العباسية في العراق، قد خرجوا وهم المنتصرون عسكريًا مسلمين دينًا؛ بعد أن عمدوا بفطرة غير مركبة على التعرف الموضوعي على الإسلام.. فإن الأوروبيين الذين يحملون تراثًا مركبًا، وفطرة دنيوية مصلحية بحتة (براجماتزم)قد خرجوا وهم المنتصرون أولًا والمنهزمون أخيرًا بإدراك حقيقة الإسلام؛ مع اتخاذ قرارهم بعدم الاقتراب الموضوعي منه، والعمد إلى تشويهه، والاكتفاء بنقل علومه وثقافته العامة، ونظمه، ونواحي تقدمه؛ وذلك خشية على أوروبا من الإسلام.. وزادوا الطين بلـّة فكونوا كتائب منالمستشرقين ثم المستغربين للحفاظ على هذا التشويه، ولذلك؛ فقد ظل الجهل والتحيز قرونًا يحيطان بمعرفة بيزنطة والغرب بالإسلام والعالم الإسلامي؛ فالبيزنطيون الذين تصارعوا مع المسلمين لثلاثة قرون؛ كان لديهم أدبهم الشعبي الذي يصور المسلمين يعبدون ثلاثين إلهًا أكبرهم «مهومد»، كما يذكر ذلك «ريتشارد سوذرن»؛ مستغربًا فظاعة الأساطير المنتشرة عن الإسلام في الغرب خلال القرنين التاسع إلى الثاني عشر. وعلى الرغم من التعايش عن قرب مع المسلمين لعدة قرون في إسبانيا، والحروب الصليبية، مما يفترض معرفة أفضل؛ إلا أن واقع الحال يذهبباتجاه مغاير (10).ومن أدلة الجهل المطبق الذي كان عليه الصليبيون قبل أن يتعرفوا على المسلمين في الحروب الصليبية، ما هو معروف من الطبيعة الغوغائية لسلوكيات الحملات الصليبية الأولى؛ ليس ضد المسلمين وحدهم، بل ضد البيزنطيين أيضًا، ويضاف إلى ذلك أنهم عندما احتلوا مدينة (طرابلسالشام) التي أصبحت إحدى مستعمراتهم لم يترددوا في إتلاف مكتبتها العامرة بمائة ألف كتاب. ومع هذا فالزمن وما يحمله من احتكاك مباشر، وغير مباشر، والرغبة في معرفة العدو.. كل هذه الأمور ستدفع الصليبيين باتجاه التعرف أكثر على معالم المسلمين، والاقتباس من المظاهر المختلفةللحضارة العربية الإسلامية؛ التي ستفرض نفسها كحضارة أرقى على رجال الغرب (11).وعندما يتقدم الزمن تنداح بالاحتكاك الحضاري غشاوات الجهل تدريجيًا، ولهذا فليس من المستغرب أن تزدهر التجارة الداخلية في عصر الحروب الصليبية، لحرص كل من المسلمين والصليبيين على المواد التي توفرها لهم عائدات التجارة، ومع هذا التطور الذي أملته الضرورات فيالنواحي الاقتصادية؛ كان لابد من وجود تطور ولو بدرجة متفاوتة في النواحي الثقافية، وقد وقع هذا التطور فعلًا على النحو المصلحي الذي أشرنا إليه؛ فقد كيَّـفت أوروبا الثقافة والعلوم تكييفًا مصلحيًا؛ لا علاقة له بالحق ولا بالموضوعية، ولا بإنصاف الآخر، بل حسبها أن تأخذ منه مايفيدها من جانب وما يحميها من الإسلام والمسلمين (الأعداء الثابتين) من جانب آخر. وكما رأينا الجانب الإيطالي يخضع النواحي العسكرية للنواحي المصلحية والاقتصادية؛ كما تدلنا الوقائع التي أشرنا إليها؛ والتي ذكرها كثيرون مثل ميخائيل زابوروف صاحب كتاب «الصليبيون فيالشرق»، وقاسم عبده قاسم في كتابه: «ماهية الحروب الصليبية» وستيفن رنسيمان في تاريخه للحروب الصليبية (الجزء الثالث).كما فعل الصليبيون هذا، في النظرة التكييفية، على النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية.. وبالتالي الدينية الخاصة بهم، كذلك فعلوا في نقلهم وتعلمهم من المعارف الإسلامية؛ خضوعًا للعنصرية، وحفاظًا على حاجز نفسيّ وفكريّ بينهم وبين المسلمين.لقد حفزت الحروب الصليبية الفرنجة الهمج على التعلـّم من المسلمين، وقد اتسعت معرفتهم بما في العالم العربي من جغرافية بشرية، وتاريخ، وعلوم؛ مما خلق عندهم نهضة في دراسة القانون، والطب، والمنطق، وبدأوا بتكوين نقابات من المدرسين أسسوا عليها فكرة الجامعة. وهكذا نشأتالجامعات من جامعة باريس إلى أكسفورد، وكمبردج بدءًا من القرن الثاني عشر الميلادي.كما اتسعت خبرة الصليبيين وثروتهم، ووقفوا على فنون الشرق وصناعته، وما فيها من رونق وفن ودقة. والراجح أن المستوى العام للمعيشة في الغرب كما يشير إلى ذلك رنسيمان لم يرتفع إلا بفضل رغبة العساكر والحجاج العائدين في أن يلجأوا في أوطانهم إلى محاكاة ما اشتهر به الشرقمن مظاهر الحياة (12).وأيضا كما يعترف رنسيمان سيصبح الأوروبيون بفضل ما يأخذونه من المسلمين في الحروب الصليبية قادرين على أن يميزوا بين السلوك، وأساليب الحياة الحضارية الإسلامية (العلوم، والتقنيات، والذهنيات، والتفلسف العربي والإسلامي …) وهذه يأخذونها وقد يعترفون أحيانًا بفضلها وقدلا يعترفون في أحيان أخرى كثيرة!! لكنهم كما يؤكد رنسيمان يظلون محافظين على جهلهم وعدائهم للإسلام وعقيدته (عقيدة التوحيد) وهو ما يمثل ظلمًا تاريخيًا وأخلاقيًا كبيرًا.ومع ذلك كله يؤكد رنسيمان على القيمة الحضارية للحوار أثناء فترة الحروب الصليبية، مشيرًا إلى أن هذه الفترة التي امتدت قرنين ونصف من أهم مراحل التاريخ المؤثرة في المدنية الغربية؛ إذ إن أوروبا لم تكد تخرج من مرحلة غارات المتبربرين الطويلة الأمد؛ التي يطلق عليها العصورالمظلمة (العصور الوسطى)؛ حتى كانت بفضل المسلمين براعم ما نطلق عليه النهضة الأوروبية تأخذ في الظهور (13).
تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة طالب عفو ربي في المنتدى الرد على الأباطيل
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 24-04-2010, 04:18 PM
-
بواسطة من أتباع الإسلام في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 03-12-2009, 01:13 AM
-
بواسطة نوران في المنتدى منتديات الدعاة العامة
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 05-12-2008, 08:00 AM
-
بواسطة أسد الجهاد في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 01-12-2008, 12:48 AM
-
بواسطة المهتدي بالله في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 01-06-2006, 02:43 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات