آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


-
نشأة اللغة
تعتبر قضية أصل اللغة ونشأتها، من القضايا الشائكة التي استأثرت باهتمام المعتزلة والأشاعرة، بسبب ما يثار حول هذه النشأة من تساؤلات جوهرية تتمثل في متى نشأت؟ وكيف نشأت؟ وهل هي إلهام من الله، أم أنها اصطلاح واتفاق؟ وقد حاولت كل فرقة أن تعالج هذه القضية انطلاقا من أصول مذهبها الكلامي. (2).
إن موقف المعتزلة من الصفات ومن خلق القرآن وحدوثه كان من شأنه التأثير على موقفهم من أصل اللغة، فقالوا باصطلاحيتها ومواضعتها. ومعنى هذا الكلام أن اللغة وضعت من قبل الإنسان وذلك «بأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا، يحتاجون إلى الإبانة عن الأشياء والمعلومات، فيضعون لكل اسم لفظا إذا ذكر عرف به»(3). ونظرا لما يفضي إليه هذا القول من نفي للتنزيه عن الله تعالى، فقد حاول المعتزلة تنزيه الله تعالى عن الشبيه والمثيل، ورأوا أن إثبات الصفات لله تعالى يتنافى مع وحدانيته، فنفوا أن يكون لله صفات قديمة زائدة على الذات، ونفوا أن يكون الكلام صفة ذاتية قديمة قدم ذاته، كالعلم والقدرة والإرادة، وإنما هو صفة من صفات الفعل، وصفة الفعل لا يمكن أن يوصف الله بها فيما لم يزل، لأنها تتعلق بوجود المخاطب الذي يتوجه إليه الكلام.
فالله متكلم لا بكلام قديم، بل بكلام محدث يحدثه وقت الحاجة إلى الكلام، إذ لو كان متكلما منذ الأزل، لكان كلامه عبثا، لأنه يتكلم دون وجود مخاطب، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ولا يجوز في حقه تعالى أن يكون هو البادئ بالمواضعة لأن «المواضعة لابد معها من إيماء وإشارة بالجارحة، نحو المومإ إليه والمشار نحوه، والقديم لا جارحة له، فيصح الإيماء والإشارة بها منه، فبطل عندهم أن تصح المواضعة على اللغة منه»(4). وهكذا ينتهي المعتزلة إلى القول بأن كلام الله محدث مخلوق، وحتى يكون كلامه تعالى مفيدا لمن يخاطبهم، لابد أن تسبقه مواضعة على اللغات بين البشر، حتى يصح أن يخاطبهم بما يفهمون وبما تواضعوا عليه، والله تعالى يقول: )وما أَرسَلْنَا مِنْ رِسُولُ إلاَّ بِلِسَانِ قَومِهِ( (5)، وهذا دليل على تقدم اللغة على البعثة، فثبت بذلك أن اللغة نتاج بشري خالص.
وقد رفض الأشاعرة القول باصطلاحية اللغة، وقالوا بتوقيفها تبعا لموقفهم من كلام الله تعالى. فالكلام صفة قائمة بذاته تعالى، كعلمه وقدرته وحياته، وليس من صفة الأفعال كما ذهب إلى ذلك المعتزلة. وينقسم إلى قسمين: كلام نفسي قديم، وهو الذي يطلق على كلام الله حقيقة، وكلام لفظي حادث، يدل على الكلام النفسي القديم «تارة بالصوت والحروف نطقا، وتارة بجمع الحروف بعضها إلى بعض كتابة، دون الصوت ووجوده، وتارة إشارة ورمزا دون الحروف والأصوات ووجودهما» (6).
وإذا كان الكلام قديما قدم الذات، وكان الله متكلما منذ الأزل، فإن الله تعالى هو الذي علم الإنسان اللغة، وعلمه التعبير على المعاني بتلك الألفاظ، يقول أحمد بن فارس: «إن لغة العرب توقيف، ودليل ذلك قوله تعالى )وعلَّمَ آَدَمَ الأَسمَاءَ كُلَّها( (7) فكان ابن عباس يقول: علمه الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس، من دابة وأرض وسهل وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها...والذي نذهب إليه في ذلك ما ذكرناه عن ابن عباس» (8).
والمراد بالأسماء -حسب الأشاعرة- في الآية القرآنية الكريمة هي اللغة، وهي هذه الألفاظ التي يتكلم بها الإنسان، من أرض وسماء وسهل وجبل ورجل وامرأة... الخ، علمها الله آدم ثم قام آدم بتعليم أبنائه تلك الأسماء وبجميع اللغات، وقد ذكر ابن جني عن أصحاب التوقيف هذا الرأي فقال «إن الله سبحانه علم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات، العربية والفارسية والسريانية والعبرانية والرومية وغير ذلك من سائر اللغات، فكان آدم وولده يتكلمون بها، ثم إن ولده تفرقوا في الدنيا، وعلق كل منهم بلغة من اللغات، فغلبت عليه واضمحل عنه ما سواها لبعد عهدهم بها» (9). فمصدر المواطأة اللغوية في المواضعة الأولى هو الله تعالى، ولا مانع بعد ذلك من أن يتواضع البشر على لغات أخرى (10)، وذلك خلافا لما ذهبت إليه المعتزلة من أن كلام الله يجب أن يكون مسبوقا بالمواضعة اللغوية التي لا يصح بدونها وقوع كلام الله دلالة.
ولعل من أهم نتائج القول باصطلاحية اللغة أو توقيفها، الحديث عن العلاقة بين الدال والمدلول في اللغة، أو العلاقة بين الاسم والمسمى. فقد اختلف العلماء في كيفية دلالة الألفاظ على معانيها، ونوع العلاقة الممكنة بينهما «فالألفاظ إما أن تدل على المعاني بذواتها، أو بوضع الله إياها أو بوضع الناس، أو يكون الوضع بوضع الله، والباقي بوضع الناس» (11).
ولا يمكن فهم هذه العلاقة بين الدال ومدلوله عند المعتزلة والأشاعرة، إلا في ضوء عقيدتهم في الصفات، وقدم القرآن وحدوثه، ومذهبهم في أصل اللغة. أما المعتزلة فيذهبون إلى التفرقة بين الاسم والمسمى، وذلك لما يقتضيه مذهبهم وعقيدتهم في الكلام وفي نشأة اللغة، فإذا كان الكلام هو «ما حصل في نظام مخصوص، من هذه الحروف المعقولة، حصل في حرفين أو حروف، فما اختص بذلك وجب كونه كلاما، وما فارقه لم يجب كونه كلاما» (12). فالكلام إذن حادث مخلوق، وهو كصفة حادثة غير ذات الله المتصفة بالقدم، فالصفة إذن هي غير الموصوف، والاسم هو غير المسمى. (13).
ولما كان أصل اللغة هو التواضع والاصطلاح، فإن دلالات الألفاظ على مدلولاتها أيضا حادثة من وضع الناس، وليست ذاتية حقيقية، لأنها تتغير باختلاف الأمكنة والأزمنة، والذاتيات لا تكون كذلك (14). فاللغة إذن ظاهرة اجتماعية يصنعها الإنسان، وهي قابلة للتطور والتغير تبعا لتطور المدلولات والظروف والمتعاملين بها. فليس هناك علاقة مسبقة في الأزل بين الاسم والمسمى، بل الواضع هو الذي أشار بالاسم لمسماه، وهذه الإشارة قابلة للتغير والتطور. (15).
أما الأشاعرة الذين أثبتوا لله صفات قديمة زائدة على ذاته، وأثبتوا له كلاما نفسيا قديما، فقد ذهبوا إلى أن الاسم والمسمى شيء واحد، وأن الاسم هو المسمى (16). فمعرفة الأسماء إنما هي معرفة بحقائق المسميات، والألفاظ والأسماء لم توضع لتعرف بها المعاني والمسميات، فهي معروفة موجودة في أذهان الناس قبل وضع الألفاظ والأسماء (17). وهذا التصور لعلاقة الاسم بالمسمى، ينسجم مع تصورهم لأصل اللغة، فاللغة هبة إلهية علمها الله لآدم، ولا يملك الإنسان صنعها أو تغييرها، بل عليه أن يتقبلها ألفاظا وضعت لما وضعت له من جانب الله تعالى. (18).
وهكذا نلاحظ أن كلا من المعتزلة والأشاعرة قد عالجوا قضية نشأة اللغة، وما تفرع عنها من قضايا لغوية، كعلاقة الاسم بالمسمى، من خلال تصوراتهم للذات الإلهية، وصفاتها وأزليتها، فتوصلت كل فرقة في ضوء معتقداتها ومبادئها إلى تصور خاص لمفهوم اللغة وأصلها، وفي ضوء هذا التصور للغة تبلورت آراؤهم في المجاز والتأويل.
تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين
-
اللفظ والمعنى
تعتبر قضية اللفظ والمعنى من القضايا الكبرى التي اشتد جدل العلماء حولها، وانقسموا حولها إلى طوائف متعددة، فمنهم من أرجع مقومات العمل الأدبي إلى اللفظ وجعله هدفا يسعى إليه، ومنهم من أرجع هذه المقومات إلى المعاني وجعلها غاية يسعى إليها في كل تعبير لغوي، ومنهم من ساوى بين اللفظ والمعنى وجعلهما معا مقياسا لكل بلاغة، وميزانا لكل قيمة فنية، ومنهم من نظر إلى الألفاظ من جهة دلالتها على معانيها في نظم الكلام، وقالوا بالعلاقة القائمة بينهما، فلا وجود للمعنى إلا باللفظ. ولم تكن هذه القضية لتكتسب هذه الأهمية لولا اتصالها بقضية الإعجاز القرآني، الذي كان الشغل الشاغل لجميع العلماء، فقد اتصل بها الفقهاء والأصوليون والنقاد والأدباء والمتكلمون، محاولين تحديد دور كل من اللفظ والمعنى في إعطاء النص القرآني أو الأدبي قيمته الفنية، ومن ثم تحديد دور كل منهما في السيادة والأولوية.
وقد انقسم العلماء في بحثهم لموضوع الإعجاز في علاقته بقضية اللفظ والمعنى إلى فريقين:
فريق يقول بأن إعجاز القرآن راجع إلى جمال ألفاظه، وحسن صياغتها وسبكها وكل ما له صلة بالأصوات والصورة السمعية للكلام، وأن القرآن إنما أعجز العرب لأنه استخدم ألفاظا عربية يعرفها عامة العرب وفصحاءهم استخداما لا يقدرون عليه، فعجزوا عن مجارات أسلوبه وعجيب تأليفه. أما المعاني فهي شائعة تدور على ألسنة الناس.
وفريق آخر يرى إعجازه في معانيه وأفكاره، وفي ترتيب ألفاظه بطريقة مخصوصة، وتركيبها بما يتناسب وحال الخطاب وموضوعه. فالمعاني هي الأصل، والقرآن لم يعجز العرب بألفاظه وصياغتها ولا بفواصله وتوان فقراته، إذ كانوا قادرين على نظم الأشعار والقوافي، ولكنه أعجزهم بروعة معانيه وعباراته.
ولم تكن فرقتا المعتزلة والأشاعرة بمعزل عن هذا الصراع الذي شهدته الساحة الثقافية العربية الإسلامية حول هذه القضية، بل كانت من بين المسائل التي أثارت نقاشا وخلافا كبيرا بين الفرقتين. وقد كان اختلافهم حول هذه القضية نابع من خلافهم المذهبي والفكري، فكل فرقة تفسر إعجاز القرآن انطلاقا من أصولها المذهبية والفكرية ومن عقيدتها في كلام الله تعالى وصفاته. وقد مر أن المعتزلة في تأييدهم لوحدانية الله تعالى وتنزيهه عن الشبيه، نفوا عنه صفاته التي وصف بها نفسه، واعتبروا الكلام صفة من صفات الفعل، وقالوا بأنه محدث مخلوق، واعتمدوا مبدأ قياس الغائب على الشاهد في تعريفهم لكلامه تعالى فهو «من جنس الكلام المعقول في الشاهد وهو حروف منظومة وأصوات مقطعة» (88)، وهو تعريف يربط الكلام بالدلالة الصوتية، ويقصره عليها وينظر إلى القرآن بوصفه أداء تلفظيا، وليس عملية مركبة تنتظم العديد من العمليات الأخرى بما فيها الأداء اللفظي، لأن ذلك يقتضي «إدخال المعنى في حد الكلام، وهو ما قد يؤدي إلى الالتقاء مع خصوم المعتزلة من الأشاعرة، الذين يعتمد برهانهم حول قدم القرآن على كون الكلام معنى نفسيا» (89).
انطلاقا من هذا التصور للكلام، ذهب المعتزلة إلى تصور إعجاز القرآن كامنا في هذا الكلام المؤلف من الأصوات، وصرفوا عنايتهم إلى فصاحة الألفاظ وانسجامها وتلاؤمها، وإلى السجع والازدواج والتناسب والفواصل والبديع، وكل ما له صلة بخفة الكلام وسهولة جريانه على اللسان وحسن وقعه في السمع (90). أما المعاني فهي مطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي والبدوي والقروي، وإنما يتفاضل الناس في التعبير عنها (91). ويبدو من هذه المقولة أن الجاحظ قد التزم بمبادئ المعتزلة التزاما حتم عليه أن يعتبر المعاني شائعة بين الناس، ومتيسرة للجميع، وأن الامتياز والمفاضلة بينهم تتم عن طريق صياغة اللغة صياغة محبوكة بحيث لا يفلت من زمامها أي جزء من أجزاء هذا المعنى، لأن الشعر والأدب عموما «صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير» (92).
أما الكلام، في نظرية الأشاعرة، فهو صفة أزلية قديمة قائمة بذاته تعالى كعلمه وقدرته وحياته، فكان من الطبيعي أن يبتعد تعريفهم للكلام عن الأصوات التي هي أعراض لا يتصور وجودها في ذات البارئ تعالى (94). فالأشاعرة يعارضون تماما مفهوم المعتزلة للكلام، فالكلام الحقيقي هو الكلام القائم بالنفس، وبذلك يتم إخراج (الألفاظ) كلية من تحديدهم للكلام. ذلك أن إدخالها يفضي إلى أن «يكون حد الكلام متضمنا لإثبات حداثة القرآن بما هو كلام، ومن ثم فإن (الدوال) ما هي إلا دلالة على الكلام الحقيقي(المعنى النفسي) المستقل عن هذه (الدوال)، و(الدوال) في هذه الحالة لا تعدو كونها (أمارات) صوتية خطية تشير إلى ما هو غيرها وخارجها» (95).
إن عقيدة الأشاعرة في كلام الله، القائمة على الكلام النفسي، كانت توجه مواقفهم من قضية اللفظ والمعنى وتحدد مفهومهم للإعجاز، وبذلك وجهوا عنايتهم للمعاني بحكم سبقها وأصالتها، ولتراكيب آياته من تقديم وتأخير وحذف وذكر...الخ، أما الألفاظ فهي خادمة للمعاني وتابعة لها، وهي تتنزل في النطق بسبب ترتيب معانيها في النفس، لذلك كانت مزية النظم في معانيه دون ألفاظه فليس الغرض «بنظم الكلام أن توالت ألفاظها في النطق بل أن تناسقت دلالاتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل» (96).
وقد كان لموقف المعتزلة والأشاعرة من أصل اللغة وطبيعتها، أثر كبير في تحديد موقفهما من هذه القضية أيضا، فالأشاعرة الذين اعتبروا اللغة توقيفية من عند الله، علمها لآدم اعتبروا المعاني أسبق من الألفاظ في الوضع وفي نفس المتكلم، لأن الله تعالى لم يكن ليقول لهم )أنبئوني بأسماء هؤلاء وهم لا يعرفون المشار إليهم بهؤلاء( (98). أما الألفاظ فليست إلا مجرد علامات وسمات دالة على المعاني، ولا قيمة لها إلا بمقدار ما تحمله من هذه المعاني، ولو سلبت منها لأصبحت مجرد أصوات (99). وهكذا يتضح أن الأشاعرة قد صرفوا عنايتهم بصورة واضحة إلى إثبات الأسبقية للمعاني في الوجود على الأسماء والألفاظ، وأن الغرض من الوضع اللغوي هو إفادة التراكيب والعلاقات بين المفردات. أما الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة فلم توضع «لتعرف معانيها في أنفسها ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض، فيعرف فيما بينهما فوائد» (100)، ومن هنا كان إلحاح الأشاعرة في دراسة إعجاز القرآن على معانيه وتراكيبه، واستهانوا بقيمة الألفاظ، وبالبديع ومحسناته البلاغية.
أما المعتزلة الذين قالوا باصطلاحية اللغة، واعتبروها ظاهرة اجتماعية يصنعها الإنسان عن طريق الإشارة الحسية والإيماءة الجسدية (101)، فقد اعتبروا العلاقة بين الألفاظ ومعانيها علاقة وضعية اصطلاحية. ولما كانت الإيماءة والإشارة تستدعي الصوت الذي تقوم على أساسه المواضعة، فقد عرف ابن جني اللغة بأنها «أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم» (102)، وهو التعريف نفسه الذي يقدمه القاضي عبد الجبار للكلام فيقول «ونذكر حقيقة الكلام وأنه الحروف المنظومة والأصوات المقطعة» (103)، وإذا كان الصوت هو الشرط الذي تقوم على أساسه المواضعة، وكانت الأصوات من صفات الألفاظ، فقد وجه المعتزلة عنايتهم للألفاظ ونوهوا بالصورة السمعية للكلام، وآمنوا بأن أسرار إعجاز القرآن كامن في هذا النظم المركب من الحروف والأصوات، وجعلوا من «الصياغة اللفظية، المادة التي يقع عليها عمل الناظم، وتظهر فيها مهارته وبراعته» (104). أما المعاني فهي قائمة في صدور الناس جميعا -أو كما قال الجاحظ فهي مطروحة في الطريق- تجول في أذهانهم وتنتهي لعامتهم وخاصتهم بالتلقائية المباشرة، عكس الألفاظ التي يحتاج الأديب إلى قدرة خاصة تمكنه من استغلالها واستعمالها.
وقد بحث كل فريق من الفريقين عن مظاهر الجودة في العنصر الذي قرن به المزية والأسبقية، فأخذت المعتزلة تبحث في الأساليب وصياغتها، والألفاظ ورقتها وعذوبتها وخفتها وسهولتها، وأخذ الأشاعرة يبحثون في المعاني ومدى التفاوت بينها.
ويعتبر الجاحظ في طليعة من اهتموا باللفظ، فقد وضع معايير للفظ المفرد، من تخيير وسهولة مخرج، وكثرة ماء، ولطافة مأخذ، وصحة طبع، وجودة سبكن وبعد عن التنافر. ومن أقواله التي تظهر عنايته بالألفاظ قوله «ومتى كان اللفظ كريما في نفسه متخيرا من جنسه، وكان سليما من الفضول بريئا من التعقيد حبب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول، وهشت إليه الأسماع، وارتاحت له القلوب، وخف على ألسن الرواة، وشاع في الآفاق ذكره، وعظم في الناس خطره» (105).
وقد أنكر عبد القاهر الجرجاني تلك المميزات في فصاحة المفرد لإيمانه بأن فصاحة اللفظ عائدة إلى المعنى، وأن هذه الفصاحة لا تظهر إلا بضم الكلام بعضه إلى بعض في جملة من القول، أو نص من النصوص، لأنه اتضح اتضاحا «لا يدع للشك مجالا، أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها وما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ» (106). ومما يدخل في جماليات الألفاظ وصياغتها وحسن تأليفها ونظمها، التلاؤم اللفظي والصوتي، الذي جعله المعتزلة مقياسا فنيا لكل عمل أدبي، بل لقد عده الرماني المعتزلي أحد أقسام البلاغة العشرة التي تعتبر دليلا على إعجاز القرآن، وفائدة التلاؤم في نظره تظهر في «حسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة وطريق الدلالة» (107). وقد رفض عبد القاهر بشدة، أن يكون للتلاؤم الصوتي قيمة فنية ترقى به إلى أن يكون وجها من وجوه إعجاز القرآن فيقول «وإن تعسف صاحب تلاؤم الحروف وذهب إلى أنه الأصل في الإعجاز، كان الرد أن يقال له، يلزمك على قياس قولك، أن تجوز أن يكون هاهنا نظم للألفاظ وترتيب، لا على نسق المعاني، ولا على وجه يقصد به الفائدة، ثم يكون مع ذلك معجزا، وكفى به فسادا. فإن قال قائل إني لا أجعل تلاؤم الحروف معجزا حتى يكون اللفظ مع ذلك دالا، وذاك أنه إنما تصعب مراعاة التعادل بين الحروف، إذا احتيج مع ذلك إلى مراعاة المعاني... قيل له فأنت الآن إن عقلت ما تقول، قد خرجت من مسألتك، وتركت أن يستحق اللفظ المزية من حيث هو لفظ، وجئت تطلب فيما بين المعاني طريقا، وتضع له علة غير ما يعرفه الناس، وتدعي أن ترتيب المعاني سهل، وأن تفاضل الناس في ذلك إلى حد، وأن الفضيلة تزداد وتقوى إذا توخي في حروف الألفاظ التعادل والتلاؤم وهذا منك وهم» (108).
وقد اهتم المعتزلة بالمحسنات البديعية والبلاغية اهتماما كبيرا، جاعلين منها دليلا على إعجاز القرآن، فهذا الرماني المعتزلي مثلا يحصر أقسام البلاغة التي تعد أحد أهم وجوه إعجاز القرآن، في الأقسام التالية: الإيجاز والتشبيه والاستعارة والتلاؤم والفواصل والتجانس والتصريف والتضمين والمبالغة وحسن البيان(109)، مستشهدا بما جاء في القرآن من هذه الأقسام العشرة على جهة البلاغة والإعجاز، وهو الأمر الذي أنكره عليهم الأشاعرة، الذين رفضوا اعتبار فنون البديع ومحسناته اللفظية دليلا على الإعجاز، وقللوا من أهميتها وقيمتها، «لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها، أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها، وذلك كالشعر الذي إذا عرف الإنسان طريقه صح منه التعمل له، وأمكنه نظمه، والوجوه التي نقول إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها فليس مما يقدر البشر على التصنع له، والتوصل إليه بحال» (110).
وفي ختام هذا البحث نستطيع أن نقول، إن الدوافع المذهبية والتوجهات العقائدية كانت وراء ذلك الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة حول قضية اللفظ والمعنى، وانتصار كل فرقة لطرف دون آخر، لا يعني أن المعتزلة قد أنكروا قيمة المعاني، أو أن الأشاعرة قد أنكروا قيمة الألفاظ، فعبد القاهر الجرجاني لا يمانع أن تكون مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان، داخلا فيما يوجب الفضيلة، وأن تكون مما يؤكد أمر الإعجاز فيقول «واعلم أنا لا نأبى أن تكون مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان، داخلا فيما يوجب الفضيلة وأن تكون مما يؤكد الإعجاز، وإنما الذي ننكره ونفيل (111) رأي من يذهب إليه أن يجعله معجزا به وحده ويجعله الأصل والعمدة » (112). وفي المقابل فإن المعتزلة رغم عنايتهم بالتلاؤم الصوتي وجمال التعبير، لم يغفلوا قيمة المعاني، وكانوا يرون بلوغ الغاية في اجتماع الألفاظ المتميزة والمعاني المنتخبة. ومهما يكن من أمر، فإن هذا الخلاف كان له أثر إيجابي على الثقافة العربية الإسلامية، حيث بذلت الجهود الوفيرة لدراسة الألفاظ والمعاني، فبحث الباحثون فيما يكون للفظ وفيما يكون للمعنى، وما ينبغي أن يتوافر لكل من العنصرين من أسباب الجودة ومظاهر الإتقان.
ولعل النتيجة الأساس التي استخلصناها من ثنايا هذه المتابعة لقضايا اللغة والعقيدة، تكمن أولا في لفت النظر إلى هذا المعين الذي لا ينضب وهو القرآن الكريم، الذي استمدت منه الثقافة العربية الإسلامية قديما وحديثا، أصول تفكيرها، فتوجهت به الدراسات اللغوية والأصولية والكلامية والبلاغية والفقهية...وتأسست عليه الحضارة الإسلامية، التي تمتد جذورها إلى ما شاء الله من الزمان. فكان حقا معجزة هذه الأمة، التي قامت مقام المعجزات الحسية والمادية التي سبقت، كعصا موسى، ونار إبراهيم، وناقة صالح، وغيرها من المعجزات.
فهذه المعجزات وإن كانت خارقة للعادة، خارجة عن مقدور العباد، إلا أنها لم تستطع أن تنشئ ثقافة وحضارة كالتي أنشأها القرآن، بل انقرضت بانقراض المشاهد لها، وهذا ما جعل بعضهم يصف الحضارة العربية الإسلامية بأنها (حضارة النص)، بمعنى أنها حضارة انبنت أسسها، وقامت علومها وثقافتها على أساس لا يمكن تجاهل مركز النص فيه.
وقد أولع العلماء بالقرآن الكريم بحثا ودرسا، فعنوا بتدوينه وجمعه وترتيبه وترتيله وشرح غريبه ودراسة تراكيبه وأساليبه...ولكن أكثر هذه المباحث خطرا، وأجلها قدرا، تلك التي اهتمت بالبحث في خصائصه ومزاياه التي كان بها وحيا معجزا. فقد ألفت في إعجازه كتب مستقلة تمثلت في تلك المصنفات الكلامية والبلاغية واللغوية. فقضية الإعجاز هي أهم قضية شغلت المسلمين بعد توسع رقعة الدولة الإسلامية وظهور بعض الآراء الفاسدة المشككة في كتاب الله ودينه، وقد ربط هؤلاء العلماء ما بين قضية الإعجاز واللفظ والمعنى، لكشف أسرار القرآن الكريم وإبراز سر الإعجاز اللغوي فيه.
وإذا كان معظم هؤلاء العلماء يتوزعون بين أشهر مذهبين كلاميين عرفهما التاريخ الإسلامي وهما: المذهب المعتزلي والمذهب الأشعري، فقد تأثرت قضية الإعجاز بخلافات المعتزلة والأشاعرة الكلامية، فجاءت أبحاث هؤلاء العلماء ومؤلفاتهم حول الإعجاز تدافع عن عقائد الفرقتين، مفندة لحجج الخصوم، فكل فرقة تلتمس إعجاز هذا الكتاب في الجانب الذي يخدم مذهبها ومبادئها الكلامية.
ورغم هذه الخلافات المذهبية، فإن هذا الخلاف عموما يبقى ثانويا، أمام الهدف الأسمى الذي تجند له هؤلاء العلماء، وهو تثبيت أسس العقيدة الإسلامية القائمة على الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومحاجة الملحدين والمشككين الذين جهلوا طبيعة هذه المعجزة القرآنية القائمة على أساس البيان العربي
تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة المهندس زهدي جمال الدين محمد في المنتدى اللغة العربية وأبحاثها
مشاركات: 10
آخر مشاركة: 21-02-2013, 11:45 PM
-
بواسطة one1_or_three3 في المنتدى פורום עברי
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 06-10-2012, 05:08 PM
-
بواسطة مريم في المنتدى قسم الأطفال
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 08-07-2010, 11:13 PM
-
بواسطة فريد عبد العليم في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 24-04-2010, 02:00 AM
-
بواسطة احمد التل في المنتدى العقيدة والتوحيد
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 27-11-2009, 08:57 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات