ما هو بقول بشر

لذا فإن القارئ المنصف، والمتتبع الواعي لهذا التنوع والتبدل المطرد للخطاب بين دفتي الكتاب العزيز لا يملك إلا التسليم بأن الذي يدير هذا الخطاب كله ويصدر عنه:
1- هو مصدر خارج مستقل عن ذات الرسول المُبَلِّغ.
2- خارج مستقل عن كل العالَمين المخاطَبين.
3- جليل يوجه الخطاب دوما بما يناسب قدره وجلاله، وينأى به عما لا يليق به.
4- حكيم عليم بطبيعة المخاطَبين وحالهم، وبالخطاب الأمثل لهدايتهم والتأثير عليهم.
ولا يحتاج قارئ القرآن لأكثر من التمهل والانتباه، وقليل من التدبر لمسار الخطاب وتغيره من موضع لآخر؛ حتى يدرك ويلح عليه اليقين: أن هذا النص إنما هو كلام الله
إلى كل خلقه، يعلن فيه عن نفسه ويتجلى بشتى أساليب الخطاب: مخاطبا الرسول، ومخاطبا فئات من الناس، ومخاطبا الناس جميعا. إذ ليس في مقدور بشر أن يتصنع كلاما –
بهذا الطول وهذا التنوع في السياق وتوجيه الخطاب بالالتفات (التغير في توجيه الخطاب) المتكرر؛ بحيث يبدو وكأنه صادر (في كل لفظ وعبارة منه) من الله كما في القرآن،
ولا بما يناسب قدره وينزهه عما لا يليق به كما في القرآن، ولا بما يحقق أعظم تأثير طبقا لمقتضى الموضوع وحال المخاطَبين كما في القرآن.
فالقرآن كله معجز، من كل وجه معجز. إلا أن هذا الوجه وحده – أي أسلوب توجيه الخطاب – نحسبه أقوى الوجوه؛ لأنه يتعلق باستحالة أن يصطنع بشر كلاما
يوجه فيه الخطاب: بحيث يتقمص فيه دور الله وجلاله؛ إذ ليس في مقدور بشر أن يتجاوز بفكره وإدراكه حدود أفكاره الخاصة وقيود مشاعره الذاتية.
وهذا تحدي قائم إلى قيام الساعة، ونتيجته معروفة مسبقا، وثابتة بشهادة التاريخ وبما هو واقع مدرك من طبائع البشر وقدراتهم النفسية واللغوية، وبعض تعليله هو ما أسلفنا من تحليل.
وهذا التتبع والتدبر لتوجيه الخطاب في القرآن مدخل إلى اليقين بإعجاز القرآن وصدق تنزيله من المولى عز وجل، دون تدخل بشر ولا عبث عابث.
وهو أيضا المدخل الأقرب والأيسر؛ حيث لا يتطلب إتقانا لعلوم اللغة ولا غوصا في أسرار البلاغة. بل إني أحسب أن القارئ الأعجمي لترجمات معاني القرآن بأي لغة
(إن التزمت الدقة في مطابقة توجيه الخطاب لما في الأصل العربي) سيدرك هو الآخر ويستشعر ما يتوصل إليه كل قارئ متدبر واعي:
أن الذات المتكلمة من خارج البشر وفوق كل البشر.
وربما كان هذا الإدراك والاستشعار العامل الأساسي وراء دخول الرعيل الأول من العرب في الإسلام بمجرد سماعهم لآيات معدودة من القرآن.
فقد أدركوا بسليقتهم وفطرتهم اللغوية، ولأول وهلة - قبل أن يكتمل التنزيل ويتبين التشريع – أن هذا "الخطاب" ليس كلام بشر؛ بل قول الأسمى من كل البشر، فآمنوا به وسلَّموا.
لم يكن الأمر مجرد انبهار بروعة النص وسمو العبارة فوق كل ما عرفه السابقون واللاحقون من شعر أو نثر؛ فالانبهار وحده مدعاة للإعجاب والإمتاع ثم الإشادة،
وقد لا يكون لدى البعض سببا كافيا وحده للإيمان بله اليقين، ذلك الإيمان واليقين الذي ترسخ في قلوب المؤمنين الأوائل، ومن تبعهم بإحسان، فواجهوا به الدنيا بأسرها
وشروا به بظهر الغيب دار الخلود.