

-
مقدمة عامة عن السورة:
استهلت هذه السورة بنداء المؤمنين خاصة، لاشتمالها على كثير من التشريعات التطبيقية المستلزمة للصبغة الإيمانية، تلك الصبغة المبنية على الاستجابة المطلقة والتسليم الكامل اعتقاداً وحركة وعملاً وممارسة. ولذلك تكرر هذا النداء مقرونا بتلك الصفة في ثنايا السورة ستة عشر مرة، تنويها بما على المؤمن من واجب تحمّل مسؤولية التزاماته التعاقدية والتعاهدية، التي لا يجوز له نقضها ولا الانحراف عنها، حتى تتأسس حياته الذاتية والاجتماعية وهي مرتكزة على قاعدة ثابتة من الوفاء بالعهود والمواثيق التي نشأت عن عهده مع الله وهو لا يزال في عالم الذر، ذلك العهد الذي اقتضت بنوده السير على خط الإيمان بالله وحده، وفرضت احترام التعامل والتعاون مع الآخرين، ذلك أن الالتزام الذي تخرج حيثيات الوفاء به عن حيز نطاق التعامل البشري، باعتباره امتدادا لالتزام إيماني يعتقد معتنقه المثول أمام الخالق الديان. الأمر الذي يجعله حريصا على الوفاء طاعةً لله تعالى، وبعيداً عن الغدر وجلا من الوقوع في معصية الله عز وجل، بهذه النظرة يتميز المجتمع الإسلامي بان بناء التعامل فيه على أسس راسخة من تأكيد الثقة والاحترام والثبات وقوة الكلمة، التي ما تفتأ بإيمانيتها أن تتحول إلى قانون يلزم صاحبه شرعاً، فيؤديه وهو يستشعر رقابة الله تعالى، بعيداً عن كل قضايا الخوف والرجاء على مستوى الواقع البشري، فتتكون الشخصية الإسلامية ومدلولها الداخلي على الالتزام بالكلمة والوفاء بالعهد واحترام الأمانة، فيأمنها الناس على مصالحهم ويثقون بها في قضاياهم ويسعدون بها في علاقاتهم، ويقبلون بها شريك وفاء بالشروط والعهود. وهذا من شأنه أن يركز العلاقات التعاقدية والتعاهديّة بين الناس، على قواعد من العدل المؤسسي والإحسان الاجتماعي، بدلاً من معادلة موازين القوّة والضعف، ذلك أن الله تعالى يريد إخضاع مسألة العقود للإيمان والتقوى لتقوية أمر الوفاء بين المسلمين سواء كانوا في مرحلة قوة أو في موقف ضعف، أو كان الشريك مؤمنا أو كافرا، فلا فرق في كل ذلك في وجوب الالتزام بالعهد والوفاء به، كما أنه لا فرق في وجوب الوفاء بالعقد وضرورة الالتزام به بين بقاء المصلحة الشخصية أو زوالها، بل حتى ولو ترتب على الوفاء بالتعاقد ضررٌ شخصيٌ بفعل تغيرات قد تطرأ لسبب ما فإن ذلك لا يجيز نقض العهد، إذ الإسلام حريص على تشييد قواعد الاستقرار وإشاعة الثقة في التعامل مع النّاس كافة.
لقد شيدت السورة الكريمة قواعد العهود وبينت وجوب الالتزام والوفاء، تهيئة لتقديم باقة من الأحكام تناولت الذبائح، والصيد، والإِحرام، ونكاح الكتابيات، والردة، وقضايا الطهارة، وحدّي الحرابة والسرقة، وجزاء البغاة وأهل الإفساد، ثم تناولت تحريم الخمر والميسر، وكفارة اليمين، وقتل الصيد في الإِحرام، والوصية عند الموت للمغترب، ثم أجهزت على جوانب راسخة في المعتقد الجاهلي تبطلها تتعلق بالبحيرة والسائبة.
وفي ثنايا تلك الباقة التشريعية كانت السورة الكريمة تعرض جملة من القصص للاتعاظ والاعتبار، فذكرت تمرد وطغيان بني إسرائيل على شريعة الله تعالى، وما كان من عصيانهم وقولهم لموسى- بعد المنن الوافرة التي امتن الله بها عليهم-: {اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، وما حصل لهم بعد ذلك من التشرد والضياع والتيه. ثم عرضت قصة ابني آدم لتعالج من خلالها رزمة من الأمراض النفسية الخبيثة كداء الغل والحسد، إنها أمراض شعشعت وفرخت في الذهنية الدينية لحملة الكتابين من قبل، فولدت دجلا دينيا وشعوذة اعتقادية جاءت السورة لتقدم البراهين الساطعة والأدلة القامعة على تهافتها، ثم عمدت إلى تعرية بعض خسائس اليهود خاصة لكثرة دسائسهم وشدة تغلغلهم في المجتمعات، وسردت قبل الختم تلك القصة العجاب، إنها قصة المائدة التي أنزل الله على عيسى ابن مريم وحوارييه بإعجازها ودلالاتها، ثم خلصت السورة الكريمة إلى تصوير نهاية الخلائق وما ينتظر الصادقين من حسن المرجع وكرم المآب.
تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة السيف البتار في المنتدى شبهات حول القران الكريم
مشاركات: 4
آخر مشاركة: 09-12-2014, 07:23 PM
-
بواسطة السيف البتار في المنتدى شبهات حول القران الكريم
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 06-05-2008, 03:03 PM
-
بواسطة داع الى الله في المنتدى فى ظل أية وحديث
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 15-07-2006, 04:47 AM
-
بواسطة السيف البتار في المنتدى شبهات حول القران الكريم
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 17-12-2005, 01:23 AM
-
بواسطة السيف البتار في المنتدى شبهات حول القران الكريم
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 17-12-2005, 12:27 AM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات