سادساً: تَعَدُّد الزوجات:
من الأمور الَّتي ترتبط بنظام الأسرة في الإسلام موضوع تعدُّد الزوجات. وقد أباح الإسلام التعدُّد حيث جاء ذلك في قوله تعالى: {وإن خِفتُم ألاَّ تُقسِطوا في اليتامى فانكِحوا ما طابَ لكم من النِّساءِ مثنى وثُلاثَ ورُباعَ فإن خِفتُم ألاَّ تَعدِلوا فواحدة..} (4 النساء آية 3).
إن ممَّا لاشكَّ فيه ولا ريب أن الوضع الفطري الطبيعي بالنسبة للرجل أن تكون له زوجة واحدة، يختارها لتكون شريكة حياته، يتبادلان عواطف المحبَّة والوئام، ويتعاونان على إنشاء أسرة متماسكة قوية البنيان؛ لإنجاب النسل الصالح الَّذي يرفد المجتمع بأفراد صالحين، يرثون عن سلفهم مسؤوليات المجتمع، ويمسكون بأيديهم زمام الأمور، الَّتي كانت إلى عهد قريب في أيدي سلف كريم، فيكونون خير خلف لخير سلف.
ولهذا كان الأولى أن يقتصر الرجل على زوجة واحدة، وهذا هو الغالب في المجتمعات الإسلامية حيث يقتصر معظم الرجال على زوجة واحدة، وفي الوقت نفسه، ليس له أيُّ صلة بغيرها من النساء؛ لأن الله تعالى حرَّم عليه الزنا؛ فهو عفيف طاهر واقف عند حدود الله. إلا أن الحياة لا تسير حسب الأحلام والمُثُل، فكثيراً ما يخالف واقعها تلك المثل والأحلام الجميلة، حيث نجد في الحياة الزوجية أموراً استثنائية وحوادث طارئة، ممَّا يجعل الرجل مضطراً إلى الزواج بأكثر من واحدة، ولو أن الشرع منعه من الزواج في مثل هذه الحالات فكأنما يدفعه إلى الرذيلة دفعاً، وشَرْعُ الله لا يأمر بالفحشاء ولا يحمل على فعل المنكر.
إن نظرة سريعة نلقيها على المجتمعات الَّتي منعت التعدُّد المنضبط الطاهر المشروع، ترينا أن الناس قد مالوا إلى التعدُّد الفوضوي النجس الحرام، فلا تكاد تجد رجلاً يخلو من عدد كبير من الخليلات اللاتي يجتمع بهن على ما حرَّم الله، وإذا كان هذا في صفِّ الرجال فالصورة نفسها تتكرَّر في صفِّ النساء، ويؤكِّد هذا إحصائيات تُجرى بين وقت وآخر لعدد الأولاد اللاشرعيين، فالمؤشِّر البياني لذلك في تصاعد مستمر، مع ما ينتج عن ذلك من انتشار الأمراض الجنسية الفتَّاكة، وآخرها اكتشافاً وباء نقص المناعة المكتسبة، الَّذي تعارفوا على تسميته بالإيدز أو السِيدا والَّذي يهدِّد المجتمع البشري بأفدح الأخطار.
إن الإسلام عندما سمح بتعدُّد الزوجات لاحظ مجموعتين من الحاجات الَّتي قد تدعو إلى التعدُّد، ومع ذلك قيَّده بعدد معين، مع إثبات كامل الحقوق الزوجية لجميع الزوجات، في حين أن الخليلة في المجتمعات غير الإسلامية ليس لها أيُّ حقٍّ من حقوق الزوجة. أمَّا المجموعة الأولى من الحالات الَّتي تدعو إلى تعدُّد الزوجات فهي حاجات شخصية فردية ومنها:
1 ـ أن تكون الزوجة عقيماً لا تلد، وبما أن حُبَّ الأولاد غريزة في النفس البشرية، لذا فإن مثل هذه الحالة تضع الرجل أمام أحد خيارين لا ثالث لهما: فإمَّا أن يطلِّق هذه الزوجة العقيم ليتزوج غيرها أو أن يسمح له الشرع بزواج آخر، ولاشكَّ أن السماح له بالزواج مع الإبقاء على الزوجة الأولى، أجدَرُ بأخلاق الرجال ذوي المروءات من التطليق، ولو أننا دقَّقنا في الأمر لوجدنا أن التعدُّد في مثل هذه الحالة هو في مصلحة الزوجة الأولى، فمن الأفضل لها أن تبقى زوجة كريمة لها كامل حقوق الزوجة، من أن تفقد زوجها ثمَّ لا أمل لها في الزواج مرة أخرى بعد أن يُعلَم أن طلاقها كان بسبب عقمها.
وقد حدث في مرات متعدِّدة أنَّ الزوجة العقيم تبحث لزوجها عن زوجة أخرى تنجب له أطفالاً، حفاظاً على صلة المودَّة الَّتي تربطها بهذا الزوج. ومن جهة أخرى فإن الحل ليس حلاً لمشكلة الرجل مع إغفال مشكلة المرأة، بل إن المرأة الَّتي يثبت عقم زوجها، فإن الشرع الحنيف أعطاها حقَّ طلب التفريق بينها وبين زوجها العقيم إن هي آثرت ذلك.
2 ـ أن تصاب الزوجة بمرض مزمن أو مرض معدٍ أو منفِّر، بحيث لا يستطيع الزوج أن يعاشرها المعاشرة الزوجية، والزوج هنا أيضاً أمام أحد خيارين: فإمَّا أن يطلِّقها وليس في ذلك شيء من المروءة ولا الوفاء، مع ما فيه من المهانة والضياع لهذه المرأة. وإمَّا أن يُسمح له بالزواج، مع الإبقاء على الزوجة الأولى، ولها كامل حقوق الزوجة والَّتي منها الرعاية الصحية، ولا يَشُكُّ أحد في أن بقاءها زوجة أكرم وأنبل وأضمن لسعادتها وسعادة زوجها.
3 ـ أن يشتدَّ كره الزوج لها بحيث لم ينفع معه علاج التحكيم ولا الطلاق الأوَّل ولا الثاني، وهنا يجد الزوج نفسه أيضاً أمام أحد حلَّين فإمَّا أن يطلقها ويتزوج غيرها، وإمَّا أن يبقيها عنده ولها كامل حقوقها المشروعة بوصفها زوجةً ويتزوج معها امرأة أخرى. ولاشكَّ أن بقاءها زوجة أفضل لها ولأولادها في معظم الحالات، وأكثر غرماً على الزوج، وهذا دليل على وفائه وكريم خلقه، حيث لم يوقع الطلقة الثالثة المفرِّقة بينهما أبديّاً.
4 ـ بَقيت حالة أخيرة وهي أن يكون لدى الزوج الرغبة الجنسية الشديدة ما لا يكتفي معها بزوجة واحدة، إمَّا لكبر سنها وإمَّا لكثرة الأيام الَّتي لا تصلح فيها للمعاشرة الزوجية، وهي أيام الحيض والنفاس، وفي هذه الحالة يقضي العقل والحكمة، أن لا نمنعه من الزواج الثاني، وفي ذلك ما فيه من تعريضه لخطر الوقوع في ما حرَّم الله والاعتداء على كرامة هذه الزوجة. لذا أباح له الشرع زوجة ثانية، ضمانة لسلامته وسلامة الزوجة الأولى وسلامة المجتمع وسلامة المرأة الثانية من ضياع حقوقها وحقوق أطفالها لو عاشرها المعاشرة المحرَّمة.
ويبقى العدل هو الشرط الجوهري للتعدُّد، فلا يجوز للرجل أن يفرِّق بين نسائه في النفقة، أو المعاملة، أو حتَّى في بشاشة الوجه وحلاوة اللسان، فإذا فُقدت القدرة على العدل انعدم حقُّ الرجل في التعدُّد. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة الصالحة والمثل الأعلى في تحرِّي العدل بين زوجاته، فكان يقسم بينهن ما يملكه من متاع، ثمَّ يتوجَّه إلى ربِّه داعياً: «اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك» (رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن السيِّدة عائشة رضي الله عنها) ولكنَّ الله تعالى، الَّذي فطر النفس البشرية ويعلم سرَّها ونجواها، علم أن تحقيق العدل المطلق يكاد يكون مستحيلاً، فالعدل المادي يمكن أن يتحقَّق، ولكنَّ العدل العاطفي والنفسي لا يمكن تحقيقه، فالإنسان يملك ما بين يديه ولكنَّه لا يملك ما يجيش به قلبه، لذلك أوصى الله الرجال ألا يميلوا إلى واحدة كلَّ الميل، وينصرفوا عن الأخرى، فتصبح كالمعلَّقةالَّتي ليست بذات زوج يرعى حقَّها، وليست مطلَّقة تملك حريتها، ممَّا يوقعها في الضيق ويفسد عليها حياتها، ويجعلها مثار قلق وإزعاج للزوج، بدل أن تكون سكناً له وراحة وسعادة، فقال سبحانه وتعالى: {ولن تستطيعوا أن تَعدِلوا بينَ النِّساءِ ولو حَرَصْتُمْ فلا تميلوا كلَّ المَيْلِ فتَذَرُوها كالمُعلَّقَةِ وإن تُصْلِحوا وتتَّقوا فإنَّ الله كان غفوراً رحيماً} (4 النساء آية 129). وقد حذَّر الرسول الكريم من الميل إلى زوجة دون أخرىفقال: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقَّيه ساقط» (رواه أحمد وأصحاب السنن).
وهكذا فإن العقل الرشيد والحكمة البالغة المعهودة في شرع الله وأحكامه كلِّها، تقضي بالسماح له بالزواج الشرعي من الثانية مع الإبقاء على الأولى ولها كامل حقوقها بوصفها زوجةً صالحة كريمة.
وأمَّا المجموعة الثانية من الحالات الَّتي تدعو إلى تعدُّد الزوجات، فهي حاجات اجتماعية تجعل من التعدُّد مصلحة اجتماعية ووطنية، وذلك عند قلَّة الرجال وكثرة النساء، سواء في الأحوال العادية كما هو الحال في بلاد شمال أوربا، أم في حالات الحروب والأوبئة، كما وقع في بلاد أوربا فيما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث بلغت نسبة الرجال إلى النساء واحد إلى أربع في بعض البلدان، وواحد إلى ستٍّ في بعض البلدان الأخرى. ففي مثل هذه الحالات يكون التعدُّد واجباً اجتماعياً ووطنياً وأخلاقياً وإنسانياً في آن واحد، حيث تُصان به النساء عن التبذُّل، فيأوين إلى بيت الزوجية، حيث يجدن الحماية والنفقة، وتصان الأخلاق من الانحلال والفساد. ولقد رأت أوربا النتائج السيئة لمنع التعدُّد فأخذت تفكر بإباحة التعدُّد المشروع، لكنَّهم مع بالغ الأسف لم يفعلوا بَعْدُ، وبقي الباب مفتوحاً للتعدد غير المشروع.
وعلى الرغم من كلِّ ما تقدَّم فإن الإسلام ليس وحده الَّذي أباح التعدُّد، فقد أباحته اليهودية في التوراة، وليس في المسيحية نص صريح يمنع التعدُّد؛ حيث كان قائماً في الأمم المسيحية حتَّى بداية عصر النهضة، ولم تنكره الكنيسة في كلِّ تلك العصور، وقد أباحت الكنيسة في أيَّامنا هذه للإفريقيين المسيحيين تعدُّد الزوجات كما هو معلوم.
وفي ختام البحث في نظام الأسرة في الإسلام، لابدَّ من الإشارة إلى أن الزوج يستطيع أن يتخلَّص من زوجة لا يريدها بالطلاق، فماذا عن المرأة الَّتي لا تريد زوجها، فهل تستطيع أن تطلِّقه؟! الواقع أن الطلاق تترتب عليه أعباء مالية ونفقات يتحمَّلها الزوج، لذلك كان في يد الزوج وحده، لكنَّ الشرع الحنيف لم يدع هذه الناحية سبباً لظلم الرجل للمرأة؛ وهي واقفة مكتوفة الأيدي لا تملك أن تتحرك، بل فتح لها الإسلام أبواباً واسعة للتخلُّص من الرجل، إذا كرهته فلم تستطع المقام معه، وذلك بالتشريعات التالية:
1 ـ أعطى الإسلام المرأة الحقَّ في أن تشترط على الزوج ألا يتزوج عليها، فلو شرطت عليه في عقد الزواج ألا يتزوج عليها صحَّ الشرط، وكان لها حقُّ فسخ الزواج إذا لم يفِ لها بالشرط.
2 ـ شرع التفريق للعلل، فإذا أصيب الرجل بعلَّة تمنع المعاشرة الزوجية أو بمرض مزمن أو بعاهة منفِّرة أو مرض سارٍ خطير، وطلبت الزوجة التفريق بينها وبين زوجها، فرَّق القاضي بينهما بعد أن يتحقَّق من ذلك.
3 ـ التفريق للغيبة الطويلة أو الحكم على الزوج بالحبس: فإذا غاب الزوج عن زوجته غيبة طويلة بغير عذر، أو حُكِمَ عليه بالسجن لمدة تزيد على ثلاث سنوات، يمكن لهذه الزوجة أن تطلب التفريق بينها وبين زوجها، بعد مرور عام على غيبته أو سجنه.
4 ـ التفريق لعدم الإنفاق: فإذا ثبت عجز الزوج عن الإنفاق على زوجته، فرَّق القاضي بينهما لهذا السبب.
5 ـ التفريق للشقاق: فإذا أصبحت الحياة الزوجية جحيماً لا يطاق، ورفض الزوج طلاق زوجته، فإن القاضي يفرِّق بينهما؛ إذا تبيَّن له أن الزوج أَلحقَ الضرر بها أو آذاها.
6 ـ التفريق بسبب كراهية الزوجة للزوج: فإذا ما أحسَّت الزوجة نفوراً شديداً من زوجها بحيث لم تعد تُطيقُ العيش معه بأيِّ شكل، يحقُّ لها أن تطلب التفريق بعد أن ترضيه ماديّاً إذا أصرَّ على ذلك وهذا ما يسمىبالمخالعة.
كلُّ هذا انتصاراً للحقِّ ورفعة لشأنه، فليس في الإسلام تحيُّز لكائن على حساب كائن آخر، فالرجل والمرأة في نظر الشرع سواء، ولا يفضِّل هذه الجهة أو تلك، إنَّما هو العدل المطلق في ظلال شرع الله الحنيف الخالد.
سابعاً: المعاشرة الزوجية:
قال الله تعالى: {ويَسألونَكَ عن المَحيضِ قُل هوَ أذىً فاعتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ولا تَقربوهُنَّ حتَّى يَطهُرنَ فإذا تَطَهَّرنَ فأتُوهُنَّ مِن حَيثُ أمَرَكُمُ الله إنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرينَ * نِسَاؤكُم حَرثٌ لكُم فَأْتوا حَرثَكُم أنَّى شِئتُم وقَدِّمُوا لأنفُسِكُم واتَّقُوا الله واعلَمُوا أنَّكُم ملاقُوهُ وبَشِّرِ المُؤمِنِينَ} (2 البقرة آية 222-223).
ومضات:
ـ يسبب الجماع في مدة الحيض ضرراً وأذىً للرجل والمرأة على السواء؛ لذلك كان لابدَّ من الامتناع عنه حتَّى تطهر المرأة وتغتسل. عندها يحلُّ للزوج أن يأتيها من حيث أمره الله؛ وهو محل النسل والولد، ويمكن له أن يأتيها كيف يشاء، قائمة أو قاعدة أو مضطجعة، خلافاً لما كان يُعتقد قبل الإسلام.
ـ المقصود بالتحريم في هذه الآيات هو تحريـم الجماع فقط أثناء مدة الحيض، بينما يحلُّ للزوجين ما سوى ذلك من مجالسة ومؤاكلة ومداعبة.
ـ إن الله يحبُّ التائبين من الذنوب، المتنزِّهين عن الفواحش المحبِّين للطهارة.
ـ المرأة محل الزرع وموضع النَّسل، تحضن الجنين في رحمها وترعى أخلاقه وآدابه في طفولته، لذلك يجب على المؤمن أن يحسن اختيار الزوجة الَّتي ستكون راعية لبيته وأُمّاً لأولاده.
ـ المؤمن يخاف الله ويبادر إلى تقديم الأعمال الصالحة الَّتي تكون له ذخراً في الدنيا والآخرة، ويحذر المعصية والعبث ليقينه بأنه صائرٌ إلى حساب الله لا محالة، ثمَّ إنَّ له البشرى بالفوز العظيم، واستحقاق جنَّات الخلود، لما بذله في سبيل تأسيس أركان السعادة الإنسانية.
في رحاب الآيات:
من أهمِّ أهداف الزواج حفظ النوع البشري بالتوالد، كما يُحفظ النبات بالزرع؛ فالمرأة بمثابة الأرض المعدَّة لإلقاء البذور، والزوج هو الزارع بالطريقة الَّتي يختارها في وضع الحَبِّ. وقد جاء التعبير في الآية الكريمة عن النساء بالحرث بياناً لدورها الهام في بناء الأسرة. وفي ذلك توجيه للخاطبين كي يحسنوا الاختيار، لأن الزواج في الإسلام ليس محلاً لإشباع الدافع الجنسي، أو لإرواء غليل الشهوة الغريزية فحسب؛ بل هو خطَّة محكمة لإعمار الأرض وإحيائها بالنسل الصالح.
ولقد أحلَّ الله تعالى إتيان الزوجة في معظم الأوقات، باستثناء مدة النَّفاس والحيض الَّتي تمرُّ بها الزوجة؛ إذ أن الحيض حالة تشبه المرض، يتم أثناءها طرح البويضة والعش الجنيني المخرَّب خارج رحم المرأة، وغالباً ما تترافق هذه العملية بآلام جسدية واضطرابات نفسية، ممَّا يجعل المرأة غير مستعدَّة نفسياً ولا صحياً للمباشرة الجنسية، الَّتي يُقصد بها استمتاع كلٍّ من الزوجين بالآخر.
وقد رفع الإسلام بهذا النهي من شأن المعاشرة الزوجية، ونزَّهها عن أن تكون مجرَّد قضاء شهوة غريزية آنيَّة، لتكون بالمقابل وظيفة إنسانية ذات أهداف سامية في طبيعة الحياة البشرية واستمرارها، يقوم عليها بناء الأسرة وإحلال المودَّة والحبِّ بين أفرادها.
وينحصر النهي في هذه الآية عن المباشرة أثناء الحيض فقط، دون المعاشرة والمؤاكلة والمجالسة، فقد وضَّح النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «اصنعوا كلَّ شيء إلا النكاح. وفي لفظٍ (الجماع)» (رواه الجماعة إلا البخاري).
وقد أجمع الأطبَّاء على وجوب الابتعاد عن مباشرة المرأة في مدة الحيض، كما نطق بذلك القرآن الكريم المنزَّل من لدن حكيم عليم، لما في ذلك من أضرار وأذى على الطرفين، ومن هذه الأضرار:
1 ـ آلام أعضاء التناسل لدى الأنثى، وإحداث الالتهابات في الرحم والمبيض، ممَّا قد يؤدِّي إلى تلف المبيض وإحداث العقم.
2 ـ إن دخول سائل الحيض في عضو التناسل عند الرجل قد يحدث له التهاباً صديديّاً، لما فيه من جراثيم وأذى.
ولا يحلُّ للرجل أن يباشر زوجته حتَّى تطهر، وقد ذهب الجمهور إلى أن الطُّهر الَّذي يحل به الجماع هو تطهُّرها بالماء، وأنها لا تحلُّ حتَّى ينقطع الحيض وتغتسل بالماء. فإذا تطهَّرت جاز للزوج أن يباشرها في المكان الَّذي أحلَّه الله له، وهو مكان النسل والولد أي القُبُل لا الدُبُر، لأن الإتيان في الدُّبُر خروج عن موضع الحرث الَّذي خلقه الله.
وما تحريم ذلك إلا لعلَّة الضرر والأذى، وفي هذا التحريم تكريم للمرأة وصيانة لحقِّها، فللمرأةحقٌّ على الزوج في الوطء، ووطؤها في دبرها يفوِّت حقَّها، ولا يقضي وطرها أو يحقِّق مقصودها. وكذلك فالدبر لم يتهيَّأ لمثل هذا العمل، ولم يُخلق له، وإنما الَّذي هُيِّئ لذلك هو الفرج، فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة الله وشرعه. ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم : «إن الله لايستحي من الحقِّ فلا تأتوا النساء في أدبارهنَّ» (رواه النسائي عن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه )
وبقوله تعالى: {أنَّى شئتم} أُعطيَ الزوج الحرِّية في إتيان زوجته كيفما يشاء، قائمة أو قاعدة أو مضطجعة على أن يكون ذلك في مكان الحرث (الفرج). وفي ذلك يقولصلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطابرضي الله عنه : « أقبل وأدبر واتقِ الدبر والحيضة» (رواه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه ).
وقبل أن يشرع الزوجان باللقاء الجنسي يستحبُّ منهما أن يقوما بالمقدِّمات كي يصلا بعملهما إلى غايته؛ فيبدآن بالتسمية بالله والدعاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال باسم الله اللهم جنِّبنا الشيطان وجنِّب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدَّر بينهما ولد في ذلك لم يضرَّه الشيطان أبداً» (رواه البخاري).
أمَّا الخطوة الثانية فهي المداعبة، وهي فن يضايق المرأة إهماله، ويثير اشمئزازها إغفاله، بل إنه قد يؤذيها إيذاء بدنياً ونفسياً، ويحوِّل هذا العمل إلى عمل آلي بغيض بالنسبة للطرفين. وللألفاظ والنظرات أهمِّيتها العظمى في التمهيد، ومهما بدت هذه الأمور تافهة وصغيرة في نظر بعض الناس، فإنها هامَّةٌ جداً في هذه الحالة. قال أحد علماء النفس الاختصاصيين بقضايا الجنس تحت عنوان المغازلة والمداعبة: [واعلم أنه لا يكفي أن يستهوي الرجل زوجته حتَّى تذعن له مرة واحدة فقط حين يتزوجها، بل يجب أن يلاطفها ويستعطفها ويستهويها عند كلِّ وصال]. فالمداعبة تمهيد هامٌّ يتوقف عليه تحقيق المتعة، واستمرار سعادة الحياة الزوجية، ويجب أن يكون الجماع منسجماً في العمل والاستجابة له، ومن ضرورات هذه المشاركة المساواة في الحقوق وفي الاستمتاع بالاتحاد الجنسي.
وأفضل الأساليب ما تولَّته يد الشريعة الغرَّاء، وجاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، فهو البلسم الشافي والطب الواقي، وذلك وجوب ترك الزوج زوجته تأنس به ويأنس بها، وتسكن إليه ويسكن إليهافتحصل المودَّة، وتلتقي القلوب، قال الله تعالى: {ومن آياتِهِ أن خَلَقَ لكُم من أنفُسِكُمْ أزواجاً لتَسْكُنوا إليها وجَعَلَ بينَكُمْ مَوَدَّةً ورحمةً إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يَتَفكَّرون} (30 الروم آية 21).
ومن الأسباب الهامَّة لجعل الزواج خصباً ومثمراً للذريَّة الصالحة، المداومة على الاستغفار وتقديم الصدقات، قال تعالى: {فقلتُ استغفروا ربَّكُمْ إنَّه كان غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عليكم مِدْرارا * ويُمْدِدْكُمْ بأموالٍ وبنينَ ويجعلْ لكم جنَّاتٍ ويجعلْ لكم أنهارا} (71 نوح آية 10ـ12).
ومن ثمَّ فإن الشارع الحكيم يعوِّد المسلم على ألا تغيب عن باله الغايات السامية من الأحكام أثناء تفصيلها، فينقله من الحديث عن الدم والغُسل إلى الحديث عن التوبة والطهارة والنقاء حيث يكمن خيره وسعادته، وذلك كلُّه من دواعي محبَّة الله تعالى له: {إن الله يحبُّ التوابين ويحبُّ المتطهرين}.