أهم هدايات السورة:
- رغم أن الهدف الرئيس للسورة يتمثل في إلزام المسلمين بالوفاء بالعهود {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} ، فقد ذكرهم الله تعالى فيها بما شرع لهم من الأحكام، التي من أعظمها بيان الحلال والحرام {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} ، بعد نعمته عليهم بالهداية إلى الإسلام {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ، ثم أعقب ذلك الامتنان بما كان له من الفضل والإنعام على أهل الكتاب، الذين نقضوا العهود وخانوا المواثيق {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} ، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض فنشأت بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، فكان لذلك دلالة قاطعة على ضرورة الاعتصام بالوحي والاهتداء بنور القرآن، تحصنا من ذلك الزيغ والاستمساك بشريعة الرحمن، لدفع إغواء الشيطان {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .
- لما ذكر تعالى استمراء بني إسرائيل للخيانة {وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاًٌ مِنْهُمْ} ، وما كان من عصيانهم لأوامر رسل الله {إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} ، وجبنهم عن قتال الجبارين {إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} ، أتبع ذلك بقصة ابني آدم، وإقدام "قابيل" على ارتكاب أول أبشع جريمة على سطح المعمورة، تلك هي إزهاقه للنفس البريئة التى حرمها الله، وقد احتذى به اليهود في فظاعته وشناعته، فاقتفوا أثره وكان لهم أسوة في العصيان، فتأصلت فيهم طبيعة الشر التي قلدوه فيها، فاشتبهت قلوبهم بقلبه، فكان هذا مدعاة لتشابه أخبارهم مع قصته من حيث التمرد والطغيان؛ ليبين تعالى من خلال ذلك أن سلامة المجتمعات تقتضي الإجهاز على أهل الشر ودعاة الفتنة وتجار السوء، ومن هذا القبيل أوجب إيقاع حد الحرابة على المحاربين، وحد القطع على السارقين؛ لاستئصال شأفة الخارقين لأمن المجتمع، المفسدين في الأرض الناشرين للرعب والبغي.
- لما ذكر تعالى ما كان من قتل قابيل لهابيل بغياً وحسداً {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ، ذكر بعده حنق المنافقين على الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم حقداً وحسداً، لكنه جلت عظمته عصم رسوله صلى الله عليه وسلم من شرورهم وحفظه من كيدهم {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ، وأمره ألا يحزن لعداوتهم، وبين له أنهم مخذولون بطبيعتهم وإن استفحلت عداوتهم للإسلام ونالت أذيتهم النبي صلى الله عليه وسلم فلم ولن يضروا بذلك إلا أنفسهم {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ....أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (الآية:41).
- بعد أن بين الله تعالى إعراض اليهود والنصارى عن التوراة واستمراءهم للكذب والدجل وأكل الحرام {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} ، بين أنهم أهل جحود وطغيان وردة عن الحق {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} ، ليبين للمؤمنين أن من هذه صفاته وتلك أخلاقه وسجاياه ليس جديرا بالموالاة والمؤاخاة، بل إنه حري بالمعاداة والبغض {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ، لقد ذهب هؤلاء بعيدا في جرمهم فتطاولوا على الذات العلية، ونعتوها بأبشع صفاتهم وخسيس مثالبهم فأخزاهم الله ولعنهم {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} ، فلا يواليهم إلا ظالم لنفسه قد أصاب قلبه ما أصاب قلوبهم أهل لأن يحيق به ما حاق بهم {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ, وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} .
- تعرضت الآيات السابقة للتحذير الصارخ والوعيد الشديد لمن أقام وشائج مودة أو علائق ولاء مع اليهود والنصارى، وعدت ذلك الولاء من أسباب الارتداد المفضي إلى الاستبدال بمن يتصفون بصفات الإيمان المقتضية لمجافاة الكافرين والغلظة عليهم ومالاة المؤمنين والرحمة بهم والمجاهدة لإعلاء كلمة الله تعالى وإعزاز دينه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} ، فقد استوجب من كفر بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم العداء والبغض، بما أقاموا عليه من حرب الإسلام والوقوف في وجه الدعوة إليه وتبليغه إلى الأنام، تلك الدعوة التي أمر بها كل منتم إلى الإسلام من خلال أمر المصطفى صلى الله عليه وسلم بها {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} ، ولقد وعد الله تعالى القائمين بها بالحفظ والتمكين من خلال وعده لرسوله الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم بالحماية والنصرة {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ، وصريح العبارة {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} .
- وتأكيدا لمبررات منابذة أهل الكتاب وخاصة اليهود طفقت السورة تذكر بتاريخهم المخزي مع الرسل {كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} ، ثم انتقل السياق إلى كشف عوار النصارى وفضح ما شاع بينهم من انحرافات وضلالات عقدية كتأليههم لعيسى عليه السلام {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} ، وكانت الردود على هذه الترهات والأباطيل صريحة شافية {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَاءِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبُّى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} {وَمَا مِنْ إِلَاهٍ إِلاَّ إِلَاهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الاَْيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ} .
- ما كادت الآيات تنتهي من كشف سوآت اليهود والنصارى وتبيين ما دأبوا عليه من زيغ عقدي وضلال منهجي حتى عادت للتحذير من اليهود بصفة خاصة لتعلن أنهم والمشركين الصرحاء أشد البشرية عداوة للإسلام وأهله {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ} ، وتظهر في الوقت نفسه جانبا من إنصاف الإسلام وموضوعيته وعدله في حديثه عن الأعداء وتصنيفه لهم، فإذا كان اليهود بذلك المستوى من الغل والحنق فإن من النصارى من لهم صفات حميدة تجعلهم أقرب إلى أهل الإسلام وأكثر احتفاء بهم { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} ، بل تتجاوز الآيات ذلك إلى التنويه بما لشرائح منهم من الخشوع والخشية وإجلال الحق والانقياد له {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} ، هكذا تستفرغ السورة قضايا أهل الكتاب لتعود إلى تقديم باقة من الأحكام الشرعية ككفارات الأيمان {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ} , وحرمة الخمر والميسر {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ومتعلقات الصيد للمحرم {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} ، ثم أتبعت الآيات أحكام قتل المحرم للصيد بما للكعبة من عظيم المكانة وجليل المنزلة، لتعلن أنها منطقة أمان مطلق، فلا يستنفر فيها صيد ولا يخوف أو يؤذى فيها أحد، فهي مناخ للخير محضن للسعادة الدينية والدنيوية {جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ} .
- لقد أمرت الآيات باتخاذ إجراءات احترازية حفظا لحقوق الورثة عند احتضار الموروث كالإشهاد والائتمان على الوصية {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ} ، ثم أمرت بإجراءات أخرى عند الشك في صدق المؤتمنين كحلفهم بالله في مجتمع بعد الصلاة؛ لاستجاشة الوجدان الديني حتى ينبعث الخوف من موقف خزي يوم القيامة، وحتى يستنهض عند الشهيدين التحرج من الفضيحة حال ظهور الكذب والخيانة { تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} ، وبعد هذا الحكم المعبر عن نوع من الاستعداد للموت الذي هو أول منازل القيامة يأتي الحديث عن ذلك اليوم المهول، حين يجمع الأولون والآخرون على صعيد واحد للمحاسبة والجزاء، فيتمايزون إلى فريقين أحدهما إلى جنات الخلد والآخر في عذاب السعير.