5- نداء رمضان: يا باغي الخير أقبل:
إن أبواب الأجر في الإسلام كثيرة، وإن أسباب اكتساب الحسنات متعددة، وفي شهر رمضان تتضاعف أجور الأعمال الصالحة، فضلاً من الله - عز وجل - على عباده، وينادي مناد في أول ليلة من رمضان فيقول: «يا باغي الخير! أقبل، ويا باغي الشر! أقصر»[16].
إن الأيام صحائف الأعمار، والسعيد من يخلدها بأحسن الأعمال، وراحة النفس في قلة الآثام، ومن عرف ربه اشتغل به عن هوى نفسه، وفي هذا الشهر المبارك المنزل فيه القرآن العظيم المتعدد فيه طلب أنواع المغفرة من التوسع في المعروف والبذل والدعاء وتفريج الكربات والإكثار من العبادات، إلا أن بعض الناس أرخص لياليه، وأرهق فيها بصره مع الفضائيات، يعيش معها في أوهام، ويسرح فكره حولها في خيال ويتطلع لها لعل فيها سعادة السراب، فإذا انقضى شهر الصيام لا لمال فيه جمع، ولا للآخرة ارتفع، ربح الناس وهو الخاسر.
6- فتح أبواب الجنة وغلق أبواب النيران:
ومن رحمة الله بعباده في رمضان أن ساعدهم على الطاعات وهيّأ لهم الوسائل المعينة على ذلك، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين"[17] [متفق عليه]. ففي شهر رمضان المبارك يفتح الله سبحانه وتعالى أبواب الجنة على مصراعيها لكل تائب توبة نصوحة وفق شروطها الشرعية المعتبرة وتغلق بوجهه كل أبواب الجحيم.
ومن فضائل الصوم في الآخرة ما اختصهم الله به من أبواب الجنة، فجعل سبحانه في الجنة بابًا يسمى باب الريان لا يدخل منه إلا الصائمون، قال صلى الله عليه وسلم : «فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أبْوَابٍ، فِيهَا باب يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لا يَدْخُلُهُ إِلا الصَّائِمُونَ»[18].
واعلم أخي الكريم أن غلق أبواب النار في رمضان حقيقة لا تحتاج إلى تأويل، وهذه نعمة عظيمة ومنة كريمة من الله، يتفضل بها على عباده في هذا الشهر. قال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر:71]، إنها النار.. التي رآها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحطم بعضها بعضاً، والتي قال عنها لما رآها: "لم أر منظراً كاليوم قط أفظع" (رواه البخاري). وقال عنها -صلى الله عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا، قالوا وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار" رواه مسلم.
7- تصفيد الشياطين ومردة الجن:
ومن رحمات الله تبارك وتعالى بالناس في شهر رمضان المبارك أن الله سبحانه وتعالى يصفد الشياطين الذين يسعون في الأرض فساداً. ففي الصحيحين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إلى غيره .
وفي رواية الترمذي وابن ماجه وغيرهما: "إذا كانت أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب , وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي منادي : يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة".[19].
فالشياطين في رمضان يضعف سلطانهم على أهل الإيمان وأهل الصيام، ويقوى سلطان أهل الإيمان وإرادتهم للخير، فلا يتمكن الشيطان ولا يصلون إلى أهل الإيمان وأهل الصيام مثل ما كان يصلون إليه ويتمكنون منهم في غير رمضان، بخلاف الكفار الذين لا يراعون حرمة لشهر رمضان، فليسوا داخلين في هذا الحديث، ففي شهر رمضان يقوى إرادة المؤمنين للخير، وتضعف إرادتهم للشر.
لذلك نرى أن كثيراً من العصاة يتوبون إلى الله توبة نصوحة في شهر رمضان فيلزمون المساجد ويحافظون على الصلوات والصيام وغير ذلك من الخيرات، كما نلاحظ كثرة المصلين في المساجد وقلة المتنازعين في المحاكم ومراكز الشرطة.
8- الاستيقاظ بالأسحار:
الليل واحة المتقين، تجتمع فيه شتات الهموم، وتصفو النفوس ويتوجه العبد للقاء الحي القيوم، والسَّحَر وقت شريف، يقترب الله جل وعلا من عباده، لعلهم يتوبون أو يناجون ربهم ويُنزلوا حاجتهم به، ويستغفروه ويتوبوا إليه، ولكن كثيرًا من المسلمين طوال العام يكونون نائمين في هذا الوقت الشريف، فإذا جاء رمضان قاموا إلى السحور فذكروا ربهم وصلوا ركعتين في جوف الليل ودعوا ربهم واستغفروه.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له"[20]، استجابوا لنصيحة نبيهم صلى الله عليه وسلم حين نادى فيهم: "أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر؛ فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن" [21]
ولما سُئل الحسن البصري رحمه الله : ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوهًا؟ فقال: "لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره"[22].
وما أروع ليل رمضان، يتقلب العبَّاد بين أنوار الساعات المباركة في ساعات رمضان، فتهتز قلوبهم من روعة المشهد ولذة الإيمان، فتنساب الدموع.
إن أغلى ما في تلك الساعات من ليالي رمضان: تلك الدموع التي تنساب في الليل، وإنها لتغسل الران من على القلوب، وتخلص الروح من قيود الأرض، تزرع الإخلاص في الليل ليجني حصاده في عمل النهار، يرقى بها العبد ويسمو، ولا يعدل لذتها عنده شيء.
تلك الدموع التي تصنع العُبّاد والفرسان، تلك الدموع التي أدرك عبد الله بن عمرو بن العاص معناها وقيمتها فقال: "لأن أدمع دمعة من خشية الله أحب إليَّ من أن أتصدق بألف دينار"[23].
الجيل القرآني الفريد:
يا لروعة هذا الجيل القرآني الذي تخرج من مدرسة النبوة، وصُنعوا على عين أستاذها، كيف الحال لو صار ذرف الدموع في جوف الليل اتجاهًا عامًّا وسمة أساسية لمجتمع، ها هو أبو تراب علي بن أبي طالب رضي الله عنه يصف أحوال الأصحاب، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول علي: "والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فما أرى اليوم شيئًا يشبههم، لقد كانوا يصبحون صُفرًا شعثًا غبرًا بين أعينهم كأمثال ركب المعزى، قد باتوا لله سجدًا وقيامًا يتلون كتاب الله يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تنبل ثيابهم".[24]
أيها المقبل على ربه! ما أحوجك في رمضان إلى توبة صادقة ودمعة صادقة، تغسل عنك أدران الذنوب، تكون عنوان ضراعاتك لمولاك، وبرهان خوف ورجاء ومحبة للرحمن، علها تكون طوق النجاة.
أيها العبد المتلهف لغيث الرحمات: دمعة في ليل رمضان كقطرة الندى، تجلي الغشاوة والصدى، تنير درب المسير، تحلي الطعم المرير، ترضي الإله القهار، ترفع عن قلبك الران، إن ذقت طعمها فلن تنساها، فترقب الليل حتى تلقاها.
ماذا بعد الكلام؟
ـ احمد الله تعالى أن بلغك رمضان، فهناك أناس قد حرمهم الله تبارك وتعالى، من تلك النعمة وتوفاهم قبل رمضان.
- استقبل شهر رمضان بالتوبة والاستغفار واحرص على جِلاء الصدى عن قلبك لتسلم لك الجوارح، وتسهل عليك الطاعة، وتنشط فيها.
- استعن بالله في العبادة والطاعة وارجوه أن يوفقك ويأخذ بناصيتك إليه.
- احرص على استغلال السوق الرابحة وهي مفتحة الأبواب قبل أن يغلق سوق رمضان، ونوّع في الطاعة بين الذكر والتلاوة والصدقة والقيام وصلة الأرحام، وإطعام الطعام، وإعانة الفقراء،... رغبة ورهبة لله تبارك وتعالى.
- العشر الأواخر من رمضان مقبلة عليكِ، فاجتهد في الطاعة في هذه العشر، من قيام الليل وقراءة القرآن، وأري الله من نفسك خيرًا.
- ادع الله أن يبلغك ليلة القدر.
- اختم الشهر بالاستغفار والتوبة والندم على التقصير، وارج من الله القبول، وحسِّن ظنك بربك.
أسأل الله أن يستعملنا في طاعاته وأن يمنّ علينا بالقبول والعفو والعافية، وأن يسبل علينا عافيته ومغفرته ورحماته، والحمد لله رب العالمين.
:: موقع مجلة البيان الالكتروني