الحقيقة والمجاز


تعتبر قضية الحقيقة والمجاز، من أكثر القضايا التي حظيت باهتمام الباحثين في إعجاز القرآن، لارتباط البحث فيها بالكلام في عادة العرب وسننها في القول، ومن ثم لارتباطها بمسألة ذات الله وصفاته وقدم الكلام وحدوثه. فإذا كانت المعجزة التي هي دليل الوحي «لا يجب أن تفارق حدود الإطار الذي تتميز به الثقافة التي ينزل فيها الوحي» (19) فإن القرآن الكريم -معجزة الرسول r - لم يفارق حدود الإطار الذي تميزت به ثقافة العرب، فجاء على سننهم في التعبير بلسان عربي مبين.


والمجاز في لغة العرب فن أصيل، وهو سمة ملازمة لكلامهم لما فيه من دقة في التعبير، وإخراج المعاني المحسوسة إلى المعاني المجردة، فهو خير وسيلة للاتساع في اللغة، والتحرر من الضيق اللفظي، والانطلاق في مجالات الخيال، بما يضفيه من علاقات لغوية مبتكرة توازن بين الألفاظ والمعاني في الشكل والمضمون، وتلائم بين عمليتي الإبداع والتجديد في دلالة اللفظ الواحد، للخروج باللغة إلى ميدان أوسع وأرحب (20). ولما كان القرآن الكريم أساس العربية ودستورها وكان «إعجازه البياني موردا متأصلا من موارد إعجازه الكلي، وتفوقه البلاغي حقيقة ناصعة من تفوقه في الفن القولي» (21)، فلا غرابة أن يكون مصدرا للثروة البلاغية عند العرب، وأن يكون مجازه في الذروة من البيان العربي، وأن يكون عنصرا أساسيا من عناصر بلاغته الإعجازية. (22).


وقبل الحديث عن الخلاف الذي أثارته هذه الثنائية بين العلماء، يحسن بناء أن نقدم تعريفا لمفهوم الحقيقة والمجاز.
أما الحقيقة في اللغة هي المثبتة أو الثابتة في موضعها الأصلي(23)، وفي الاصطلاح، هيكل لفظ يبقى على موضوعه وقيل ما اصطلح الناس على التخاطب به (24).
أما المجاز لغة، فهو من جزت الطريق، وجاز الموضع جوازا أو مجازا، وجاز به وجاوزه جوازا، سار فيه وسلكه. وجاوزت الموضع بمعنى جزته وسرت فيه وقطعته، والمجاز والمجازة الموضع(25).


وفي الاصطلاح: المجاز ما أفاد معنى غير مصطلح عليه في الوضع الذي وقع فيه التخاطب، لعلاقة بين الأول والثاني (26).
ويكشف عبد القاهر عن العلاقة بين اللغة والاصطلاح، في اشتقاق لفظ المجاز فيقول «جاز الشيء يجوزه إذا تعداه، وإذا عدل باللفظ عما يوجبه أصل اللغة وصف بأنه مجاز على معنى أنهم جازوا به موضعه الأصلي، أو جاز هو مكانه الذي وضع فيه أولا» (27).


فكل لفظ دل على معناه الذي وضع له في الأصل فهو المراد بالحقيقة، وكل لفظ دل على غير معناه الأصلي فهو المراد بالمجاز. والحقيقة لها موضعها الذي تستعمل فيه، والمجاز له موضعه الذي يستعمل فيه. وكلاهما في موضعه بليغ، وكلاهما في غير موضعه خارج عن البلاغة، ولكن أرباب البلاغة مجمعون على أن «المجاز أبلغ من الحقيقة في تأدية المعنى، فعندما نقول (لقيت الأسد وجاءني البحر) فقد جعلت الرجل أسدا وبحرا، بما يحمله من دلالة على الشجاعة والجود، لأن الشجاعة ملازمة للأسد، والجود تابع للبحر، والدلالة بلازم الشيء وتابعه أكشف لحاله وأبين لظهوره وأقوى تمكنا في النفس من غير ما ليس بهذه الصفة» (28). إلا أن من العلماء من أنكر وجود المجاز في اللغة والقرآن كالظاهرية، ووافقهم على ذلك بعض السلف كابن تيمية، وقد جاء هذا الرفض بحجة أن (المجاز أخو الكذب)، والقرآن منزه عنه، ثم إن المتكلم لا يعدل إلى المجاز إلا إذا ضاقت به الحقيقة أو عجز عن التعبير بها فيستعير، وذلك محال على الله تعالى (29).


وقد رد على هذه الشبه جماعة من المسلمين، وكان من أسبقهم ابن قتيبة الذي أشار إلى مسألة الطعن في القرآن في هذه القضية فقال: «وأما الطاعنون على القرآن بالمجاز، فإنهم زعموا أنه كذب لأن الجدار لا يريد (30) والقرية لا تسأل(31)، وهذا من أشنع جهالاتهم وأدلها على سوء نظرهم وقلة أفهامهم، ولو كان المجاز كذبا وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلا، كان أغلب كلامنا فاسدا لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السعر» (32). فاستعمال المجاز في القرآن نابع من الحاجة إليه في بيان محسنات القرآن البلاغية، ولما في المجاز من طاقة في حسن التعبير، وليس لعجز عن تسخير الحقيقة، ثم إن المجاز والحقيقة يتقاسمان شطري الحسن والبلاغة في القرآن. يؤكد ذلك قول جلال الدين السيوطي «وهذه شبهة باطلة، ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن، فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، ولو وجب خلو القرآن من المجاز، وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتكنية القصص وغيرها» (33).


وقد ذهب ابن تيمية مذهبا آخر في رفضه استعمال صيغ المجاز في القرآن، بدعوى أن هذا التقسيم إلى حقيقة ومجاز هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة الأولى من الهجرة. فلا أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم، كمالك والثوري والأوزاعي، تكلم بذلك. ولا تكلم به أحد من أئمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم (34). والحق أن هذا الرفض من ابن تيمية، ينافي الموضوعية، لأنه لا يستند إلى بيان وبرهان قاطع، فكون الصحابة وتابعيهم لم يتحدثوا عن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، وكون بعض العلماء لم يتحدثوا عن هذه القسمة، لا ينفي وجود المجاز في القرآن، ونحن نعلم أن العلوم كلها إنما تنشأ في عهد تدوينها كما تنشأ النواة، ثم تتدرج في النمو والتكامل والتصنيف، ثم هل كان في عهد الصحابة والتابعين اصطلاحات في التفسير والفقه والنحو والكلام؟ فالتمسك بأن الواضع الأول لم يثبت عنه تقسيم الكلام إلى حقيقة و مجاز معناه «توقف حركة التطور العلمي وما تقتضيه من تقنين وتأصيل وتفريع، فكل القدامى من الذين بحثوا في إعجاز القرآن تحدثوا عن الحقيقة والمجاز وعن الاستعارة بوصفها ضربا من المجاز، وإن كان بعضهم استعمل عبارة أخرى تدل على المجاز قبل ظهوره كمصطلح» (35).
وقد اعترض الدكتور شوقي ضيف، على ما ذهب إليه ابن تيمية، بأن هذا التقسيم إلى حقيقة ومجاز اصطلاح حادث بعد القرون الثلاثة الأولى، وذلك استنادا إلى أن الجاحظ الذي عاش في القرنين الثاني والثالث الهجريين، قد أشار إلى المجاز، وما يعزز رأي شوقي ضيف، أن ابن قتيبة الذي عاش في القرن الثالث الهجري قد أفاض في المجاز، وأكثر من القول فيه، بما لا يقاس إليه كلام الجاحظ (36).


على الحقائق، كما يشتمل على المجازات، ولا مجال لإنكار المجاز في القرآن، فقد ثبت وقوعه في آيات كثيرة من كتاب الله العزيز تعد في القمة من الاستعمال البياني مثل قوله تعالى )واحلل عقدة من لساني( (37) فاللسان ليست فيه عقدة ظاهرة محسوسة، وإنما أراد بالعقدة ما يطرأ على اللسان من عيوب الكلام كاللثغة وغير ذلك، وكقوله تعالى )قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه( (38). فالقرآن لم يرد إخراجهم من ظلام الليل إلى ضوء النهار حقيقة، وإنما أراد إخراجهم من الكفر الذي يتخبط فيه المرء كما يتخبط في ظلمة الليل إلى الإيمان الذي يهتدي به الإنسان كما يهتدي بنور النهار. وكقوله تعالى )واشتعل الرأس شيبا( (39) فليس ثمة اشتعال حقيقي في الرأس، وإنما المراد الإشارة إلى كثرة شيب الرأس، فلما كان شيب الرأس يزداد كثرة وبشكل سريع، صارت الكثرة في الانتشار والاتساع، كاشتعال النار التي لا يمكن تلافيها.


وترتبط قضية الحقيقة والمجاز من ناحية أخرى بذلك الخلاف المذهبي بين المعتزلة والأشاعرة حول ذات الله وصفاته، وما نتج عنها من مواقف حول أصل اللغة ونشأتها، بل يمكن القول إن هذه القضية لم تكتسب هذه الأهمية في الثقافة العربية الإسلامية، لولا تعلقها بهذه المسألة العقائدية. فالمعتزلة الذين قالوا بالاصطلاح في نشأة اللغة، أكدوا على أن أكثر اللغة مجاز لا حقيقة. فإذا كانت اللغة نتاج بشري خالص تواضعت عليه الجماعة للتواصل فيما بينها، وليصح أن يفهم عن الله ما يخاطب به، فإن المجاز كعنصر لغوي شأنه شأن الحقيقة، يعتمد على المواضعة السابقة للجماعة. يقول القاضي عبد الجبار: «المجاز قد صار موضوعا لما استعمل فيه مجازا، فهو في الحكم بمنزلة اسم يستعمل في أمرين على جهة الاشتراك» (40). لكن الفرق بين المواضعة المجازية والمواضعة اللغوية، كون الأولى مواضعة طارئة، أما الثانية فهي مواضعة أصلية. فلما كانت فصاحة العرب وبلاغتهم إنما ترجع لما في كلامهم من إشارات واستعارات ومجازات، ولما كان الكلام يبعد عن الفصاحة والبلاغة إذا جرى كله على الحقيقة، لما في الحقيقة وحدها من قصور عن التبليغ، ولما للمجاز من طاقة في حسن التعبير، فقد اعتبر المعتزلة أن أكثر اللغة جار على المجاز، وقلما يخرج الشيء منها على الحقيقة. (41).


أما الأشاعرة فقد وقفوا من المجاز موقفا وسطا بين الظاهرية الذين زعموا أن اللغة حقيقة كلها، وأنكروا وجود المجاز في القرآن واللغة عموما، ووقفوا بشدة ضد أي فهم للنص يتجاوز ظاهره اللغوي، كما لم يبالغوا في استخدام المجاز لتأويل النصوص كما فعلت المعتزلة. فهم لا ينكرون وجود المجاز في اللغة والقرآن، ولكنهم اعتبروه من التعابير القليلة والنادرة فيهما، أما الأصل في الكلام فعلى الحقيقة (42). وقد وقف الأشاعرة هذا الموقف من المجاز انطلاقا من موقفهم من أصل اللغة، فاللغة وحي من الله، علمها آدم وانتقلت إلى بنيه من بعده، فالله تعالى هو واضع ومحدد دلالاتها، ولا يصح في حق الله تعالى أن يعلم آدم الدلالة التي تسمى (مجازا) دون الدلالة التي تسمى (حقيقة) باعتبار كون الحقيقة أصل، والمجاز عارض.


ولعل من أهم الأسباب التي جعلت المعتزلة تنتصر لمبدأ المجاز وتدافع عنه، ما وجدوه في القرآن من آيات يوحي ظاهرها بالتجسيم والتشبيه. فكان المجاز وسيلتهم لتأويل هذه الآيات، وصرفها عن معناها الظاهري إلى معنى آخر يتفق مع أصولهم الفكرية، ويحقق التنزيه المطلق للذات الإلهية، فأولوا اليد بمعنى النعمة أو القوة، والعين بمعنى العلم، والوجه بمعنى الذات أو النفس، والاستواء بمعنى الاستيلاء والغلبة واليمين بمعنى القدرة(48)، وبذلك يصبح التأويل ضرورة لابد منها، حتى لا تتسرب فكرة التجسيم إلى عقيدة التوحيد بمفهومها الاعتزالي.


ولا يختلف الأشاعرة عن المعتزلة في تنزيههم لله تعالى ونفي التجسيم عنه، لكنهم لم ينفوا عنه ما وصف به نفسه من الصفات، بل أثبتوها له من غير تشبيه أو تعطيل، وتجنبوا البحث في كنهها أو تأويلها (55).
ورغم وقوف الأشاعرة عند ظاهر النص، خاصة عند تأويلهم للآيات التي تتعلق بذات الله وصفاته، فإن ذلك لم يمنعهم من الخوض في باب التأويل، وصرف النص عن حقيقته نحو المجاز، لإبانة مفاسد تأويلات المعتزلة، وتفنيد حجج المشبهة والمجسمة وإقامة «الأدلة على استحالة المتشابه والجسمية في حق البارئ تعالى»(56).
لا خلاف إذن بين المعتزلة والأشاعرة في الأخذ بالتأويل واعتباره وسيلة لحمل المتشابه من القرآن على الوجه الذي يطابق المحكم، لكنهم اختلفوا في معنى المحكم والمتشابه، وما هي الآيات المحكمات وما هي الآيات المتشابهات، فما يعتبر من الآيات محكما عند هؤلاء، يعتبر متشابها عند أولئك، بل ربما اعتبر الجدل في تأويل المحكم والمتشابه.
وقد جعل الله تعالى الآيات المحكمات هن أم الكتاب، لإحكام عباراتها وخلوصها من الاحتمال في المعنى والاشتباه، فهي الأصل التي تعتمد في فهم مراد الله من الأمر والنهي والحلال والحرام، وإليها ترد الآيات المتشابهات. وأما المتشابه، فقد فهم على أنه الغامض المشكل الذي يحتاج إلى تأويل لمشابهته بغيره إما من حيث اللفظ وإما من حيث المعنى، ولا يستقل بنفسه إلا برده إلى المحكم. وبذلك يكون للمحكم مزية على المتشابه لأنه «مما لا يحتمل إلا الوجه الواحد من حمل الأدلة وليس كذلك المتشابه، لأن المراد به يشتبه على العالم باللغة، ويحتاج إلى قرينة محددة في معرفة المراد به، إما بأن يحمل على المحكم، أو بأن يدل عليه كلام الرسول rإلى ما يجري مجراه» (66).


وقد وجد المعتزلة والأشاعرة في (المحكم والمتشابه) منفذا لتأييد أصولهم ومبادئهم، فاعتبرت كل فرقة ما يدعم آراءها من الآيات محكما، وما يعارضها ويدعم وجهة نظر الخصم متشابها يجب تأويله. وكمثال لهذا الخلاف بين الفرقتين في تأويلهم للآية الواحدة قوله تعالى )وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة( (68) فقد عدت المعتزلة هذه الآية من الآيات المتشابهات التي يجب ردها إلى المحكم. أما الأشاعرة فقد اعتبروها من الآيات المحكمات التي لا يجوز تأويلها، وترتبط هذه الآية بقضية هامة أثارت كثيرا من الجدل والنقاش بين الفرقتين، وهي قضية الرؤية وجوازها على الله أو عدم جوازها. فالمعتزلة الذين نفوا وجود صفات قديمة لله تعالى لما يقتضيه إثباتها من تعدد القدماء ومن تشبيه وتجسيم، يرون أن إثبات الرؤية يستلزم التحيز في المكان والجهة، وهذا يستحيل في حقه تعالى، لذلك نفوا أن يكون الله تعالى مرئيا لعباده بأي صورة من الصور في الدنيا والآخرة، واستشهدوا على صحة رأيهم بقوله تعالى )لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار( (69).


وإذا كانت هذه الآية تؤيد موقف المعتزلة في نفيهم رؤية الله تعالى، فإن الآية السابقة، )وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة( (70) تعارض وجهة نظرهم في الرؤية وموقفهم من التوحيد عموما. فلم يكن أمام المعتزلة سبيل سوى حملها على المجاز وتأويلها بما يتفق مع عقيدتهم في التوحيد، فأولوا كلمة (ناظرة) بمعنى (الانتظار) وليس نظر (الرؤية)(71). غير أن أبا علي الجبائي -من المعتزلة- أول الآية بمعنى (منتظرة نعم ربها) حيث أول حرف الجر في الآية (إلى) ولم يعتبره حرفا جر، بل اسم معناه (نعم) فهو مشتق من ( الآلاء)(72).


أما الأشاعرة فيعتقدون بجواز رؤية الله تعالى يوم القيامة حسب وعده تعالى للمؤمنين بقوله )وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة( (73)، ولا يرون في إثبات الرؤية لله تعالى تشبيه أو تجسيم، كما أن إثبات الصفات له تعالى، لا تستوجب التشبيه أو الشريك في الألوهية، فكل «ما وصف به خالق السماوات والأرض من هذه الصفات أنه حق لائق بكماله وجلاله، لا يجوز أن ينفى خوفا من التشبيه بالخلق، وأن ما وصف به الخلق من هذه الصفات حق مناسب لحالهم وفنائهم وعجزهم وافتقارهم» (74).
وقد اعترض الأشاعرة على موقف المعتزلة من الرؤية وتأويلهم للآيات التي تنص عليها، وقد رفض المعتزلة أدلة الأشاعرة على جواز رؤية الله تعالى، فليس صحيحا ما ذهبوا إليه من أن الوجه آلة للنظر، وأن النظر إذا قرن بالوجه لا يحتمل إلا الرؤية، فالنظر بالوجه مجاز وليس حقيقة، لأن الوجه لا ينظر في الحقيقة ولا ينظر به، لأنه ليس بآلة للنظر (81).
إن ما يهمنا في هذا الخلاف ليس من أصاب ومن أخطأ من الفريقين في تأويل الآية، بقدر ما يهمنا الوقوف على مدى التزام كل فرقة بما تقرر من مبادئ وأصول في المذهب المعتزلي والأشعري، ومن ثم نستطيع أن نحدد الفرق بين منهج المعتزلة والأشاعرة في التأويل. فالمعتزلة قدموا العقل بين يدي الشرع، لرفع التناقض بين المحكم الذي هو قوله تعالى )لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار( (82)، وبين المتشابه الذي هو قوله تعالى )وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة( (83)، وجعلوا العقل هو الأصل في التأويل، فالرؤية تستحيل في حق الله تعالى لما تستلزمه من تحيز في مكان وجهة، لذلك وجب تأويل الآية التي يوحي ظاهرها بالرؤية، وصرفها عن معناها الظاهري وردها إلى المحكم. يقول القاضي عبد الجبار"المتشابه يحتاج عند سماعه إلى فكر مبتدإ، ونظر مجدد، ليحمله على الوجه الذي يطابق المحكم أو دليل العقل...وأقوى ما يعلم به الفرق بين المحكم والمتشابه أدلة العقول"(84).


أما الأشاعرة فقد قدموا الشرع على العقل، ولم يجدوا أي تناقض بين إثبات الصفات لله تعالى، أو إثبات الرؤية وتنزيهه عن الشبيه. وإذا كان التأويل يخضع لأدلة العقل وينقاد له عند المعتزلة، فإن التأويل الصحيح عند الأشاعرة هو«الذي لا يجافي منطق اللغة ولا ينأى عن دلالاتها. والتأويل المستكره هو الذي يلوي فيه المؤول النص حتى يوافق هواه ويسير مع رغباته» (85).


وتعتبر اللغة الأداة الثانية التي اعتمدها المعتزلة في التأويل لخدمة أصولهم المذهبية، إذ اعتبروها أنجع أداة لتأويل آيات القرآن وإبعاد كل ما يوهم التناقض والاختلاف في القرآن، أو يوهم التشبيه الذي يعارض مبادئ المعتزلة في التوحيد، وهذا ناتج عن موقفهم من أصل اللغة، ومن ثنائية الحقيقة والمجاز، فأكثر اللغة جار على المجاز، وقلما يخرج الشيء منها على الحقيقة، وكذلك لغة القرآن، لأنه نزل بلسان العرب وعلى سننها في القول والتعبير. أما الأشاعرة فنادرا ما يلجأون إلى التوسع والمجاز، لأن الأصل في اللغة على الحقيقة، لذلك رفض ابن فارس صرف الكلام عن حقيقته بغير حجة لخدمة المذهب أو لنصرة الرأي. (86).


ولعلنا في ختام هذا المبحث نستطيع أن نقول، إن موقف كل من المعتزلة والأشاعرة من ثنائية (الحقيقة والمجاز)، ليس سوى انعكاس لخلاف جوهري مذهبي في تأويل القرآن بين طائفتين «تحب إحداهما أن تكتفي من النص بالحقيقة، أي بالمعاني الأوائل على ظاهرها، وتحب الثانية على العكس، أن ترى في النص مستويين حقيقيا ومجازيا ظاهرا وباطنا، لا تقنع من التركيب بمعانيه الأوائل، إذ المعنى الحقيقي من الآية كامن في المعاني الرمزية المجازية»(87).