فعلى الناظر في الشريعة أمران:
(أحدهما): أن ينظر إليها بعين الكمال لا بعين النقصان، ويعتبرها اعتباراً كلياً في العبادات والعادات، ولا يخرج عنها البتة، لأن الخروج عنها تيه وضلال وَرَميٌ في عماية كيف وقد ثبت كمالها وتمامها؟ فالزائد والمنقص في جهتها هو المبتدع بإطلاق والمنحرف عن الجادة إلى بُنَيَّاتِ الطرق.
(والثاني): أن يوقن أنه لا تضاد بين آيات القرآن ولا بين الأخبار النبوية ولا بين أحدهما مع الآخر، بل الجميع جار على مهيع واحد، ومنتظم إلى معنى واحد، فإذا أداه بادي الرأي إلى ظاهر اختلاف فواجب عليه أن يعتقد انتفاء الاختلاف، لأن اللّه قد شهد له أن لا اختلاف فيه.
....إلى أن قال....

فاللّه تعالى وضع هذه الشريعة حجة على الخلق كبيرهم وصغيرهم مطيعهم وعاصيهم، برهم وفاجرهم.
فالشريعة هي: الحاكمة على الإطلاق والعموم علي الرسول وعلى جميع المكلفين، وهي الطريق الموصل والهادي الأعظم.
ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحاً مِنْ أمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإيمَانُ، وَلكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عَبَادنا}(2)؛ فهو عليه الصلاة والسلام أول من هداه الله بالكتاب والإيمان، ثم من اتبعه فيه. والكتاب هو الهادي، والوحي المنزل عليه مرشد ومبين لذلك الهدى والخلق مهتدون بالجميع.
وإذا كان كذلك فسائر الخلق حريون بأن تكون الشريعة حجة حاكمة عليهم ومناراً يهتدون بها إلى الحق، وشرفهم إنما يثبت بحسب ما اتصفوا به من الدخول تحت أحكامها والعمل بها قولاً واعتقاداً وعملاً، لا بحسب عقولهم فقط، ولا بحسب شرفهم في قومهم فقط، لأن اللّه تعالى إنما أثبت الشرف بالتقوى لا غيرها لقوله تعالى: {إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقَاكُمْ}[ الحجرات: 13]؛ فمن كان أشد محافظة على اتباع الشريعة فهو أولى بالشرف والكرم، ومن كان دون ذلك لم يمكن أن يبلغ في الشرف مبلغ الأعلى في اتباعها، فالشرف إذاً إنما هو بحسب المبالغة في تحكيم الشريعة.