

-
2- جماعية الطاعة:
من صور الرحمة في رمضان اجتماع المسلمين على الطاعة، فلو أن الله تبارك وتعالى كلّف كل واحد منا بصيام 30 يومًا وحده وقيام 30 ليلة منفردًا عمن حوله، لوجد صعوبة كبيرة وكان هذا العمل فيه مشقة عظيمة، ولكن من رحمة الله تبارك وتعالى بالأمة أن جعل الطاعة جماعية، ففي رمضان يصير الغالب على المجتمع حرصه على الصيام مع أعمال الطاعة والخير والبر، فالمساجد تمتلئ، وأعمال البر والصدقات يتسابق فيها المتسابقون، والأخلاق السمحة تُفرض نفسها، والكل يقرأ القرآن ويجلسون في المساجد، وما ذلك إلا بما أودعه الله في هذا الشهر من بركات، وتيسيره للناس سبل الخير عن غيره من الشهور.
وانظر إلى صيام الست من شوال وقارنها بصيام رمضان، تجد أن الطاعات التي ينفرد بها الكثيرون في غير رمضان، تصبح في رمضان أمرًا عامًّا، وهو ما يحفّز المرء على النشاط في الطاعة؛ وهو ما يعلي لديه من بناء الإيمان، والذي يقوم بدوره بهدم الآفات.
ونظرًا لأن الإنسان يتأثر بمن حوله، ورؤيته لمشاهد الطاعة لدى العباد تحفّزه، أوصى الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى، وقد تضافرت الأدلة لتؤكد على أهمية مصاحبة الأخيار، ففي الحديث: "الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"[12].
3- شهر حمية ورحمة للبدن:
من رحمة الله تبارك وتعالى بالعباد أن جعل الصيام وقاية وحماية وتنظيفًا للبدن مما فيه من سموم وأدواء، ففي الصوم صحة البدن، وخلوصه من الأخلاط الرديئة..
وفي الصوم إضعاف للشهوات التي تزداد مع الأكل والشرب وإطلاق النظر، فيأتي الصيام ليكسر هذه الشهوات، فيحفظ الإنسان جوارحه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: الصيام جُنَّة؛ يستجن بها العبد من النار، وهو لي، وأنا أجزي به"[13].
قال المناوي: "وقاية في الدنيا من المعاصي بكسر الشهوة، وحفظ الجوارح، وفي الآخرة من النار"[14].
إن البدن طوال العام مع العمل يكل ويملّ وقد تصاب أجهزة الجسم بالآلام والأسقام، والأفضل أن تستريح الأعضاء بعضًا من الأوقات لتستعيد نشاطها وقوتها مرة أخرى، فمن رحمة العزيز العليم أن جعل للمعدة وقتاً تستريح فيه كما يستريح غيرها من الأعضاء.
وبامتناع الإنسان عن الشهوات بالصوم المشروع؛ ترتقي نفسه وتسمو روحه، وكأنها تقترب من الملأ الأعلى الذين لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون؛ فيكون هذا السمو الروحي، وكسر حدة الشهوات عاملاً مهمًّا ليتخلص المرء من حصار الآفات.
ولما كان فضول الطعام والشراب، والكلام والمنام، وفضول مخالطة الأنام مما يقطعه عن ربه، ويزيده شعثاً، ويشتته في كل واد، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات التي تعوقه عن سيره إلى الله تعالى.
والإنسان إذا صام وذاق مرارة الجوع حصل عنده عطف ورحمة على الفقراء والمساكين الذين لا يجدون ما يكفيهم من القوت فتصدق عليهم وأحسن إليهم.
4- رحمة في تحديد الزمن:
شاءت إرادة الله سبحانه أن يجعل الشهر القمري رمضان محلاً للصيام، ولهذا الشهر علامته الكونية الكبيرة، القمر بدءاً وانتهاءً يحمل في طياته عوامل الوضوح والثبات، فلا تستطيع سلطة أو جماعة أن تُخفيه أو تحرّف المسلمين عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ»[15].
واختيار السنة القمرية في التوقيت له فيها حِكَم عظيمة، فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بحوالي عشرة أيام، فعلى هذا يتقدم شهر رمضان كل عام عنه في السنة الماضية عشرة أيام، وعلى هذا ففي خلال ستة وثلاثين عاماً لا يبقى يوم من أيام السنة إلا وقد صامه المسلم، يشهد له بصومه لربه.
اليوم القصير.. واليوم الطويل.. واليوم الحار.. واليوم البارد. وبذلك يتساوى المسلمون في كل أقطار الدنيا في مقدار الصيام وشدته، ولولا هذا لكان نصيب أهل المناطق الحارة أشد من نصيب أهل المناطق الباردة، وناس يصومون يوماً طويلاً أبد الدهر، وناس يصومون يوماً قصيراً، فلله الحمد والمنَّة أن أكرمنا بشهر المنافع والخير والبركات: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
ومن رحمة الله عزَّ وجلَّ بعباده أن علق الصوم والإمساك على علامتين سماويتين يسهل تمييزهما هما طلوع الفجر، وغروب الشمس، وفي ذلك ضبط للوقت يستطيعه أي إنسان في أكثر مناطق العالم كما قال سبحانه: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187].
ومن رحمة الله بعباده أن منح الناس في رمضان وقتاً يعوّضون فيه كل ما فقدوه في صيام اليوم من حاجة الجسد، وذلك بإباحة الطعام والشراب والنكاح ليلاً، ومنعه منهم نهاراً، وبذلك يتمحض الصيام نفعاً خالصاً للإنسان بدنياً ونفسياً.
وفي تعيين شهر رمضان بالذات شهراً للصوم، دون ترك التعيين للإنسان ليختار شهراً معيناً لنفسه من السنة، فيه إشعار للمسلمين بوحدتهم، ومن تعويدهم النظام والانضباط والاستسلام لله عزَّ وجلَّ، وفيه فتح الباب لأعمال موحدة من الخير، ينال كل مسلم من المسلمين فيها نصيبه، وإعلان لدخول المسلمين جميعاً في يوم واحد مدرسة واحدة فيها الصيام والقيام، والبذل والإحسان، وتلاوة القرآن.
تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة ابو مريم ومعاذ في المنتدى منتدى الصوتيات والمرئيات
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 11-09-2011, 07:51 PM
-
بواسطة سالم عبدالله في المنتدى المنتدى العام
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 31-07-2011, 07:29 AM
-
بواسطة islam2k7 في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 5
آخر مشاركة: 06-03-2011, 05:22 PM
-
بواسطة نعيم الزايدي في المنتدى منتدى قصص المسلمين الجدد
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 15-09-2010, 02:10 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات