كيفية التمييز بين الأنبياء و غيرهم من الناس



يفترق الأنبياء – صلوات الله عليهم – عن الناس بفروق كثيرة منها ما ذكره ابن الوزير – رحمه الله – في كتابه الماتع إيثار الحق على الخلق و هي :


الأول : اتِّفَاق الْأَنْبِيَاء فِي التَّوْحِيد وَالدُّعَاء إِلَى الله تَعَالَى وَالتَّرْغِيب فِيمَا لَدَيْهِ و الترهيب من عُقُوبَته فَالْأول مِنْهُم يبشر بِالثَّانِي وَالْآخر مِنْهُم يُؤمن بِالْأولِ وَلَيْسَ أحد مِنْهُم يُخطئ أحدا وَلَا ينقم عَلَيْهِ وَلَا ينتقصه بِخِلَاف سَائِر أَرْبَاب الخوارق وَسَائِر الْعلمَاء والأولياء فَإِنَّهُ يجْرِي بَينهم الْمُعَارضَة الدَّالَّة على ارْتِفَاع الْعِصْمَة .


الْوَجْه الثَّانِي : صَاحب المعجزات يُفَارق صَاحب الْحِيَل وَالسحر فِي الزي و الرواء[1] والهيبة وَالْكَلَام وَالْأَفْعَال وَفِي كَافَّة الْأَحْوَال أنوار التَّقْوَى تلألأ فِي وَجه صَاحب المعجزات وآثار الصّلاح تلوح فِي وُجُوه أهل الْخيرَات تعرفهم بِسِيمَاهُمْ كَمَا قَالَ رَبهم ومولاهم .


شيمتهم التحلم والاصطبار وَدينهمْ الصفح وَالْعَفو وَالِاسْتِغْفَار والجود فالسخاء و الإيثار والمصافاة مَعَ الْمَسَاكِين والفقراء والحنو والحدب على الضُّعَفَاء والأعراض عَن زخارف الدُّنْيَا وَعَن إتباع الشَّهَوَات والهوى .


وَأما أَصْحَاب السحر والحيل فرذائل التزوير لائحة فِي وُجُوههم و مخايل الختل والغدر وَاضِحَة فِي جباههم قصارى هَمهمْ استمالة الأغبياء وإيثار مَوَاطِن الْمُلُوك والأمراء والأغنياء وَغَايَة أمنيتهم نيل الجاه والعز فِي الدُّنْيَا وَالظفر بِمَا يُوَافق النَّفس والهوى .


وَإِلَى هَذَا الْوَجْه الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى : ﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ ( سورة المؤمنون الآية 69 ) وَقَوله : ﴿ أَسِحْرٌ هَذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ﴾ ( سورة يونس من الآية 77 ) كَمَا تقدم فِي كَلَام مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - وَقَوله تَعَالَى : ﴿ أتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُممُّهْتَدُونَ ( سورة يس الآية 21 ) وأمثالها .



الْوَجْه الثَّالِث : أَنه يظْهر على كل نَبِي مَا يميزه من السَّحَرَة وَأهل الْحِيَل مِثَال ذَلِك إِيمَان السَّحَرَة بمُوسَى واعترافهم أَن الَّذِي جَاءَ بِهِ لَيْسَ فِي جنس السحر وإحياء عِيسَى للموتى وَذَلِكَ إن مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَام - كَانَ فِي وَقت ظهر فِيهِ علم السحر وَعِيسَى – عَلَيْهِ السَّلَام - كَانَ فِي زمن ظهر فِيهِ علم الطِّبّ فجَاء كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا يعرفهُ أهل عصره وَكَذَلِكَ مُحَمَّد - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ فِي زمَان ظَهرت فِيهِ الفصاحة فجَاء بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم الَّذِي لَا يخفى عَلَيْهِم مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من وُجُوه الإعجاز [2].


و يجب ألا نخلط بين الأمر الخارق للعادة مع دعوى النبوة الذي هو المعجزة و بين الأمر الخارق للعادة مع الاستقامة والصلاح و عدم دعوى النبوة و هي الكرامة فالمعجزة هي الأمر الخارق للعادة ، وكذلك الكرامة في عرف أئمة أهل العلم المتقدمين إلا أن المعجزة تقترن بدعوى النبوة و الكرامة لا تقترن بذلك [3] .


و من يقول لا نثبت الكرامة ؛ لأننا لو أثبتنا الكرامات لاشتبه الساحر بالولي و الولي بالنبي ؛ لأن كل واحد منهم يأتي بخارق فالجواب لا يمكن الالتباس ؛ لأن الكرامة على يد ولي ، والولي لا يمكن أن يدعي النبوة ، ولو ادعاها لم يكن وليا أية النبي تكون على يد نبي ، والشعوذة و السحر على يد عدو بعيد من ولاية الله ، وتكون بفعله باستعانته بالشياطين فينالها بكسبه بخلاف الكرامة فهي من الله تعالى لا يطلبها الولي بكسبه [4] .



و كل عاقل يميز بين سيرة الساحر و الدجال والكذاب و بين سيرة النبي الصالح ، وكل إناء بما فيه ينضح فالنبي لابد أن يأتي بما أمرت به الأنبياء من التوحيد والعدل والصدق ، ويخبر بيوم الجزاء و بما أعد الله تعالى للصالحين و ما توعد به الكافرين و الفاسقين و الساحر لا يأمر بخير و الدجال كذلك مثله لا يحول إلا حول مال أو رياسة أو جاه أو منصب ولابد أن يثبت كذب المتنبئ الكاذب وصدق النبي الصادق الصالح [5].


و السحرة – هداهم الله – مشتهرون بالفسق و الفجور و عدم الدعوة لعبادة الله و لا يتحدّون الآخرين ولا يطلبون المواجهة فيما يقومون به ؛ لعلمهم أنّ عملهم نتيجة التعليم والتعلّم والتمرين، وأنّ هذا الطريق مفتوح أمام جميع الناس الراغبين في سلوك ذلك الطريق، وأمّا ما يقوم به الأنبياء فإنّه مقترن بالتحدي وطلب المواجهة وتعجيز الآخرين لإثبات أحقّيّتهم فيما يدّعونه من عبادة الله وحده .


وهناك فرق شاسع بين غاية الأنبياء من أفعالهم الخارقة للعادة و هدف السحرة من أفعالهم الخارقة للعادة ، فالأنبياء – عليهم الصلاة والسلام - إنّما يقومون بتلك الأفعال الخارقة للعادة من أجل تحقيق غاية نبيلة سامية رفيعة ألا وهي إخراج الناس من الظلمات إلى النور و من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد أما وأفعال السحرة فغايتها هدف مادي من طلب المال أو المنصب أو كلاهما.


إذن يشترط للمعجزة أن تكون أمر خارق للعادة مع دعوى النبوة و دعوة الناس لعبادة الله و صلاح الداعي إلى عبادة الله تمييزا لهؤلاء الرسل عن غيرهم ممن تحدث لهم بعد الخوارق لكنهم لا يدعون لعبادة الخالق ولا لدين الخالق ، بل سحرة خبثاء .


ومن هنا ندرك كذب من يقول المعجزة ليست دليلا على صحة نبوة مدعي النبوة لظهور الخوارق على أيدي بعض الناس غير الأنبياء إذ يستحيل ظهور أمر خارق للعادة مع دعوى النبوة ،و يكون مدعيها كاذب فالتأييد بالمعجزة مع دعوى الرسالة إن لم يكن مدعيها نبي فهذا تأييد من الله لمدعيها الكاذب و هذا لا يجوز في حق الله ،فتحتم أن يكون ظهور المعجزة مع دعوى الرسالة دليل على صدق النبوة .


و قد اتفقت الكتب والشرائع على أنّ الله - جل وعلا - لا يؤيّد الكذّاب عليه، بل لا بُدّ أن يظهر كذبه، وأن ينتقم منه،و لو أن حاجب الأمير قال للناس :إن الأمير قد أمركم بفعل كذا وكذا . فإن الناس يعلمون أنه لا يتعمد الكذب في مثل هذا وإن لم يكن بحضرته ، فكيف إذا كان بحضرته ، والله لا يغيب عنه شيء .


و قال ابن القيم : «وقد جرت لي مناظرة بمصر مع أكبر من يشير إليه اليهود بالعلم والرياسة، فقلت له في أثناء الكلام : أنتم بتكذيبكم محمدا صلى الله عليه وسلم قد شتمتم الله أعظم شتيمة. فعجب من ذلك ، و قال : مثلك يقول هذا الكلام ! فقلت له : إسمع الآن تقريره .


إذا قلتم : إن محمدا ملك ظالم قهر الناس بسيفه و ليس برسول من عند الله ، و قد أقام ثلاثا وعشرين سنة يدعي أنه رسول الله أرسله إلى الخلق كافة ، و يقول : أمرني الله بكذا و نهاني عن كذا و أوحى إلي كذا؛ ولم يكن من ذلك شيء ، ويقول : إنه أباح لي سبي ذراري من كذبني وخالفني ونساءهم وغنيمة أموالهم وقتل رجالهم ، فلا يخلو إما أن تقولوا أن الله سبحانه كان يطلع على ذلك ويشاهده ويعلمه، أو تقولوا أنه خفى عنه ولم يعلم به.


فإن قلتم لم يعلم به نسبتموه إلى أقبح الجهل وكان من علم ذلك أعلم منه، وإن قلتم بل كان ذلك كله بعلمه ومشاهدته واطلاعه عليه فلا يخلو إما أن يكون قادرا على تغييره والأخذ على يديه ومنعه من ذلك، أولا، فإن لم يكن قادرا فقد نسبتموه إلى أقبح العجز المنافي للربوبية، وإن كان قادرا وهو مع ذلك يعزه و ينصره و يؤيده و يعيه و يعلى كلمته ، ويجيب دعاءه ويمكنه من أعدائه ويظهر على يديه من أنواع المعجزات والكرامات ما يزيد على الألف .


ولا يقصده أحد بسوء إلا أظفره به ولا يدعوه بدعوة إلا استجابها له فهذا من أعظم الظلم والسفه الذي لا يليق نسبته إلى آحاد العقلاء فضلا عن رب الأرض والسماء؛ فكيف وهو يشهد له بإقراره على دعوته وبتأييده وبكلامه وهذه عندكم شهادة زور وكذب فلما سمع ذلك قال معاذ الله أن يفعل الله هذا بكاذب مفتر بل هو نبي صادق من اتبعه أفلح وسعد »[6] .


و يشترط للمعجزة عدم قدرة الناس على معارضتها وعجزهم عن مقابلتها والإتيان بما جاء به مدعي النبوة أو إبطال ما جاء به مدعي النبوة .




[1]- الرواء حسن المنظر
[2]- إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق لابن الوزير ص 69 باختصار
[3]- تهذيب شرح الطحاوية للدكتور محمد صلاح الصاوي ص 83
[4]- شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين ص 618 - 619
[5] العقائد السلفية لأحمد بن حجر آل بوطامي ص 424
[6] - هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى لابن القيم ص 87
</B></I>