أبرز الأدلة التي استخلصت منها قواعد فقهية في السورة:
- { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} : فهذا دليل على أن الأصل في العقود اللزوم؛ لأن المقصود منها أَحْكَامُهَا لَا ذَوَاتُهَا [22].
- {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} : فهذا أصل القواعد المتعلقة بفعل الطاعات وصنع المعروف والإحسان إلى الخلق وكف الأذى عنهم.
- {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ} : فهذا أصل الأحكام والقواعد المتعلقة بالاضطرار، كقاعدة "الضرورات تبيح المحظورات".
- {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} : وتنبني عليها أحكام وقواعد الإباحة الأصلية حتى يرد الشرع بالحظر.
- {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} : وهذا أصل لقاعدة تقديم النادر على الغالب أحيانا، يقول الإمام القرافي: "إن مما قدم فيه النادر ما يصنعه أهل الكتاب من الأطعمة في أوانيهم وبأيديهم. الغالب نجاسته؛ لعدم تحرزهم عن النجاسات؛ ولمباشرتهم الخمور والخنازير ولحوم الميتات، والنادر طهارته، ومع ذلك أثبت الشرع حكم النادر وألغى حكم الغالب وجوّز أكله؛ توسعة على العباد" [23]
قصة وهدف:
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ" [24]
هذا الحديث يشكل حقولاً من الأهداف التربوية الرفيعة، غير أنه تجدر الإشارة إلى التنويه ببعض أهم تلك الأهداف؛ ألا وهو رفق النبي صلى الله عليه وسلم بنسائه، فهذا الرسول العظيم يوقف ذلك الجيش العظيم في مهمه على غير ماء حتى تبحث عائشة عن عِقْد لها فقدته، إنه ليس قائد جيش فقط، إنه إمام الأمة ومربيها يوقِف الجيشَ رفقًا بزوجته، فتنزل آية التيمم ويكون ذلك الرفق وهذا الحبس للجيش سبب رحمة للأمة وتخفيفا عنها جميعًا.
وقد تضمنت القصة ضمن الباقة العطرة أدباً رفيعاً في ما يجب أن يكون عليه المسلم من توقير النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته وتعظيمه، ولقد كان الصديق رضي الله عنه في شدة حرصه على التأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم مثالاً يحتذى، كما كانت عائشة -رضي الله- عنها في عمق إجلالها له صلى الله عليه وسلم أسوة تتبع، ولقد بلغ تكامل تطابق أبي بكر وابنته رضي الله عنهما في الحرص أن لا يضايق النبي صلى الله عليه وسلم شيء المنزلة التي لا تضاهى، فأبو بكر لا يريد من عائشة أن تؤخر مسير النبي صلى الله عليه وسلم فيضايقه ذلك، وعائشة تضرب ولا تريد أن تتحرك حتى لا ينزعج النبي صلى الله عليه وسلم، إنها القدوة والأدب الجم والمحبة الخالصة.
الخاتمة :
سورة المائدة هي آخر سورة نزلت متكاملة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام حجة الوداع. فهي سورة محكمة، لم ينسخها بعدها قرآن. وهي أول سورة في المصحف استهلت بـ {يا أيها الذين آمنوا} ، وقد تكرر ذلك النداء في طياتها ستة عشر مرة من أصل ثمانية وثمانين في القرآن كله, اشتملت السورة الكريمة على كم هائل من الأحكام طالت مختلف أوجه التشريع، فتناولت الوفاء بالعقود ومنع الاعتداء والأمر بالتعاون على الخير وتعظيم شعائر الله تعالى، وبيان الأطعمة المحرمة وإكمال الدين وبيان حال وأحكام الضرورة، والمطعومات الحلال، والذبائح، والصيد، والإحرام، ونكاح الكتابيات، وأحكام الطهارة، والديات والقصاص، وحكم من ترك العمل بشريعة الله تعالى، وأصل جاهلية الحكم والردة، وحدي السرقة والحرابة، وقضايا البغي والإفساد في الأرض، وأحكام الميسر والخمر، وكفارات الأيمان، وقتل الصيد في الإحرام، والوصية عند الموت، وتفنيد أمور الجاهلية كالبحيرة والسائبة. هكذا عرضت هذه الأحكام بذلك الأسلوب البياني السلس، الذي تستمع إليه القلوب فيتغلغل داخل أعماقها فتجيش به النفوس وتتداعى إليه الأفئدة، فيباشر شغافها،تلك هي بلاغة القرآن العظيم، وذلك هو تأثير الذكر الحكيم. في مستهلها كما في مختتمها وبين ثنايا أحكامها وقصصها شددت السورة على وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق وضرورة الالتزام بها. والسورة تسمى سورة العقود كما ذكرنا من قبل فلا غرابة إذا تضمنت أنواعا من الإلزام على رأس أحكام العقود، وذكرت في ذلك الإطار بما استمرأه بنو إسرائيل من نكث العهود ونقض المواثيق، وتحريف التوراة والإِنجيل، والكفر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم عرت الكثير من ضلالات النصارى وأباطيلهم التي تجذرت في عقائدهم الزائفة، حيث نسبوا إِلى الله تعالى ما لا يليق به من الشريك والولد، وبعد تعرض السورة لجانب من تاريخ قصص بني إسرائيل مع أنبيائهم نثرت قصة ابني آدم إشارة إِلى الصراع العنيف بين قوتي الخير والشر، ممثلة في الذي كان من قتل قابيل لأخيه هابيل، تلك الجريمة النكراء التي حدثت لأول مرة على سطح الأرض، والتي كانت بدايتها حسدا ونهايتها إراقة الدم البريء الطاهر تجسيدا لأوار نار الحسد تلك، لقد عرضت القصة نموذجين للبشرية: تمثلا في نفس شريرة أثيمة حاسدة حاقدة، ونموذج لنفس خيّرة كريمة خاشعة مؤمنة. كما ذكرت السورة قصة "المائدة" التي كانت إحدى المعجزات العظيمة التي أيد الله تعالى بها رسوله عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وقد جاءت استجابة وابتلاء للحواريين.
وتحقيقا منها لتوحيد الله تعالى وإبطالا لعقيدة التثليث ذكرت السورة معتنقي النصرانية بذلك الموقف المخزي الذي سيقفونه يوم القيامة بين يدي الله تعالى، فتشيب لهوله رؤوسهم، وتتفطر لقوارعه أكبادهم حين يسأل الله تعالى عيسى بن مريم على رؤوس الأشهاد تبكيتاً لهم وقد عبدوه من دون الله {ءأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ}. في ذلك اليوم العظيم يحشر الناس إلى حساب دقيق يخرجون منه إما إلى سعادة أبدية في جنة عرضها السماوات والأرض، أو تعاسة أبدية في نار وقودها الناس والحجارة.
نسأل الله تعالى الحفظ من مكاره الدنيا والآخرة.