جامع مانع !

عندما ينتحر الحماس ؛ يميل الرأسُ إلى المالِ ، وتتعلقُ القلوبُ بأوساخِ الدنيا ، فيجمعُ ويمنعُ ، ويكاثِرُ ليكابِرَ ، ويلهثُ خلفَ سرابٍ بلقَعٍ ، فيصبحُ الدِّين في ذيلِ قافلةِ الأولويات .
فدوامٌ في الليلِ وآخرُ في النهار ، أعمالٌ مضنية وأشغالٌ مُرهِقة استوعبت الأوقات ، واستحوذت على الاهتمامات ، فماذا بقي للدين يا أيها المسكين ؟!
يا جامعاً مانِعاً والدهرُ يرمُقُهُ مقدِّراً أيّ بابٍ عنهُ يُغلقُهُ
جمعتَ مالاً فقُل لي : هل جمعتَ لهُ يا غافلَ اللُّبِّ أيَّاماً تُفرِّقُهُ ؟
المالُ عندك مخزونٌ لوارثهِ ما المالُ مالُك إلا يومَ تُنفِقُهُ
عن كعبِ بنِ مالكٍ الأنصاريِّ ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم :" ما ذِئبانِ جائِعَانِ أُرسِلا في غَنَمٍ بأفسَدَ لها مِن حِرصِ المرءِ على المالِ والشَّرفِ لدينِهِ "
عن مُطَرِّفٍ عن أبيه ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله :" يقول ابن آدم : مالي ! مالي ! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيت ، أو لبستَ فأبليتَ ، أو تصدَّقتَ فأمضيت "
عن أسلمَ أبي عمرانَ التَّجيبيِّ ، قال : كُنَّا بمدينةِ الروم فأخرَجُوا إلينا صَفَّاً عظيماً من الروم ، فخرجَ إليهم من المسلمينَ مِثلُهُم أو أكثرُ وعلى أهلِ مصرَ عُقبةُ بنُ عامرٍ وعلى الجماعَةِ فَضَلَةُ بنُ عُبيدٍ ، فحملَ رجلٌ من المسلمينَ على صَفِّ الرُّومِ حتى دخلَ فيهم ، فصاحَ الناسُ وقالوا : سبحانَ اللهِ يُلقي بيديهِ إلى التَّهلُكَةِ ، فقامَ أبو أيُّوبَ الأنصاريُّ فقالَ : يا أيُّها الناسُ إنَّكُم تتأَوَّلُونَ هذه الآيةَ هذا التَّأويلَ ، وإنَّما أُنزلَت هذه الآيةَ فينا معشَرَ الأنصارِ ، لمَّا أعزَّ اللهُُّ الإسلامَ وكثُرَ ناصروهُ ، فقالَ بعضُنا لبعضٍ سِرًّا دُونَ رسولِ الله ـ صلى الله عليه وسلم : إنَّ أموالَنا قد ضاعَت ، وإنَّ اللهَّ قد أعزَّ الإسلامَ وكثُرَ ناصِروهُ ، فلو أقمنا في أموالِنا فأصلَحنَا ما ضاعَ منها ، فأنزلَ اللهُ على نبيِّه يرُدُّ علينا ما قُلنا : [ وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة ] فكانتِ التَّهلُكَةُ الإقامَةَ على الأموالِ وإصلاحِهَا وتَرْكَنا الغزوَ ، فما زالَ أبوُ أيُّوبَ شاخِصاً في سبيل الله حتى دُفِنَ بأرضِ الرُّومِ "
وماذا بعد هذا ؟!
تبلَّدَ في الناس حِسُّ الكفاح ومالوا لكسبٍ وعيشٍ رتيب
يكاد يُزعزع مِن همَّتي سُدورُ الأمينِ وعزمُ المُرِيب