حوار مع المعارضين القائلين بوجوب ستر الوجه 6

يقولون: قال الحافظ ابن حجر في شرحه حديث : ( يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} شققن مروطهن فاختمرن بها)، قول: ( فاختمرن بها ) أي غطين وجوههن.

الجواب:

1- هذا الكلام من ابن حجر مع تقديرنا له لا يصح ، لأن الخمار معروف في كتب اللغة وكتب التفسير وكتب الفقه أنه غطاء الرأس ، وعليه يكون معني (اختمرن بها ) غطين رؤوسهن، بل وفي نصوص السنة نفسها ما يؤكد ذلك:

• فعن بلال: أن رسول الله مسح علي الخفين والخمار.

• وعن مالك عن نافع أنه رأي صفية بنت أبي عبيدة امرأة ابن عمر تنزع خمارها ثم تمسح علي رأسها بالماء ونافع يومئذ صغير.

• وعن ميمون بن مهران قال: دخلت علي أم الدرداء فرأيتها مختمرة بخمار صفيق قد ضربت علي حاجبيها.

• عن أم علقمة بن أبي علقمة قالت: رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت علي عائشة وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فشقته عليها وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟ ثم دعت بخمار فكستها.

• حديث " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار". مع اتفاق العلماء على صحة صلاة المرأة وهي كاشفة لوجهها, ومعنى الخمار واحد في الصلاة وخارجها , فهل يجب على المرأة البالغة أن تستر وجهها في الصلاة؟!

• قوله صلي الله عليه وسلم في المرأة التي نذرت أن تحج حاسرة:"ومروها فلتركب ولتختمر ولتحج.وفي رواية:"وتغطي شعرها".

2- ذكر الحافظ في تتمة شرحه ما يرجح أن الخمار في الأصل لا يغطي الوجه وذلك قوله: ( وصفة ذلك أن تضع الخمار علي رأسها وترميه من الجانب الأيمن علي العاتق الأيسر وهو التقنع، قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها، فأمرن بالاستتار والخمار للمرأة كالعمامة للرجل).

والعاتق لغة هو (مابين المنكب والعنق) كذا فى المعجم الوجيز, فإذا ألقى الخمار من اليمين إلى الكتف الأيسر فهو ستر العنق والجيب وليس الوجه.

ومعنى كلام الفراء لا محل فيه لستر الوجه ، ( والخمار للمرأة كالعمامة للرجل) والعمامة لا تستر الوجه.

3- الخمار في معاجم اللغة العربية :

• معجم لسان العرب لابن منظور :والخِمَار النصيف وهو ما تغطّي بِه المرأَة رأسها. وفي سورة النور (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِن) أي سترًا لأعناقهنَّ.

• معجم تاج العروس لمرتضى الزبيدي : قِيل: كُلُّ ما سَتَرَ شَيْئاً فَهْو خِمَارُه،ومنه خِمَارُ المَرْأَةِ تُغَطِّي به رَأْسَها.

• معجم الوسيط لمجمع اللغة العربية بمصر:"الخِمَار" كلُّ ما ستَرَ.ومنه خمار المرأة،وهو ثوب تغطّي به رأْسَها. ومنه العِمامة ؛ لأن الرجل يغطى بها رأْسَه ويُديرها تحت الحنك. وفي الحديث ( أنه كان يمسحُ على الخُفّ والخِمَار : العمامة).

• معجم المحيط تأليف أديب اللجمـي - شحادة الخوري - البشير بن سلامة -عبد اللطيف عب - نبيلة الرزاز :الخِمَارُ: كلُّ ما ستَر (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) والأشْهَر هو خِمار المرأة وهو ثوب تغطّي به المرأة رأسها.

• منجد الطلاب للفيروز ابادي : "الخمار" ما تغطي به المرأة رأسها .

• معجم الغني للدكتور عبد الغني أبي العزم :خِمَارٌ - ج: خُمُرٌ، خُمْرٌ، أَخْمِرَةٌ. [خ م ر]. 1."وَضَعَتْ خِمَارًا عَلَى رَأْسِهَا : قِطْعَةً مِنَ الثَّوْبِ تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا أَوْكَتِفَيْهَا.2. خِمَارُ الرَّجُلِ: عِمَامَتُه .

4- خمر يخمر تخميرا في اللغة العربية :

• معجم لسان العرب : خمَّر العجين ونحوهُ بمعنى خمرهُ. ووجههُ غطَّاهُ.

• معجم تاج العروس : والتَّخْمِيرُ: التَّغْطِيَة. وكُلُّ مُغَطًّى ومُخَمَّرٌ. ورُوِىَ عن النَّبِيّ صلَّى الله عَلَيْه وسلَّم أَنه قال "خَمِّرُوا آنِيَتَكُم".

• معجم القاموس المحيط للفيروز ابادي :"والتَّخمِيرُ" التَّغْطِيَةُ.

فقول عائشة رضي الله عنها( فخمرت وجهي بجلبابي ) معناه فغطيت وجهي بجلبابي.

5- وجود أثار صحيحه عن الصحابه في تفسير ما ظهر منها بالوجه و الكفين يرد هذا القول.

6- وإن كان الخمار في الأصل هو غطاء الرأس إلا أنه يحدث أحيانا أن تغطي المرأة وجهها أو بعض وجهها بخمارها، أي بغطاء رأسها كما جاء في ترجمة القاضي أبي علي التنوخي:

قل للمليحة في الخمار المذهـب‏...أفسدت نسك أخي التقى المترهب
نور الخمار ونور خدك تحتــه...عجبا لوجهك‏! ‏ كيف لم يتلهب؟

وقول عائشة في قصة الإفك" فخمرت وجهي بجلبابي" , والنبي صلي الله عليه وسلم لما حمل صفية وراءه جعل رداءه علي ظهرها ووجهها, فهل يؤخذ من ذلك أن الرداء والجلباب ثوبان يغطيان الوجه؟! فرق بين هذا وبين القول ( فاختمرن أي غطين وجوههن) ، فهذا القول يعني أن الأصل في الخمار هو غطاء الوجه وهذا غير صحيح.

وفي الرد المفحم للألباني: "وأزيد هنا فأقول: قد جاء في قصة جوع النبي صلي الله عليه وسلم أن أنساً رضي الله عنه قال عن أم سُلَيم: فأخرجت أقراصاً من شعير، ثم أخرجت خماراً لها فلفت الخبز ببعضه… الحديث. أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
والشاهد منه واضح وهو أن الخمار الذي تغطي المرأة به رأسها قد استعملته في لف الخبز وتغطيه، فهل يقول أحد: إن من معاني الخمار إذا أطلق أنه يغطي الخبز وتغطيه؟! لا أستبعد أن يقول ذلك أولئك الذين تجرؤوا على مخالفة تلك النصوص المتقدمة من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة الدالة على أن (الخمار) غطاء الرأس دون دور وجهها، فقال أولئك: ووجهها. لا لشيء، إلا لأنه قد استعمل لتغطية الوجه كالجلباب ! ولو أحياناً!"

وقال أيضاً: "وجملة القول: إن الخمار والاعتجار عند الإطلاق إنما يعني: تغطية الرأس فمن ضمَّ إلى ذلك تغطية الوجه فهو مكابر معاند لما تقدم من الأدلة وعلى ذلك يسقط استدلال الشيخ – ومن قلده- بالأحاديث التي فيها اختمار النساء أو اعتجارهن على دعواه الباطلة شرعاً ولغة ويسلم لنا –في الوقت نفسه- استدلالنا بآية (الخمار) وحديث فاطمة الآتي على أن وجه المرأة ليس بعورة كما سيأتي بيانه هناك".

وأما قولهم أن المرأة إذا كانت مأمورة بسدل الخمار من رأسها على جيبها لتستر صدرها فهي مأمورة ضمناً بستر ما بين الرأس والصدر وهما الوجه والرقبة، وإنما لم يذكر هاهنا للعلم بأن سدل الخمار على أن يُضرب على الجيب لا بد أن يغطيهما.

فيناقش هذا بأنه لا يلزم من وجوب ستر الرأس والصدر وجوب ستر الوجه كما هو مشاهد اليوم بين المسلمات . وهذا افتراض لا يقبل إلا بدليل وهو مخالف لقول أئمة التفسير.ولا يستقيم أن يقال للمرأة لا تبدي إلا الوجه والكفين ولتضربي بخمارك علي نحرك ثم نقول هذا أمر ضمني بستر الوجه.ولو كان الأمر بتغطية الوجه مطلوبًا قصدا لنصت الآية عليه.

وهذه نماذج من أقوال المفسرين في تفسير الآية وكلها تشير إلي لي الخمار علي العنق والصدر وأنه لا يشمل الوجه:

تفسير الجلالين : {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ } أي يسترن الرؤوس والأعناق والصدور بالمقانع.
تفسير الطبري : (وليلقين خمرهن وهى جمع خمار على جيوبهن ، يسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وقرطهن)
تفسير القرطبي : وهيئة ذلك أن تضرب المرأة بخمارها علي جيبها لتستر صدرها.
فتح القدير للشوكاني : والخمر: جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها.
معالم التنزيل للبغوي : قوله عزّ وجلّ: { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ } ، أي: ليلقين بمقانعهن، { عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ } ، وصدورهنّ ليسترن بذلك شعورهنّ وصدورهنّ وأعناقهن وقراطهن.
زاد المسير لابن الجوزي: قوله تعالى: { وليضربن بخمرهن } وهي جمع خِمار، وهو ما تغطى به المرأة رأسها، والمعنى: وليُلْقِين مَقانِعَهن { على جيوبهن } ليسترن بذلك شعورهن وقرطهن وأعناقهن.
تفسير الخازن : { وليضربن بخمرهن } يعني ليلقين بمقانعهن { على جيوبهن } يعني موضع الجيب وهو النحر والصدر يعني ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وأقراطهن وصدورهن.
تفسير ابن عاشور : والخمار: ثوب تضعه المرأة على رأسها لستر شعرها وجيدها وأذنيها.
تفسير الألوسي : والخمر جمع خمار ويجمع في القلة على أخمرة وكلا الجمعين مقيس وهو المقنعة التي تلقيها المرأة على رأسها من الخمر وهو الستر.
تفسير الثعلبي : {وَلْيَضْرِبْنَ } وليلقين { بِخُمُرِهِنَّ } أي بمقانعهن وهي جمع خمار وهو غطاء رأس المرأة { عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ } وصدورهن ليسترن بذلك شعورهنّ وأقراطهنّ وأعناقهن.
صفوة التفاسير للصابوني : { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ } أي وليلقين الخمار وهو غطاء الرأس على صدورهن لئلا يبدو شيء من النحر والصدر
تفسير الشعراوي : الخُمر: جمع خِمّار، وهو غطاء الرأس الذي يُسْدل ليستر الرقبة والصدر

وأما قولهم أن الخمار غطاء الرأس ولكن الرأس يشمل الوجه فيرده قوله تعالي: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلي الصلاة فاغسلوا وجهوهكم وأيديكم إلي المرافق وامسحوا برءُوسكم وأرجلكم إلي الكعبين}. فالأمر بمسح الرأس في الوضوء لا يدخل فيه الوجه فالشرع ميز بينهما.
وعن ابن عباس أن النبي صلي الله عليه وسلم قال في المحرم الذي خر من بعيره " ولا تخمروا وجهه ولا رأسه " رواه مسلم.