3- أخلاقيات الرسول في الحرب
1- منع قتل الأطفال والشيوخ والنساء:
لم تعرف البشرية قبل الإسلام أن للحرب أخلاقيات واجبة الإتباع؛ حتى في مواجهة الخصوم والمحاربين، وكانت الحرب تأتي على الأخضر واليابس عندما تنشب، ولا يميز المتحاربون بين محارب وغير محارب، ولا بين طفل وفارس، ولا بين عاجز وغيره. ومع الانطلاقة الأولى لجند الإسلام، خاطبهم الرسول e بما أصبح منارة للبشرية، تعرّفها أن للحرب أخلاقاً ومبادئ، تتلخص في قوله e لمن تولوا إمارة الجند: « انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ لاَ تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا وَلاَ طِفْلاً وَلاَ صَغِيرًا وَلاَ امْرَأَةً وَلاَ تَغُلُّوا(لا تخونوا) وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ وَأَصْلِحُوا وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » ". نهي النبي :salla-s: عن قتل الأطفال والشيوخ والنساء , لأن هؤلاء ضعفاء لا يقاتلون ولا رأي لهم في قتال , وإن ذلك منبعث من نظرية الحرب الإسلامية نفسها , وهي أن القتل ليس إلا دفعا للاعتداء , ومنعا للأذى , ولقد مر النبي e بعد المعركة يتفحص القتلى , فرأى امرأة مقتولة , فغضب وقال " مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ " ثُمَّ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ ، فَقَالَ لِرَجُلٍ : إلْحَقْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلاَ يَقْتُلْ ذُرِّيَّةً وَلا عَسِيفًا ، وَالْعَسِيفُ الأَجِيرُ " وهنا نأخذ حكمين متقابلين: أحدهما: سبقت الإشارة إليه، ألا وهو أنه لا يجوز قتل النساء لأنها لا تقاتل.الحكم الآخر: إذا وجدنا بعض النسوة يقاتلن المسلمين في جيش المحاربين أو الخارجين، حينئذٍ يجوز للمسلمين أن يقتلوا هذه المرأة التي شاركت في القتال. وقول رسول الله :salla-s:في حديث رباح أخي حنظلة في المرأة المقتولة ما كانت هذه تقاتل أي فلا تقتل فإنها لا تقاتل فإذا قاتلت قتلت وارتفعت العلة التي لها منع من قتلها ولقد كان يغضب أشد الغضب إذا علم أن جنده قتلوا صبياً أو طفلا ً, ولقد بلغه قتل بعض الأطفال فوقف يصيح في جنده : ثُمَّ قَالَ :« لاَ تَقْتُلُوا الذُّرِّيَّةَ ». قَالَهَا ثَلاَثًا وَقَالَ :« كُلُّ نَسَمَةٍ تُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهَا لِسَانُهَا فَأَبَوَاهَا يُهَوِّدَانِهَا أوَيُنَصِّرَانِهَا » وعن الأسود بن سريع ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ألا لا تقتلوا الذرية » . فبلغه أن ناسا جاوز بهم القتل إلى الذرية ، قال : فخطب ، يعرف الغضب في وجهه ، قال : فقال : « ما بال أقوام جاوز بهم القتل إلى الذرية ؟ » قال : فقال رجل : أليسوا أولاد المشركين ؟ قال : فقال : « أوليس خياركم أولاد المشركين ؟ والذي نفس محمد بيده إن كل مولود يولد على الفطرة ، حتى يبين عنه لسانه حتى يكون أبواه هما يهودانه أو ينصرانه » إن الاعتداء على الذرية ممنوع فكيف يحملون وزر اعتداء عليهم وليست حرب الإسلام لإفناء الأعداء ، إنما هي لمنع الاعتداء ، ولا يصح أن يتجاوز القتال البواعث التي بعثت عليه .منع قتل العمال : تكرر نهى النبي :salla-s: عن قتل العسفاء ، وهم العمال الذين لا يحاربون وليس لهم في الحروب يد ولا عمل ، وذلك لأن هؤلاء لا يقاتلون ، والحرب محصورة في دائرة من يقاتل ، لا تخرج عنه ، ولأن القتال ليس قتالا للشعوب ، وإنما هو دفع لقوى الشر والفساد ، وهى في الذين يحملون السيوف ويقاتلون ، أو يدبرون ويرسمون الخطط ، ولأن العمال الذين عكفوا على الزرع أو العمل اليدوي هم بناة العمران ودعائمه ، والحرب الإسلامية ليست لإزالة العمران ، وإنما هي لدفع الفساد في الأرض ، ولأن هؤلاء العمال هم الذين كانوا مستضعفين تحت سلطان الملوك الغاشمين فهم فريسة الظلم ، فلا يصح أن يكونوا وقود الحرب يكتوون بنارها ، وليسوا من جناتها . ومثل تلك الأخلاقيات وجدت طريقها إلى القانون الدولي الإنساني المعاصر فقط عندما نظم البروتوكول الأول لعام 1977 الملحق بأحكام اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 قواعد الحماية العامة للسكان المدنيين، والأعيان المدنية، والأعيان الثقافية، وأماكن العبادة، والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، وذلك ضد آثار القتال. ومن ذلك ما يأتي:نص المادة 51 على أن "السكان المدنيين لا يجوز أن يكونوا محلاً للهجوم".ونصت المادة 53 على أن "الأعيان الثقافية وأماكن العبادة لا يصح أن تكون محلاً للهجوم أو الردع".وكذلك نصت المادة 54 على أنه "يحظر مهاجمة أو تدمير المواد الغذائية والمناطق الزراعية والمحاصيل والماشية، ومرافق المياه و التي لا غني عنها لبقاء السكان المدنيين".
2- منع التخريب : منع الإسلام أي نوع من تخريب قطع شجر أو حرقه أو هدم بيوت ولكن يوجد استثناء إذا جعلت حصون للأعداء كما فعل الرسول e مع بني النضير عندما أمر بتخريب بيوتهم لأنهم اتخذوها حصونا ، واعتصموا بها ، وأنزلوا الأذى بالمسلمين منها ، فكان لابد للوصول إليهم من تخريب بعضها ، ففعل الصحابة بأمر النبي e ذلك ، وكان ما فعله الصحابة على قدر الضرورة ، وقد قررنا أن الهدم والقلع لا يجوز إلا للضرورة.أما رمى حصون ثقيف بالمنجنيق فلأنها حصون اعتصموا بها وقد قذفوا المسلمين بالحديد السائل بعد أن يصهر بالنار ، فلا بد من إنزالهم منها ، وقد كانوا غلاظاً أشداءَ فيهم قسوة فكان لابد أن يحطم حصونهم ليصل إليهم ويمنع ضررهم للمسلمين ، وليس في ذلك تخريب لذات التخريب ، وإنما هي الضرورة الحربية ، وإذا كانت النفوس قد أبيحت في الحروب لضرورة الغلب ودفع الاعتداء ، أفلا يجوز هدم الحصون لهذه الضرورة نفسها أما قطع كروم الطائف ، فلأنهم كانوا يتخذونها في عمل الخمر ، و يظهر أن النبي e أمر بالقطع ، ولم يقطع أصلا ، أو قطع قدرا ضئيلا ، وذلك لحملهم على التسليم ، بدل الاستمرار في القتال ، وبذلك تحقن الدماء ، ولذلك سلموا بمجرد أن رأوا في المسلمين أنهم اعتزموا قطعها والمعاملة بالمثل مع التقوى والفضيلة والأخلاق في الحرب إذا كان العدو منطلقا من كل القيود والأخلاق لا ينطلق المسلمون من تلك القيود ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) . وتقوى الله تعالى قوامها الاستمساك بالفضيلة ، فالمعاملة بالمثل يجب أن يكون في دائرة الفضيلة الإنسانية ، واحترام الكرامة للإنسان لذات الإنسان .
3- فإذا بدأ الأعداء يمثلون بالقتلى من المسلمين ، فإنه لا يسوغ للمسلمين أن يمثلوا بالقتلى ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام في حمزة بن عبد المطلب ، وقد حز في نفسه عليه الصلاة و السلام قتله والتمثيل بجثته ، وتوعد الرسول بالتمثيل انتقاما لعمه ولكن الله أنزل آيات تمنع ذلك ومع ذلك لم يفكر عليه السلام في أن يمثل بأحد من قتلاهم ولا الاعتداء على الشيوخ والضعفاء فإنه لا يباح لجيش الإيمان أن يقلدهم ، وإذا كان الأعداء يعذبون الأسرى من المسلمين بالجوع والعطش ، فإنه لا يباح لجيش الإسلام أن يعذب بالجوع والعطش ، وإذا كان الأعداء يقتلون الأسرى ، فإنه لا يجوز لجيش محمد الكريم e أن يقتل الأسرى ، إلا إذا كانوا مجرمى حربٍ وأن الإسلام قد كرم الأسرى ، وفي القرآن نصوص تعتبر إطعام الأسير من أكرم البر ويذكر أنه صفة من صفات المؤمنين فيقول سبحانه في صفات المؤمنين الأبرار ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) والأسير يعامل معامله الأخ لأن أسره يؤدى إلى انكساره. .
4- وفى المقررات الشرعية أنه إذا كان العدو ينتهك الأعراض ، فإن جيش الفضيلة لا يعامله بمثلها ، لأن الأعراض حرمات الله تعالى لاتباع في أرض ، ولا يختلف التحريم فيها باختلاف الأشخاص ، أو الأجناس أو الأديان .
5- وإن كان جيش الأعداء يقوم بالقتل وبالتجويع ومنع الماء بالتعطيش ، فإن ذلك ليس من تكريم الإنسانية ، ولو فعل العدو ذلك لا يجوز ، لأن المحاكاه لا تكون في أحط الرذائل ، ونهى عن تعذيب القتلى ، بل كان يقول عليه الصلاة والسلام " فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ " وأنه فى سبيل احترام الكرامة الإنسانية والفضيلة – كان ينهى عن سلب أموال المقاتلين ، ، فان الكرامة وصف للمقاتل في ميدان القتال كما هي وصف له في أزمان السلم ، وإذا لا يصح أن يسلب في الحرب ، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " مَنْ انْتَهَبَ نُهْبَةً فَلَيْسَ مِنَّا" ويقول" لَيْسَ مِنَّا مَنِ انْتَهَبَ، أَوْ سَلَبَ، أَوْ أَشَارَ بِالسَّلَبِ " وأنه والحرب قائمة عنيفة نهى عن تشويه الوجوه ، فإن ذلك ليس من حسن القتلة ، وليس من المروءة ، وهو اعتداء على الكرامة الإنسانية ، إذِ الوجه هو مجمع المحاسن الإنسانية ، حرمة التمثيل بالأعداء في الحرب"لاَ تَغُلُّوا ، وَلاَ تَغْدِرُوا ، وَلاَ تُمَثِّلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا" وأنه في سبيل المحافظة على الكرامة الإنسانية لا تترك جثث قتلى بدون دفن كما فعل يوم بدر في القليب، حتى لا تنالها الذئاب أو سباع الأرض أو الطير ، يجب حماية أجسامهم من أن يمثل بها حيوان مفترس ، أو تنحط عليها سباع الطير تمزقها ." أَمَرَ رَسُولُ اللهِ e بِالْقَتْلَى أَنْ يُطْرَحُوا فِي الْقَلِيبِ، فَطُرِحُوا فِيهِ" ولقد نهى عليه الصلاة والسلام احتراماً لمعنى الإنسانية عن تعذيب الجرحى، لأن ذلك ليس من حسن القتال في شيء ، وأن فقد قوة المجروح عن المقاومة لا يسوغ قتله ، بل يبقى ليؤسر ، أو يفدى أو يمن عليه ، وذلك لاحترام الإنسانية ، ولأن القتال ليس القصد به إلا إخضاع شوكة العدو فلا يعتدى وأن احترام الكرامة الإنسانية ليبدو على أكمله في معاملة الأسرى.
6- أن الإسلام يحافظ على الكرامة الإنسانية في الحروب ، ولأنه لا يريد بالحرب إلا رد الاعتداء دعا إلى الرفق بالأسرى ، وقد أوصى أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسرى ، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الطعام ، فهذا أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير يحدثنا عما رأى قال: كنت في الأسرى يوم بدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالأسارى خيرًا»، وكنت في نفر من الأنصار, فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر، وأطعموني البُرَّ لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد اهتم الإسلام بأسرى الحرب ( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىإِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ) .ويرى من هذا أن النص القرآني يخير بين أمرين اثنين لا ثالث لهما ، إما أن يمن القائد أو ولى الأمر من المسلمين على الأسرى بالحرية ، وإما أن تفتدي الأمر بالمال ، أو بأسرى مثلهم من المسلمين ، وهذا ما يسمى الآن من العصر الحاضر تبادل الأسرى ، إذ إن الحنين إلى الحرية إذا كان حرا لا يخص بها إقليما دون إقليم ، ولا جنس دون جنس ، ولا أهل دين دون غيرهم ، لأن الحرية من طبيعة الإنسان ولقد روت الصحاح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما انصرف من غزوة بني المصطلق ومعهم (جويرية بنت الحارث) التي كانت من الأسرى ، وقد عاد رسول الله e إلى المدينة ، فأقبل أبوها( الحارث بن أبي ضرار) لفك أسرهها.. ولكن النبي e بعد أن حررهها وفك قيدهها طلب إليه يدها ، للنبي e ، وقد قالت أم المؤمنين عائشة راوية الخبر " وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله e تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس " أصهار رسول الله e، فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق، فلقد أعتق بها مائة من أهل بيت بني المصطلق، فما أعلم امرأة أعظم بركة على أهل بيت منها. " وقد انتظرت البشرية ما يزيد عن ألف وثلاثمائة وخمسين عامٍ حتى جاءت اتفاقيات جنيف بتقرير تلك المبادئ السامية، فنصت المادة الثالثة ـ وهي مادة مشتركة ـ في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949؛ على أنه [يحظر على أطراف النزاعات المسلحة أعمال العنف ضد الحياة والشخص، والاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص التحقير والمعاملة المزرية] . كما نصت على المعنى ذاته المادة السابعة والعشرون من الاتفاقية الرابعة فيما يتعلق بحماية الأشخاص المدنيين في الأرض المحتلة. وفي مثل هذه المعاني جاءت نصوص المادة السابعة والعشرين من اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 الخاصة بمعاملة الأسرى، وقررت الآتي:[تزود الدولة الحاجزة أسرى الحرب بكميات كافية من الملابس، والملابس الداخلية، والجوارب، بحيث تكون ملائمة لجو الإقليم الذي يقيم فيه الأسرى. وإذا كانت كساوى قوات العدو المسلحة التي تقع في يد الدولة الحاجزة مناسبة لجو الإقليم، يصير استعمالها لكساء أسرى الحرب].وأشارت المادة السادسة عشر من الاتفاقية نفسها إلى أن المعاملة الأفضل يجب أن تمنح بسبب الحالة الصحية للأسير، أو وفقاً لعمره أو مؤهله أو مهنته. وتطبيقاً لذلك نصت المادة الرابعة والأربعون من الاتفاقية ذاتها على أنه [يجب معاملة الضباط ومن في حكمهم من الأسرى بالاعتبار الواجب لرتبهم وسنهم].
7- عدم تشتيت شمل الأسر وحماية النساء والأطفال:
اعتبر الإسلام أن الأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع الإسلامي خاصة، والإنساني عامة، ولذلك وضع لها النظم والقواعد التي تكفل بناءها على أصول قوية، وتضمن لها في الوقت نفسه حرمتها وعدم تفككها أو تفرق شمل أعضائها، أو إلحاق الأذى بهم، خاصة النساء والأطفال الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. ولما كانت الحروب تنطوي عادة على احتمالات كبيرة لتصدع أركان الأسر، فقد حرص الإسلام على استمرار تماسك الأسرة وتوفير الحماية للنساء والأطفال والعاجزين بصفة عامة.ولم تتنبه الدول الأوربية "المتحضرة" إلى هذا الموضوع إلا بعد سلسلة طويلة من الحروب والانتهاكات البشعة لحقوق الإنسان وتمزيق شمل الأسر وقتل الأطفال والنساء والعجائز. وجاءت المادة الثانية والثمانون من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حماية المدنيين وقت الحرب لتنص على الآتي:
[يقيم أفراد العائلة الواحدة، وعلى الأخص الوالدان والأطفال، معاً طوال مدة الاعتقال في معتقل واحد... ويجوز للمعتقلين أن يطلبوا أخذ أطفالهم غير المعتقلين الذين يتركون دون رعاية عائلية ليعتقلوا معهم. ويقيم أفراد العائلة الواحدة المعتقلون ـ كلما أمكن ـ في نفس المبنى، ويخصص لهم مكان إقامة منفصلا عن باقي المعتقلين، مع التسهيلات اللازمة للمعيشة في حياة عائلية].كما نصت المادة الرابعة والسبعون من البروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف الأربع على جمع شمل الأسر المشتتة نتيجة المنازعات المسلحة. ونظم البروتوكول الأول لعام 1977 والملحق بأحكام اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وسائل استخدام القوة العسكرية وقيود هذا الاستخدام، ومن مواده: المادة 41 التي نصت على أنه "لا يجوز أن يكون الشخص العاجز عن القتال محلاً للهجوم. والمعروف أن الأسرى والجرحى يعتبرون عاجزين عن القتال".والمادة 76 التي نصت على أنه "يجب أن تكون النساء موضع احترام خاص، وأن يتمتعن بالحماية، لا سيما ضد الاغتصاب والإكراه على الدعارة" .
8- تحريم المُثلة بقتلى الحرب وتجريم الأعمال الثأرية:
حرم الإسلام المثلة (وهي التنكيل بجثث القتلى وإهانتها)، وجرم الأعمال الثأرية أثناء الحرب،خاصة ضد الآمنين من السكان المدنيين.وبعد قرون جاءت نصوص اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 بحظر المعاملة الثأرية ضد ضحايا النزاعات المسلحة. ونصت المادة العشرون من الاتفاق (البروتوكول) الأول لعام 1977 المكمل لأحكام اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 على أنه: [يحظر الردع ضد الأشخاص والأعيان] . بينما حظرت المادة التاسعة والأربعون من الاتفاقية الرابعة [قيام دولة الاحتلال بترحيل السكان المدنيين سواء فردياً أم جماعياً من الأرض المحتلة، كما حرمت على دولة الاحتلال أن تقوم بنقل بعض سكانها المدنيين إلى الأرض التي احتلتها].
9-منع النهب الذي كان يسود حروب الجاهلية " نهي الرسول e عن النهبة أيضاً, حيث روي عن رجل من الأنصار أنه قال : "خرجنا مع رسول الله في سفر فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد, فأصابوا غنماً فانتهبوها, فإن قدورنا لتغلي إذ جاء رسول الله يمشي فأكفأ - أي قلب - القدور بقوسه, ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ويقول « إِنَّ النُّهْبَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ الْمَيْتَةِ ». أَوْ « إِنَّ الْمَيْتَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ النُّهْبَةِ » ".وقد " نَهَى عَنْ النُّهْبَةِ وَالْمُثْلَةِ " ويجب أن نميز هنا بين "النهب" و"الغنائم" , إذ إن الأخيرة مشروعة ومحللة حسب نص قرآني.ومن الجدير بالذكر أن القانون الدولي الإنساني لا زال يجيز حتى الآن الاستيلاء على الغنائم الحربية (Butin de guerre).
10- منع الخيانة والغدر: حتى في حالة الشك بسوء نية العدو, فقد ورد في الآية الكريمة: " قال تعالى :(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ) .وفي مجال الحديث النبوي نجد وصية للرسول تمنع الخيانة والغدر حيث يقول:" اغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَمْثُلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا ".هذه هي التوجهات النبوية على عدم البغي والعدوان والغدر وأن الخيانة والغدر سببٌ من أسباب غضب الله عز وجل على عباده ، وعدم محبته لم . . قال جل وعلا (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) .بيان منهج التعامل مع أهل الغش والغدر والخيانة ، ومن نخشى غدرهم وخيانتهم ، فيأمرنا الله عز وجل في هذه الآية أن من خشينا منه الخيانة ننقض ما بيننا وبينه من عهد ونعلمه بذلك ، وألا نخونهم .
11- منع التدمير وإتلاف الأموال: كما أن القانون الدولي الإنساني المعاصر يمنع ما يسمى (التدمير المنهجي) تمنع شريعة الحرب في الإسلام مثل هذا التدمير أيضاً. ولذلك يمنع في الإسلام قطع الأشجار المثمرة , وإحراق النخيل وذبح شياه العدو وبقره وبعيره, إلا إذا كان ذلك مراعاة لضرورة حربية لإضعاف العدو وانتزاع الظفر به وذلك استناداً لرأي الإمام الأوزاعي رحمه الله. فأبو حنيفة يمنع قطع الأشجار والشافعي يمنع قتل الحيوان وقد نهى :salla-s: عن قطع الأشجار وبدون سبب .
12- إعطاء الأمان لمن يطلبه : إذا كانت الحروب الأوروبية لم تعرف حتى أوائل القرن العشرين وجوب احترام (طلب الأمان) الذي يمكن أن يطلبه بعض جند العدو , بحيث اضطر المتفاوضون في لاهاي عام 1899 لتضمين (لائحة الحرب البرية) نصاً يشجب لجوء قادة الجيوش المتحاربة للإعلان عن عدم قبول طلب الأمان, فإن الإسلام اعترف بهذا الحق وطبقه منذ ظهوره وذلك عملا بنص الآية الكريمة(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ) .
13- الانقطاع عن القتال إذا انقطع عنه العدو: إن الحرب في نظر الإسلام ليست غاية في حد ذاتها, وإنما هي سبيل لإحقاق الحق وإزهاق الباطل, ولذا يجب عدم الإصرار على مواصلة القتال إذا انقطع العدو عنه, وهذا نزولاً عند حكم الآية الكريمة: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) . ولكن فقهاء المسلمين أجازوا للأمير قتال جند العدو سواء كانوا مقبلين أم مدبرين حيث من الجائز أن يتظاهر العدو بالانسحاب كجزء من خطة عسكرية, وليس تسليماً منه وطلباً للصلح. كما أن الاستجابة للصلح مشروطة بإزالة العدو للأسباب التي دعت للحرب أصلاً, أو باستعداد لإزالتها على الأقل, وإلا أصبحت الاستجابة لطلب الصلح خضوعاً لإرادة العدو واعترافاً بالأمر الواقع.
14- خوض المعارك بروح إنسانية: حيث لا يجوز القتل إلا لسبب شرعي كما هو ثابت من نص الآية الكريمة(وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) . ويجب أن يكون القتل الشرعي ضمن أفضل الطرق وأكثرها إنسانية نزولا عند حكم الحديث الشريف " إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ، فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ " , وعلى هذا يمنع التعذيب حتماً : " أنا نبي الملحمة وأنا نبي المرحمة", وكذلك التمثيل بالجثث وذلك احتراماً لقدسية الميت وإنسانية الإنسان حيث يروى عن الرسول (ص) أنه "نهى عن المثلة " .والمعتقد أيضاً في رأي أغلبية الفقهاء أن إحراق الجثث بالنار أمر يتنافى مع الإسلام, لأنه تقليد من تقاليد الوثنية, ولا يستثنى من ذلك إلا الحالة التي تستوجب المصلحة العامة هذا العمل, كما في حالة الخوف من تفشي مرض الطاعون مثلاً. وعموماً يجب احترام إنسانية الإنسان وكرامته تنفيذاً لنص الآية : (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) حيث يقول الإمام الفخر الرازي في شرح هذه الآية : "النفس الإنسانية أشرف النفوس في هذا العالم, والبدن الإنساني اشرف الأجسام في هذا العالم" لا يجوز التمثيل به إذا ما قتله المسلم، أما أن يمثل به ويشوهه فيقطع آذانه وأنفه وأعضاءه .هذا لا يجوز حرمة لهذا الميت الكافر فضلاً عن المسلم.
المراجع
- أخرجه أبو داود في سننه حديث رقم 2614، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى(ج9:ص89)، وأخرجه زيد بن علي بن الحسين في مسند زيد (ج1:ص313). قال الألباني : ضعيف . ضعيف أبي داود (ص: 255) :2247
- الذّرَّية من الذّرَ بمعنى التَّفريْق ; لأن الله تعالى ذُرَّهم في الأرض [الفائق في غريب الحديث و الأثر 2/ 7]
- العُسَفَاء : الأجَرَاء . واحِدُهم : عَسِيف[النهاية في غريب الأثر 3/ 468، بترقيم الشاملة آليا]
- (صحيح)أخرجه أبو داود في سننه حديث رقم 2669، وأخرجه أحمد في مسنده حديث رقم 15562، وأخرجه ابن حبان في صحيحه حديث رقم 4791.
- دروس للشيخ الألباني (42 / 5، بترقيم الشاملة آليا)
- شرح معاني الآثار - الطحاوي (3 / 224)
- (صحيح) السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي (9 / 77) :18551 القضاء والقدر للبيهقي (2 / 64، بترقيم الشاملة آليا)
- الذُّرِّية : اسمٌ يَجْمعُ نَسل الإنسان من ذَكَرٍ وأنَثَى وقد تطلق على الزوجة
- جاوز : تعدى وتخطى
- ما بال كذا : ما شأنه
- الفطرة : السنة ، والخلقة الأولى ، والطبيعة السليمة لم تشب بعيب ، ودين الله : الإسلام
- يبين : يوضح ويفصح
- الأموال لابن زنجويه (1 / 139، بترقيم الشاملة آليا) :128 إسناده حسن رجاله ثقات عدا مبارك بن فضالة القرشي وهو صدوق يدلس ويسوي
- http://www.icrc.org/ara/resources/do...isc/5ntccf.htm
- سورة البقرة : 194
- سورة الإنسان : 8
- نظرية الحرب فى الاسلام محمد ابو زهرة ص43-44
- نظرية الحرب فى الاسلام محمد ابو زهرة ص 45
- (صحيح) أخرجه مسلم في صحيحه حديث رقم 1958، وأخرجه الترمذي في جامعه حديث رقم 1409.
- (صحيح.) أخرجه ابن ماجه في سننه حديث رقم 3937، وأخرجه أحمد في مسنده حديث رقم 13941,14055,14830,19426,19500,20095,20102، وأخرجه ابن حبان في صحيحه حديث رقم 5170، وأخرجه ابن ابي شيبة في مسنده حديث رقم 890، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير حديث رقم 315، وأخرجه الطحاوي في مشكل الآثار حديث رقم 1313. ) إسناده متصل ، رجاله ثقات
- (صحيح) أخرجه الحاكم في المستدرك (ج2:ص135)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير حديث رقم 12612، وأخرجه ابن الأعرابي في معجمه حديث رقم 2428، وأخرجه الحسن بن علي الجوهري في حديث أبي الفضل الزهري حديث رقم 494. إسناده حسن في المتابعات والشواهد رجاله ثقات وصدوقيين عدا قابوس بن أبي ظبيان الجنبي وهو مقبول.
- (صحيح)أخرجه الحاكم في المستدرك (ج4:ص528)، وأخرجه أبو عوانة في مسنده حديث رقم 6495، وأخرجه أبو بكر البزار في البحر الزخار بمسند البزار 10-13 حديث رقم 5273,6175، وأخرجه أبو يعلى في مسنده حديث رقم 1413، وأخرجه أبو حنيفة في مسنده رواية الحصكفي حديث رقم 2.
- نظرية الحرب في الإسلام ص47-48 للشيخ / محمد أبو زهرة
- إسناد( حسن) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير حديث رقم 146، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير حديث رقم 977، وأخرجه الطبري في التاريخ حديث رقم 566، وأخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة حديث رقم 6959.مسند خليفة بن خياط رقم 44
- سورة محمد :4
- نظرية الحرب في الإسلام محمد أبو زهرة ص49-50
- أخرجه السنن الكبرى للبيهقي وفي ذيله الجوهر النقي (9 / 74) :18535- موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (ص: 295) :1213- مختصر إرواء الغليل (ص: 236) :1212 - ( إسناده صحيح مرسل )
- http://www.arabhumanrights.org/publi...ocol1-77a.html
- http://www.icrc.org/ara/war-and-law/...onventions.htm
- http://www.icrc.org/ara/resources/do...isc/5ntce2.htm
- http://www.icrc.org/ara/resources/do...isc/5ntccf.htm
- ( القِدْرُ ) آنية يطبخ فيها وهي مؤنثة وجمعها قُدُور( المخصص ـ لابن سيده (1/ 464) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (2/ 492)
- ( صحيح ) أخرجه أبو داود في سننه حديث رقم 2705. السلسلة الصحيحة - مختصرة (4 / 236) :1673
- (صحيح) أخرجه البخاري في صحيحه حديث رقم 5516، وأخرجه أحمد في مسنده حديث رقم 18264,18266، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى(ج6:ص323)،
- سورة الأنفال : 58
- وغلا السهمُ يغلو غَلْواً، إذا رمى به إلى حيث بلغ.[جمهرة اللغة 2/ 108، بترقيم الشاملة آليا]
- سورة النساء : 107
- الحاوي في فقه الشافعي (14 / 191)
- محاسن الإسلام جعلتنى أحب أن أكون مسلما (ص: 14)
- سورة التوبة : 6
- سورة الأنفال : 61
- سورة الأنعام : 151
- ( صحيح ) أخرجه مسلم (6/72) وأبو داود (2815) والنسائى (2/207) والترمذى (1/264) والدارمى (2/82) وابن ماجه (3170) وابن أبى شيبة (11/47/2) والطحاوى (2/105) وابن الجارود (839 , 899) والبيهقى (8/60) والطيالسى (1119) وأحمد (4/123 , 124 , 125) مختصر إرواء الغليل (ص: 443) :2231 -
- ( صحيح ) أخرجه أبو داود في سننه حديث رقم 4364، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى(ج9:ص68)، وأخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار حديث رقم 4863,5373، وأخرجه البزار في البحر الزخار حديث رقم 3567، وأخرجه الروياني في مسنده حديث رقم 73،صحيح أبي داود ( 2393
- الإسراء : ( 70 )
- دروس للشيخ الألباني (44 / 5، بترقيم الشاملة آليا)