إن الإقرار بالنبوة والتسليم بها قضية مركبة تتضمن أشياء عديدة تتعلق بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم, إنه يعني الإقرار بصدقه وعدله ونزاهته وحنكته وتقواه وقوة عقله وقلبه وقوة بصيرته وشدة الحب له والتعظيم لشأنه والتوقير لشخصه والخضوع لأمره وتقديم رأيه والارتياح لمشورته والرغبة في الانقياد به والاتباع لما يريد وتحقيق ما يسعده ويفرحه, فمن المستبعد أن يقر الإنسان المسلم بكل هذه الأمور ثم في النهاية لا يقر بكونه حاكماً على الدولة ولا يرضى له بالشرعية السياسية حتى يحتاج إلى أن يبايعه مبايعة أخرى يقرر فيها رضاه بحكمه السياسي, إن هذا الفصل يبدو مستبعداً جداً لا يكاد يتصوره الإنسان.

ومما يقوي التداخل والترابط بين الإيمان به وبين الرضا بإمامته للدولة في نفسية المسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سالم من جميع الموانع التي تمنع من الرضا بشرعية أي حاكم من البشر, فمن المعلوم أن الشعوب إنما تمتنع عن الرضا بالحاكم إما لعدم ثقتها في عدله أو علمه أو نزاهته أو أنها تعتقد أنه لا يستحق الشرعية لنقص في خُلقه أو جسده أو نسبه, وكل هذه الأمور منتفية في حق النبي صلى الله عليه وسلم, بل بلغ الكمال في أوصاف المحامد كلها, وبالتالي فتصور الفصل بين الإيمان به وبين عدم الرضا بإمامته يبدو بعيداً ومستعصياً على التصور السليم.

ولهذا كان المسلمون يربطون بين مقتضى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وبين كونه حاكماً سياسياً يملك الشرعية في إصدار الأوامر السياسية, فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان ضعيفاً من المسلمين في مكة بالهجرة إلى الحبشة, امتثل الصحابة ذلك, ولم يشيروا إلى الفرق بين مقتضى نبوته وبين أوامره السياسية مع ما في ذلك الأمر السياسي من الغربة والمشقة, وكذلك الإلزام بوجوب الهجرة قبل فتح مكة, فهذا الأمر السياسي كان ممتثلا من الصحابة, ومن يخالفه يعد داخلا في دائرة الذم.

ولو قُدر أن قبيلة آمنت بالنبي صلى الله عليه وسلم وحين أمرها بأمر سياسي جازم لم يمتثلوا أمره ولم يكن لهم مبرر إلا التفريق بين مقتضى النبوة بين شرعيته السياسية لكان فعلهم ذلك محلاً للإنكار, فلو اقترضنا أنها قالت: ما على هذا كانت المبايعة, هل سيرضى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ويقبل به؟!! وهل سيعد ذلك أمراً مقبولاً لأنه لم يتم الاتفاق عليه في مبايعة الإيمان؟!! أم سيكون صنيعهم ذلك محلاً للإنكار والذم الشديد؛ ومثله في الحال لو قُدر أن المزارعين الذين أشار عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بترك تأبير النخل قالوا: أمرك هذا غير ملزم لنا لأنالم نبايعك إلا على الإيمان, هل سيكون صنيعهم هذا مقبولاً, أم سيكون محلا للذم والإنكار؟!!

ولا بد من التأكيد هنا على أنه ليس معنى الكلام السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح رئيساً للدولة بالجبر ومن غير رضا الناس بذلك, وإنما معناه أن رضا الناس بولايته السياسية تحقق تلقائياً بمجرد الإيمان به, وأنهم لم يفصلوا بين الأمرين المترابطين.

جواب على اعتراض :
ربما يعترض معترض على التقرير السابق بما حدث في مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار في العقبة, فمن المعلوم أنه بايعهم مبايعتين, كانت الأولى على الإيمان به, وكانت الثانية على السمع والطاعة في المنشط والمكره, فقد يستنتج البعض بأن النبي صلى الله عليه وسلم مع استحقاقه لأن يكون إماماً على الدولة في زمنه إلا أنه لم يصبح حاكماً على المدينة يجب له حق السمع والطاعة -أي أنه يمتلك الشرعية السياسية- إلا بعد أظهر الأنصار رضاهم بذلك وأعطوه الإذن بحكمهم, ولو لم يعطوه لما ملك النبي صلى الله عليه وسلم الشرعية السياسية عليهم, وسيصبح مجرد نبي مبلغ عن الله تعالى دينه فقط.

ولكن الاستناد إلى هذه الحاثة في تأسيس الفصل بين الإقرار بالإيمان به صلى الله عليه وسلم وبين الرضا بإمامته السياسية غير صحيح, فهذا هذا الاستدلال مبني أولاً على اختزال شديد للشواهد التاريخية , فهو لم يتعمد إلا على شاهد واحد وأغلف عشرات الشواهد التي تدل على نقيض ما فهمه من قضية مبايعة الأنصار .

وهو ثانياً مبني على فهم غير دقيق لحادثة بيعة العقبة, فلو رجعنا إلى تلك الحادثة وقمنا بتحليلها وتفسيرها وفق المجريات في تلك المرحلة وراعينا الحالة التي كان يعيشها النبي صلى الله عليه وسلم ويعيشها الأنصار المبايعين سنكتشف بأنها لا تدل على الفصل بين الإيمان بالنبي وبين الإقرار بإمامته السياسية بحال, وأنه لا علاقة لها بذلك.

وحتى تتبين صورة القصة بوضوح علينا أن نعرض أهم فقراتها, فالقصة باختصار تقول: هناك عدد قليل جداً من يثرب قابلوا النبي صلى الله عليه وسلم حين قدموا للحج وآمنوا به , وبايعوه كما يبايعه سائر الناس على بيعة الإيمان وهي قال عبادة رضي الله عنه: "قال لنا رسول الله: "تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئاً فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء الله عفا عنه"([11]) .
ورجع ذلك العدد إلى يثرب وآمن بسببهم وبدعوة مصعب بن عمير عدد كبير من أهلهم ولم يبق دار من دور المدينة إلا وفيها رجال ونساء مسلمون, وتكونت بهم جماعة لها قوة ومنعة, وفي موسم الحج المقبل ذهبوا إلى مكة وأخذ الأنصار يتساءلون فيها بينهم إلى متى يتركون رسول الله يطوف ويطرد في جبال مكة وهو خائف على نفسه, فجرت بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم اتصالات سرية أدت إلى الاتفاق على تحديد مكان وزمان اللقاء بينهم, فلما اجتمعوا, تحدث العباس -وقد كان مع النبي صلى الله عليه وسلم-, فقال: "يا معشر الخزرج -وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج،خزرجها وأوسها - إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزة من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده" .
ومن خطاب العباس يظهر أن موضوع الاتفاق ليس هو البحث عن الشرعية السياسية للنبي وإنما عن توفير الحماية والأمن له ولدينه من أعدائه.
فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم, فأخذ البراء بن معرور بيده, وقال: نعم، فوالذى بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب ورثناها كابراً عن كابر".
فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها، يعنى اليهود، فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم"([12]) .
فلما أبدى الأنصار استعداهم لانتقال النبي صلى الله عليه وسلم إليهم في المدنية ووعْدُهم بحمايته ووعد النبي لهم بعدم تركهم طلب منهم أن يُخرجوا له اثني عشر نقيباً ليبايعوا على ذلك, فتمت المبايعة, وهي كما قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: "بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله" .

فهذه هي القصة باختصار ومن خلال تحليلها يظهر للقارئ بأن موضوع الاجتماع الثاني لم يكن في البحث عن الشرعية السياسية للنبي صلى الله عليه وسلم, ولم يكن في البحث عن الآلية التي يكون بها رئيساً على الدولة ولا حاكما عليها, وإنما كان الاجتماع في بحث قضية واحدة وهي تحديد الضمانات التي يحمي بها الأنصار النبي من أعدائه والمتربصين به من العرب.

فلم يكن هدف النبي صلى الله عليه وسلم في المبايعة الثانية التأكد من رضا الأنصار برياسته للدولة ولا التحقق من رغبتهم في ذلك, ولم يكن هدف الأنصار منها إظهار رضاهم بإمامة النبي صلى الله عليه وسلم ولا الكشف عن محبتهم لسياسته لحياتهم ودولتهم، فهم قد أظهروا ذلك في إعلان إيمانهم به, وإنما كان الهدف من الطرفين الاتفاق على الحماية وتوفير الأمن للنبي ولدينه, ولهذا سميت هذه البيعة بيعة القتال .

ومن الطبيعي جداً أن يكون موضوع ذلك الاجتماع البحث في ضمانات الحماية, ومن الطبيعي أن يبحث الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك ؛ لأنه سينتقل إلى المدينة ويبتعد عن أهله وأقاربه الذين كانوا يحمونه من أعدائه, وليس من المعقول أن يفعل ذلك من دون أن يقدم له الأنصار الضمانات الكافية.

ومبايعة الأنصار على السمع والطاعة ليس معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن له الشرعية السياسية إلا بعد تلك المبايعة, وليس معناه أنه لا يحق له ممارسة العمل السياسي إلا بعد أن أبدى له الأنصار الرضا بذلك في مبايعة خاصة غير مبايعة الإيمان, وفي المقابل ليس معناه أن الأنصار لم يبدو له الرضا بإمامته السياسية إلا في تلك البيعة, كل هذه المعاني ليست داخلة ضمن بيعة العقبة الثانية, وإنما معنى التنصيص على السمع والطاعة التأكيد على نفوذ حكمه صلى الله عليه وسلم لا لتأسيس الشرعية السياسية له, ولهذا كانت تسمى بيعة العقبة الثانية بيعة الأمراء, وسميت بذلك -كما قال أبو العباس القرطبي- لأن المقصود منها تأكيد السمع والطاعة على الأمراء.

ويدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يبايع الصحابة عند كل حادثة كبيرة كما فعل في الحديبية في بيعة الرضوان , ويقول ابن عمر رضي الله عنهما : "كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا فيما استطعت" (البخاري), فتلك المبايعة لم تكن لتأسيس الرضا بحكم النبي لأن الصحابة قد رضوا بذلك بلا شك, وإنما لتأكيد رضاهم.
وبهذا التحليل يظهر للقارئ بأنه الاعتماد على بيعتي العقبة في الحكم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتسب الشرعية السياسية إلا بعد مبايعة خاصة برضا الشعب بذلك غير صحيح.