حوار مع المعارضين القائلين بوجوب ستر الوجه 12

يقولون: إن الأمر في قوله تعالي {فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} يفيد وجوب ستر الوجه وهو عام لنساء المؤمنين وليس خاصا بنساء النبي صلي الله عليه وسلم .
ويقولون أيضا أن آية {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} تأمر نساء النبي صلي الله عليه وسلم مع عامة النساء إذا خرجن أن يدنين من جلابيبهن ونساء النبي صلي الله عليه وسلم كن مأمورات بالحجاب في الآية الكريمة {فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} فلابد أن يكون معني الإدناء هو إدناء الجلباب علي الوجه حتي يتم تطبيق الحجاب المفروض علي نساء النبي صلي الله عليه وسلم.

الجواب:

1- من الواضح أنه حدث التباس نتيجة دمج الكلمات الثلاثة ( الحجاب , الجلباب ,الخمار) في كلمة واحدة هي "حجاب" وذلك لسببين:

( أ ) نزول آية الجلباب (العامة) ونزول آية الحجاب (الخاصة بأمهت المؤمنين) في نفس السورة: في السنة الخامسة من الهجرة .

(ب) توجيه آية الجلباب (العامة) إلى زوجات وبنات النبي عليه السلام ونساء المؤمنين، وتوجيه آية الحجاب (الخاصة) إلى زوجات النبي عليه السلام، والعامل المشترك هنا هو زوجات النبي عليه السلام ، مما أدى الى الدمج بين الحكمين العامين (الجلباب والخمار) والحكم الخاص (الحجاب) وتعميم ما أنزل على زوجات الرسول على سائر النساء الأخريات!

وهذا أدي أيضا إلي التناقض الواضح والاضطراب الصريح للموجبين لستر الوجه والكفين , فهم يقولون أنه وجب علي المسلمات بآية الحجاب , ثم يعودون فيقولون أن إدناء الجلباب ستر الوجه وهذا الذى أوجب ستره علي النساء , ثم يقولون أيضا أن ضرب الخمار المذكور في آية النور يستر الوجه و هو من أدلة الوجوب.

2- إن اللفظ في الآية الكريمة ليس عاما بل هو خاص بنساء النبي صلي الله عليه وسلم .فضمير {سألتموهن} عائد إلى الأزواج المفهوم من ذِكر البيوت في قوله {بيوت النبي} وسياق الشاهد في الآية ليس فيه أي لفظ من ألفاظ العموم المنصوص عليها في كتب الأصول.وحكم حجاب أمهات المؤمنين في نفس الأية جاء ملتصق بقوله تعالي: {ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا} وهذا حكم خاص , فلا يصح أن نجتزيء حكم الحجاب ونفرق هذا عام وهذا خاص بدون دليل , فالخطاب كله خاص بنساء النبي صلي الله عليه وسلم كما جاء بصريح الآية.

3- إن آية الحجاب فرضت إحتجاب أمهات المؤمنين عن مجلس الرجال داخل البيوت، كما فرضت عليهن ستر وجوههن إذا خرجن من البيوت هكذا كان شأنهن قبل نزول آية {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ}.

4- إذا قلنا وجب ستر الوجه بآية "الزينة" في سورة النور , فلو سبقت آية الحجاب فبهذا يكون الله أوجب علي نساء المسلمين ستر وجوههن قبل أمهات المؤمنين اللاتي لم يسترنه إلا بعد آية الحجاب.وهذا قول مردود بلا شك.

5- إذا قلنا بتأخر آية الزينة عن آية الإدناء نقض ذلك أن ستر الوجه وجب بآية الإدناء. لأن أهل التفسير ذكروا أن سبب نزول آية الزينة هو أن النساء كن وقت نزولها إذا غطين رؤوسهن بالخمر يسدلنها خلفهن كما تصنع النبط فتبقى النحور والأعناق بادية.

قال القرطبي:وسبب هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر. قال النقاش : كما يصنع النبط، فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك، فأمر الله تعالى بلي الخمار على الجيوب، وهيئة ذلك أن تضرب المرأة بخمارها على جيبها لتستر صدرها.

وقال الشوكاني: قال المفسرون : إن نساء الجاهلية كنّ يسدلن خمرهنّ من خلفهنّ ، وكانت جيوبهنّ من قدّام واسعة ، فكان تنكشف نحورهنّ ، وقلائدهنّ ، فأمرن أن يضربن مقانعهنّ على الجيوب لتستر بذلك ما كان يبدو.

6- إذا قلنا وجب ستر الوجه بآية الحجاب فأي فائدة في نزول آية الإدناء , وأي شئ يفعلنه المؤمنات بعد ذلك , إلا أن يكون الإدناء دلالة علي غير ستر الوجه.لأن الأصل التأسيس في الخطاب لا التكرار.

7- إذا قلنا بأن ستر الوجه لنساء المؤمنين وجب عليهن بآية الإدناء نقض ذلك و لا بد استدلالهم بآية الحجاب علي أنها أوجبت الستر الكامل لجميع النساء و قولهم عن العله و عموم اللفظ و نحو ذلك.

8- المفسرين متفقين علي أن سبب نزول آية "الإدناء" أن النساء كن يخرجن علي غير هيئة الحجاب الكامل الذى كانت عليه أمهات المؤمنين وكن يتعرضن لأذى الفساق فنزلت الآية وهذا يبطل الاستدلال بآية الحجاب علي أنها كانت تلزم عموم المؤمنات و لا تخص نساء النبي صلي الله عليه وسلم.

9- نزول آية النور متأخراً عن آية الأحزاب يهدم أدلتهم علي وجوب ستر الوجه والكفين لوجود أثار صحيحه عن الصحابه في تفسير "ما ظهر منها" بالوجه والكفين.

من كتاب "عودة الحجاب" الجزء الثالث صفحة 413 وهو من كتب المعارضين لكشف الوجه:

(( كل هذه الأوامر بالحجاب إنما نزلت في سورة الأحزاب في السنة الخامسة من الهجرة النبوية , وشاع الحجاب في المجتمع المسلم بعد نزولها , وقبل الأمر بغض البصر , الذي نزل في سورة النور التي نزلت في السنة السادسة من الهجرة.))

10. لا يلزم العطف في آية الإدناء التساوي في الحكم , فالشيء الواحد قد يرد في القران الكريم لكن لا يقصد به الشبه التام في الحالتين الموجه لهما الخطاب مثل قوله تعالي{وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ...}فالمذكورين في الآية تختلف مراتبهم في إبداء الزينة , فيبدي للزوج ما لا يجوز للأب , ويبدي للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج.
وفي قوله تعالى { لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً }هناك رأي أن كلمة التعزير والتوقير لله وللرسول معا لكن لكل منها مفهوم يختلف عن الآخر.
إذن لا يلزم أن يكون الإدناء متماثل بين نساء النبي صلي الله عليه وسلم ونساء المؤمنين.فنساء المؤمنين يرتدين الجلباب مع كشف الوجه والكفين , وأمهات المؤمنين يرتدين الجلباب مع تغطية وجوههن فضلا عن بقية البدن بسبب الحكم الخاص الواقع عليهن وهو حكم حديث الرجال من وراء حجاب.

11- إن الأدب الجديد الذي ترسمه آية { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ} هو أدب يعم جميع الحرائر ومنهن أمهات المؤمنين حتي يعرفن بأنهن عفيفات فلا يؤذين{ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ}. والمعني جاء بصفة مطلقة والأذي غير محدد , وهذا هو السبب الذي يجعل الآية تنطبق علي كل زمان ومكان , المهم أن تعرف من ترتدي الزي الإسلامي أنها من نساء المؤمنين العفيفات فلا تؤذي من نظرات بعض الرجال الخبيثة أو كلماتهم المؤذية أو تصرفاتهم الماكرة.

قال الشيخ ابن باديس:"....فآية الإبداء أفادت طلب ستر الأعضاء إلا الوجه والكفين وآية الإدناء أفادت طلب الستر الأعلي الذي يحيط بالثياب ويعم الرأس وما والاه من الوجه وهو الجبين وينضم علي البدن ليحصل به تمييز الحرائر بالمبالغة في التستر والاحتشام".

12. فإن قال المانعون للكشف: وإن سلمنا لكم بأن اللفظ هنا خاص بنساء النبي صلي الله عليه وسلم وأنهن مأمورات بالحجاب وهن العفيفات الطاهرات، أفليس غيرهن من نساء الأمة أولى بهذا منهن؟ قلنا هذا مناقش من وجهين:

الأول: أن الأمر مع نساء النبي صلي الله عليه وسلم مبناه على التشدد أكثر من غيرهن، قال تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) فالأجر أو العذاب مضاعف عليهن.

الثاني: أنه لو كان الأمر كذلك لأُمرنا نحن عامة المسلمين بتكاليف أكثر من النبي صلي الله عليه وسلم ؛ لأن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر إضافة إلى عصمته صلي الله عليه وسلم من الذنوب ونحن المعرضون للذنوب والعذاب , لكنَّا وجدنا أنه صلي الله عليه وسلم قد خص بتكاليف أشد وأشق مما كلف به سائر المسلمين كقيام الليل مثلا.

الثالث : قول : (وغيرهن من نساء الأمة أولي ) هذه العبارة توحي بنقص من منزله وقدر رسول الله . فالله خص نساء النبي صلي الله عليه وسلم بتضعيف العقوبة على الذنب , لأن معصيتهن أذى لرسول الله وذنب ، والذنب والأذى لرسول الله أعظم وأقبح من الأذى والذنب لغيرة من بقية الرجال.ولأنهن أشرف من سائر النساء لقربهن من رسول الله والوحي ، فكانت الطاعة منهن أشرف كما أن المعصية منهن أقبح.