مقاصد تنوع أساليب الخطاب في القرآن


كما أسلفنا، يتغير أسلوب القرآن في الخطاب من موضع لآخر في السياق. ولا يحتاج المرء لكثير تدبر ليلحظ أن ذلك التغير ، لا يجري عبثا بل إنه يأتي دائما بحيث يعبر،
بأقصى درجات الدقة وبحساسية بالغة، عن تغير المعنى المراد – تبعا للمواقف والموضوعات والمخاطَبين، وبما يليق بجلال ربوبية الله، ويناسب قدر المخاطَب أو المخاطَبين:
1- الخطاب المباشر من الله سبحانه وتعالى بضمير المتكلم "نحن" أو "أنا"، أو ضمائر المتكلم: كنون الفعل (نفعل)، وكالألف اللينة (نا) أو الياء (ني) -
كلاهما ضميران للمتكلم الفاعل أو المضاف إليه – كما سنرى في الشواهد. ولا يكون الخطاب بهذه الصيغ إلا تعبيرا عن جلال الربوبية في تقريره:
لنعمه على خلقه:
]وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً[ [الإسراء 70]
أو لقضاء فاصل:
]وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا[ [الإسراء 4]
أو لحكم قاطع:
]مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا[ [المائدة 32]
أو لوعد نافذ:
]إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأََشْهَادُ[ [غافر 51]
أو لوعيد منذر:
]وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا[ [الإسراء 16]
أو للقدرة المطلقة في الخلق والبعث:
]إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ[ [ق 43]

أو لغير ذلك من مظاهر وأمور ربوبيته سبحانه وتعالى.
2- ذكر الله تعالى باسم الجلالة أو بصفاته أو بضمير الغائب "هو"؛ وذلك في مجالات الوصف والتعريف، والإخبار عنه والتذكير به وما إلى ذلك:
]اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ
وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ[ [البقرة 255]


]الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ[ [الرحمن 1-2]

]هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ[ [الحشر 22]

]إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ[ [التوبة 111]

]وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ[ [إبراهيم 34]

وفي هذه الأمثلة، وغيرها من المواضع التي يذكر فيها الله بصيغ الغَيْبَة، تعبير وإشعار أيما إشعار بجلال الربوبية؛ فإنه يتنزه جل شأنه أن يتحدث بضمير المتكلم عن آلائه
وصفاته، وعجائب قدرته وأفعاله، أو أن أن يتبسط في الخطاب يقول "فعلت كذا" أو "قلت كذا"؛ إذ لو صدر الخطاب في مثل هذه الأمور بضمائر المتكلم لتدنى بمكانة القائل
نحو مكانة المخاطَبين، وحاشا لله العلي الكبير!
خذ لذلك مثلا لو قُلِبَ الخطاب في الآية: ]اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ[ [البقرة 255]،
إلى صيغة المتكلم: أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم، لا تأخذني سنة ولا نوم، من ذا الذي يشفع عندي إلا بإذني ...!

أو قُلِبَ الخطاب في الآية: ]اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ

لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ[ [النور 36]، إلى صيغة المتكلم أيضا: أنا نور السماوات والأرض، مثل نوري كمشكاة فيها مصباح ...!

لترى كيف يتضاءل جلال الخطاب بالخالق ويتبسط بالقول فيه تجاه مخلوقيه.

وبالمقابل أيضا لا يختلف الأمر لو أعدنا الكَرَّة على نماذج من عبارات الخطاب المباشر من الله بضمائر المتكلم، فقلبت إلى صيغة الغَيْبَة. فمثلا لو قلبت الآية:

]إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[ [الحجر 9]، إلى: إن الله نزل الذكر، وإنه له لحافظ!

أو قلبت آية:

]لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ[ [الحشر 21]، إلى: لو أنزل الله هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشيته ...!

ألا يزيدك الفرق يقينا بما أسلفناه وبيناه؟

ثم طبق ذلك إن شئت على أي مَثَل مما أوردناه من أمثلة في هذا المبحث، أو طبقه على أي عبارة في القرآن ذُكِر الله فيها بصيغة أو ضمير الغائب، حين يقلب الخطاب فيها

إلى صيغة المتكلم، لتدرك وتتيقن كم هي سعة البون بين كلام الله وكلام البشر؟

3- الخطاب من الله إلى الرسول:
تذكيرا بآلاء الله وقدرته:
]أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ[ [البقرة 107]

أو بأمور الغيب والآخرة:

]وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ[

[الأنعام 93]

أو تحديدا لدور الرسول:

]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً[ [الأحزاب 45]

أو تثبيتا له وشدا لأزره:

]مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى[ [الضحى 3- 5]

أو تشريفا له وتكريما:

]فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً[ [النساء 41]

أو تذكيرا بنعم الله عليه:

]أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ[ [الشرح 1]

أو أمرا إليه خاصة:

]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ[ [التحريم 1]

أو إلى المؤمنين من خلاله:

]يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ[ [الطلاق 1]

أو جوابا لسؤال المؤمنين أو غيرهم:

]يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ[

[البقرة 215]

أو تسجيلا وتذكيرا لأحداث:

]وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[ [آل عمران 121]

أو كشفا لضلال الكافرين ومكرهم:

]وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ[ [البقرة 120]

أو ردا على أباطيلهم:

]لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ

مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[ [المائدة 17]

أو توجيها لأسلوب التعامل معهم:

] فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ[ [آل عمران 61]

وفي هذه المواضع كلها يبرز دور الرسول وموقفه من الخطاب القرآني، في أنه لا يخرج عن كونه متلقيا للوحي، مستقلا عن مصدره، مبلغا له بحذافيره لا يزيد فيه ولا ينقص.
4- سائر أنواع الكلام: التي لا تتعلق بمبحثنا هذا؛ من سرد لقصص وأخبار، وحقائق وآيات، وحِكَم وأحكام، ووعد ووعيد وما إلى ذلك في سائر النص القرآني.