( تابع ) الرد على تدليس بعنوان .. مغالطات منطقية في القرآن الكريم ( 2 / 2 )

" وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ .. قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ " الأعراف 11 & 12

نشر أحد أبناء آدم من الذين ينكرون خالق الكون على موقع YOUTUBE فيديو بالعنوان أعلاه ... علق فيه على هذه الآية الكريمة بالآتي :

1) ألقي الله الشيطان في جهنم إلى أبد الآبدين لأن الشيطان مقتنع بان النار أعلى مكانة من الطين .. هذا مع أن الله يعلم الغيب .. و يعلم أن الشيطان سيتصرف بهذه الطريقة .
2) لا يوجد سبب منطقي لإجبار إبليس على السجود لآدم لأن في النهاية لن يستفيد أيا من الطرفين من هذا السجود لأنه رمزي .
3) بما أن الله يعلم الغيب .. فلماذا تفاجأ الله ( حاشاه ) من فعل إبليس و سأله .." ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ " .. و ما الفائدة من هذا السؤال طالما أن الله يعلم مسبقا أن الشيطان لن يسجد .
4) لقد أغضب إبليس ربه برفض السجود فلماذا إستجاب الله لطلب إبليس ..... كما ورد في سورة الأعراف 14 & 15 " قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ .. قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ " .. وكيف عرف إبليس أن هناك يوما للبعث ..
5) و كيف عرف إبليس أن هناك أبناء و أحفاد لآدم لأنه قال " يُبْعَثُونَ " بالجمع .. حيث أن حواء لم تكن قد خلقت بعد .. و لم يأمر الله آدم بالتكاثر إلا بعد هذه الحادثة بوقت طويل .. فهل كان إبليس مطلعا على الغيب .
الرد على التدليس

الرد على النقطة رقم 1 : " القي الله الشيطان في جهنم إلى ابد الآبدين لان الشيطان مقتنع بان النار أعلى مكانة من الطين.. هذا مع أن الله يعلم الغيب .. و يعلم أن الشيطان سيتصرف بهذه الطريقة " .
إن اقتناع إبليس بان مادة صنعه أعلى مكانة من مادة صنع الإنسان .. هو أمر غير منطقي .. و لماذا ... لان كافة المخلوقات من " صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ " النمل 88 .. و اختلاف مادة الصنع لا علاقة لها بالإلتزام بتعليمات الصانع ... و لا يعقل أن نتوهم أن طاعة الخالق لا تكون إلا فيما يوافق هوى كل مخلوق .. بـصرف النظر عن منهج خالق الكون .. و إلا لفسد الكون كله ..

إن إبليس تحجج بمادة صنعه الأجود .... و لكنه في حقيقة الأمر كان يخفى من وراء مقولته تلك حسده و استكباره .. و لماذا .. لأن كل ما طلب منه كان لا يتعدى تحية هذا المخلوق الجديد ... بسُجود تحيَّة وتكريم بانحناء ( و ليس بسجود عبادة بوضع الجبهة على الأرض ) ...... حيث أن السجود في اللغة من مـعانيه : التحية - وهذا هو السُّجود الذي أَمَر الله به الملائكة فسجدوا لآدم - أما سجود العبادة فلا يكون إلا لله وحده. " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ " البقرة 34


إن من ضمن ما يبرهن على أن القضية ليس اختلاف مادة صنع كما ادعى إبليس .. أن إبليس أعلن في تبجح خبيث لله ..... " لأقعدن لهم صراطك المستقيم .. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم " الأعراف 16 & 17 .. أي إنه سيقعد لآدم وذريته على صراط الله المستقيم ... يصد عنه كل من يهم منـهم باجتيازه ..... وإنه سيأتي البشر من كل جهة : { من بين أيديهم ومن خلفهم ، وعن أيمانهم وعن شمائلهم } للحيلولة بينهم وبين الإيمان والطاعة وهو مشهد حي شاخص متحرك لإطباق إبليس على البشر في محاولته الدائبة لإغوائهم ..... فلا يعرفون الله ولا يشكرونه .

إذن فهو الإصرار المطلق على الشر... والتصميم المطلق على الغواية ... وبذلك انكشفت طبيعة إبليس عن خصائصها الأولى . . شر ليس عارضاً ولا وقتياً .... إنما هو الشر الأصيل العامد القاصد العنيد ..... الذي لا مكان له في الجنة بالطبع .. و إنما مكانه الطبيعي ... جهنم .

ولذلك قال الله سبحانه لإبليس " فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا " الأعراف 13 و ذلك لأن خالق الجنة لم يجعل فيها مكانا للمتكبرين وإنما هي مكان جعله خالقه للمطيعين الخاشعين المتواضعين .. ولكلٍ أن يختار ما يرغب أين يكون منتهاه على هذا الأساس .

أما فيما يتعلق بان الله قد سبق في علمه بان ما حدث هو ما سيختاره إبليس .. فهذا يرجع إلى علم خالق كل شيء سبحانه و تعالى الغير محدود ... ولكن الله لا يجبر أو يملى على احدٍ من مخلوقاته باختيار محدد ولكن لكلٍ اختياره حسب قناعته " وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا " الإسراء 15 .. و مما يبرهن على ذلك فان من كتب هذا التدليس اختار شيئا برغبته دون إجبار .. ومن يرد عليه حالياً اختار شيئا آخر .

الرد على النقطة رقم 2 : لا يوجد سبب منطقي لإجبار إبليس على السجود لآدم ... لان في النهاية لن يستفيد أيا من الطرفين من هذا السجود لأنه رمزي ...

لقد أَمَر الله الملائكة و إبليس بالسُّجود تحية لآدم و تكريماً واحترامًا له .. لأن الله تعالى خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه .. و جعله خليفته في الأرض .. و حتى يدل ذلك على عظمة الأمانة التي سيحملها آدم و ذريته و تعميره للأرض .. وليعرف الإنسان أيضا منزلته عند الله .. فالبشر جميعا أبناء من سجدت الملائكة له ... وحتى يستفيد آدم و ذريته من هذا الحدث فلا يسلكوا مسلك إبليس في معصية أوامر الله .. فيكون لهم نفس مصير إبليس .

لقد رسم مشهد السجود هذا و أفرز ثلاثة نماذج من خلق الله ........ نموذج الطبيعة الخالصة لله ذات الطاعة المطلقة والتسليم العميق وهم الملائكة .. ونموذج العصيان المطلق والاستكبار المقيت وهو إبليس .. وطبيعة ثالثة وهي الطبيعة البشرية بصفاتها المزدوجة و المخيّرة ..... لأن الإنسان كائن عاقل و له حرية الاختيار .. فمن سيختار طريق الطاعة فسيصبح كالملائكة .. و من سيختار طريق المعصية فسيصبح كإبليس ...

الرد على النقطة رقم 3 : بما أن الله يعلم الغيب .. فلماذا تفاجأ الله ( حاشاه ) من فعل إبليس و سأله .." ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ " .. و ما الفائدة من هذا السؤال طالما أن الله يعلم مسبقا أن الشيطان لن يسجد .

الله هو خالق كل شيء .. و لذلك هو أعلم بالطبع بخلقه .... إذن فمن البديهي و حاشاه أن يتفاجأ مما يخلق ... و ردا على من قال .... إذن و لماذا سأله عن المانع من السجود وقد علم ما منعه ؟؟؟؟؟ قـلنا ... للتوبيخ والتقريع ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وازدرائه بأصل آدم للكافة ... وأنه خالف أمر ربـه معتقداً أنه غير واجب عليه تحية آدم لأنّ مادة صنعه أعلى مكانة من مادة صنع الإنسان ..... و بذلك السؤال يكون إبليس قد أخرج وأعلن صراحة حقيقة ما يضمره بداخله للكافة ... و دون إجبار ...



الرد على النقطة رقم 4 : لقد اغضب إبليس ربه برفض السجود فلماذا استجاب الله لطلب إبليس ...... كما ورد في سورة الأعراف 14 & 15 " قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ .. قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ " ..... وكيف عرف إبليس أن هناك يوما للبعث ..


لقد أجيب إبليس إلى طلبه ليمتحن الله به خلقه .... وفق مشيئته المطلقة .. و ليكون ابتلاء للعباد ... وتكون مخالفته من أعظم الثواب ... و ليتبين به خبيثهم من طيبهم، ومؤمنهم من كافرهم ...... و لتقوم الـحجة على العباد ... فمن أطاع الله دخل الجنة ... ومن عصاه دخل النار ... والله في ذلك حكيم عليم .... ولم يترك الناس للشيطان وإغوائه .. بل أعطاهم العقل وبعث إليهم الرسل ... فمن آمن كان إيمانه بتوفيق من الله هذا مع قيام الدلائل على استحقاقه سبحانه للعبادة دون سواه .. ومن عصاه كان عصيانه طاعة للشيطان، بعد قيام الحجة عليه .... لقد اقتضت حكمته سبحانه و تعالى امتحان أولاد آدم من بعد أن امتحن أباهم، ليميّز الله بين العباد، ويظهر فيهم فضله وعدله ...

أما كيف عرف إبليس أن هناك يوما للبعث ..... فنقول ..... لقد اخبره بذلك من أعلم إبليس أنه خلق من نار و بالطبع لم يكن إبليس يعرف مما خلق قبل أن يـخلق ... و لابد أن يكون قد أخبر بهذه المعلومة .. " قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ " الأعراف 12

لقد عودتنا حوارات القرآن في الموضوعات المختلفة أن تطوي كثيرا من التفاصيل فلا تذكرها...اعتمادا على الإجمال وعلى فطنة السامع .. وحتى مستوى متوسطي الذكاء .. أما من هم دون ذلك فقد سهّل عليهم القرآن الكريم فهم ما يريدوه من تفاصيل في الآية رقم 43 من سورة النحل " فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ " .

الرد على النقطة رقم 5 : كيف عرف إبليس أن هناك أبناء و أحفاد لآدم لأنه قال " يُبْعَثُونَ " بالجمع ..... حيث أن حواء لم تكن قد خلقت بعد ..... و لم يأمر الله آدم بالتكاثر إلا بعد هذه الحادثة بوقت طويل ..... فهل كان إبليس مطلعا على الغيب .
الإجابة .. لا بالطبع َ.. لا إبليس و لا غير إبليس يعلمون الغيب ... ولكن من يعلم الغيب واحد هو الله "عالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا " الجن 26 .. أما كيف عرف إبليس ذلك فنكرر... اخبره بذلك من أعلم إبليس أنه خلق من نار .... " قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ " الأعراف 12


خاتمة
لقد استجمع السيد المدلس كل طاقته و استفرغ كل ما في وسعه ...... و لكننا وجدناه بعد ذلك يتكلم في سطحيات الأمور مدعيا أنها مغالطات منطقية في القرآن الكريم ....... وكنا نحسبه سيتناقش في صُلب الأمور مثلا ... ولكن كلامه في سطحيات الأمور ( الذي تم الرد عليه بموضوعية ..... ) يدل على أن سيادته لم يستطع أن يقترب من صُلب الأمور خشية بيان مدى ضآلة كلام سيادته حينئذ ... على أية حال .. الانتقاد غير العادل مجاملة مبطنة ... و إننا نرحب بأي استفسارات لسيادته أو لغيره فالفائدة فائدتان ...... لسيادته ليعرف الرد على أسئلته إن شاء ... و للمؤمنين لتشرح قلوبهم بعظمة القرآن الكريم ... وحلاوة طعم الأيمان بالله ...