إن هذا هو ما قد حدث بالفعل بعد أكتشاف مخطوطات قمران والبحر الميت خلال عدة بعثات آثرية إستكشافية ، وخلال تلك الفترة وما بعدها تم العثور على العديد من اللفائف (Scrolls) والمخطوطات (Manuscripts) والقطع (Fragments) منها قطعة لنص سفر التثنية 4:27 تعرف بـ (Deut 27:4b-6). ويرجح العلماء أنها تعود إلى الفترة ما بين (35:175 قبل الميلاد). وقام بنشرها العالم "James H. Charlesworth" وذلك بتصريح من "جامعة أزوسا باسيفيك" [10] (Azusa Pacific University).



وبفحص القطعة تظهر
بوضح عبارة
"בהרגריזים - على جبل جرزيم" في موافقة لشكل ورسم التوراة السامرية :



النص المستنسخ للقطعة (Transcription) مع الترجمة [5] :



בהרגריזים = on Mount Gerizim = على جبل جرزيم

ولقد كان لإكتشاف هذه القطعة آثراً كبيراً على إعادة تشكيل الرؤية النقدية لهذا النص ، فوافق معظم علماء النقد النصي المعاصرين على الرأي القائل بأن القراءة الأصلية الأقدم والأصح هي قراءة التوراة السامرية "בהרגריזים - على جبل جرزيم" ، وأن من حرف أسم الجبل من جرزيم إلى عيبال هم اليهود العبرانين في توراتهم ، ومن هؤلاء العلماء :

العالم "James H. Charlesworth" نفسه حيث يقول :

Copying scribes altered the text in good faith in the attempt to restore the correct reading and to remove possibilities of misunderstanding. They sought to serve the circle of Jews for whom the copy was intended. I suggest that our fragment preserves the original reading and indicates that the MT and related textual traditions reflect alterations.[5]

ترجمة : حرف النساخ النص بحسن نية بهدف إعادة القراءة الصحيحة ولإزالة إحتمالات الإلتباس. فقد سعوا لخدمة دائرة اليهود التي كان مُعَد منها الناسخ. فأنا أقترح ان هذه القطعة تحفظ القراءة الأصلية وتدل على أن النص الماسوري وما ينتمي له من النصوص التقليدية تعكس التحريقات.

ويرجح العالم "Eugene Ulrich" نفس الفكرة ، فيقول :



Then only at a third level did the replacement of “Mount Gerizim”with the odd and problematic “Mount Ebal”occur; it can be explained only as a hasty and ill-thought-out polemical reaction against “Mount Gerizim.[11]

الترجمة : فقط في المرحلة الثالثة قد تم إستبدال "جبل جرزيم" بالقراءة الإشكالية الشاذة "جبل عيبال"; ولا يفسر ذلك إلا تسرع وسوء فكر وإعتقاد ورد فعل إنفعالي تجاه "جبل جرزيم".

ويقول العالم "جوزيف زسينجيللير"[12] (Jozsef Zsengeller) :



ترجمة : علينا أن ندرك أن قراءة النص الماسوري لسفر التثنية 4:27 "בהר עיבל - على جبل عيبال" بكل تأكيد هي تصحيح أيدلوجي ، في مقابل النص التاريخي الأصلي "בהרגריזים - على جبل جرزيم" والمحفوظ في التوراة السامرية واللاتينية القديمة. [13]

وآخيرا يقدم العالم "جان دوسيك"[14] (Jan Dušek) مختصر الموقف الحالي لعلماء النقد النصي من القراءة الأصلية لهذا النص :



الترجمة : أشتبه العلماء لفترة ان نسخة التوراة السامرية هي الأصلية وان النص الماسوري يعكس تحريفاَ جدلياَ ضد السامريين. هذا هو الرأي المقبول بين أغلب العلماء اليوم. فقراءة "جبل جرزيم" بدلا من "جبل عيبال" موثقة ومشهود لها في ثلاثة نسخ قديمة : في النص اليوناني لأحد نسخ السبعينية ضمن "برديات جيسين" (Papyrus Giessen) ، وفي الترجمة اللاتينية القديمة (Vetus Latina) وآيضا في إحد القطع العبرية لنص التثنية 27: 4-6 المكتشفة تقريبا في الكهف الرابع لقمران.

ـ وإذا تكلمنا بدقة أكثر فإن إكتشاف هذه القطعة لنص سفر التثنية 4:27 ضمن مخطوطات قمران لم يكن وحده المكون الأساسي لآراء هؤلاء العلماء ، بل كان تأكيدا لآرائهم النقدية السابقة من خلال سياق النصوص التي تؤكد أن النص ولابد أن يقرأ "בהרגריזים - على جبل جرزيم" بدلاً من القراءة المحرفة الحالية "בהר עיבל - على جبل عيبال" ، حيث أن الكتاب المقدس قد أكد أن البركة كانت على جبل جرزيم بينما كانت اللعنة على جبل عيبال كما جاء في نص : سفر التثنية 11: 29 وَإِذَا جَاءَ بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكِيْ تَمْتَلِكَهَا،فَاجْعَلِ الْبَرَكَةَ عَلَى جَبَلِ جِرِزِّيمَ، وَاللَّعْنَةَ عَلَى جَبَلِ عِيبَالَ. ولا يعقل مطلقا أن يأمر الرب ببناء المذبح على جبل اللعنة عيبال وليس جبل البركة جرزيم!

تقول البروفيسورة "كريستين دي تروير"[15] (Kristin De Troyer) :



That the altar was built on Mount Ebal might seem strange. After all, Mount Ebal has been associated with the curses that the Israelites uttered at the event of the covenant-renewal ceremony of Deut 11:29 (see also Deut 27:13). [16]

ترجمة : بناء المذبح على جبل عيبال ربما يبدوا غريبا. ففي النهاية جبل عيبال دائما ما يلصق باللعنات التي اطلقها الإسرائيليون في إحتفال تجديد العهد في التثنية 29:11 وآيضا التثنية 13:27.

ويقول المفسر الأشهر "آدم كلارك" (Adam Clarke) في تفسيره لنص التثنية 4:27 :

Many still think Dr. Kennicott's arguments unanswerable, and have no doubt that the Jews have here corrupted the text through their enmity to the Samaritans.

ترجمة : لايزال يعتقد الكثير بأن حجة العالم (Dr. Kennicott) مفحمة وبلا جواب ، ولا يوجد شك بأن اليهود هنا قد حرفوا النص بسبب عدائهم للسامريين.

ومما سبق يتضح أن : أغلب علماء النقد النصي اليوم على إتقاق بأن القراءة الأصلية للنص هي قراءة النص السامري "בהרגריזים - على جبل جرزيم" والتي قد شهد لها النص اللاتيني القديم (Vetus Latina) وأحد برديات الترجمة السبعينية ، ثم الدليل الأقوى وهو شهادة أحد قطع مخطوطات قمران (Deut 27:4b-6). وفي نفس السياق أقر أغلب علماء النقد النصي بتحريف النص العبري المتأخر الذي يقرأ "בהר עיבל - على جبل عيبال" ،ولذلك لعدة شواهد :أولها الدليل النصي : الذي شهد ضد قراءة النص العبري المخالف للنصوص والترجمات الأقدم ، وثانيها الدليل التاريخي : متمثلاً في سياق النصوص التي دائما ما تربط بين "جبل عيبال" ولعنات بني إسرائيل عليه ، مما يجعل الأمر مستحيلاً عقلاً أن يأمر الرب ببناء مذبح على جبل اللعنة "عيبال" دون جبل البركة "جرزيم"!

ـ أهمية هذه البحث والمستفاد من دراسة هذا النوع من التحريف؟

آولا : إثبات تحريف كتبة ونساخ اليهود لكتابهم المقدس على مر العصور حيث تتعد أشكال وأسباب هذا التحريف بين الاختلافات الأيدلوجية والفكرية والعقائدية والسياسية ، وتحريف نص سفر التثنية 4:27 يعتبر أحد هذه الأمثلة العديدة والتي يمتلئ بها الكتاب المقدس وإعاننا الله تعالى على إكتشاف البعض منها ، بينما يظل الجانب الأكبر خفياً لعدم وجود أي نص او مخطوطة أصلية للكتاب المقدس وذلك بإعتراف كافة العلماء والباحثين ، فيشير "قاموس الكتاب المقدس" على سبيل المثال لهذه الحقيقة حيث يقول :

"وقد كتبت المخطوطات الاصلية للعهد القديم أما باللغة العبرانية أو باللغة الارامية، وكتبت المخطوطات الاصلية للعهد الجديد باللغة اليونانية. ولكن لا توجد لدينا الآن هذه المخطوطات الاصلية التي دونها كتبة الاسفار المقدسة، إلا أنه توجد آلاف المخطوطات التي هي نسخ من اسفار العهدين القديم والجديد." [17]

ثانيا :الرد على الإدعاء القائل بإستحالة تحريف الكتاب المقدس بدعوى إنتشاره حول العالم ، فيقول "الأنبا بيشوي مطران دمياط": "كيف يستطيع أحد بعد ذلك أن يجمع كل هذه النسخ المنتشرة في أنحاء العالم ليحرّف فيها؟!" [18] ويقول آخر : "الكتاب المقدس فريد في انتشاره وتوزيعه: إذ يفوق توزيعه أي كتاب آخر بعشرات المرات فقد تم توزيع الكتاب المقدس في عام 1998م 20.751.515 نسخة كاملة في 2212 لغة ولهجة."[19]

وقد رأينا كيف يمكن للتحريف أن يكون مبكراً وأن يُعَمم على كافة النصوص والترجمات القديمة والمنتشرة للكتاب المقدس وخصوصا النصوص ذات التقليد المشترك. فقد إنتشرت قراءة النص العبري المحرفة "
בהר עיבל - على جبل عيبال" إلى تقريبا كافة النصوص والترجمات القديمة من "النص الماسوري" إلى "السبعينية" إلى "الفولجاتا" إلى "الترجومات" إلى "البشيطا" .... إلخ.

وصدق الله العظيم فيما أخبر نبيه الامي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم : {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة : 75]



المصادر :

[1] : قاموس الكتاب المقدس - شرح كلمة - التوراة السامرية

[2] :
دائرة المعارف الكتابية - السامرة – التوراة السامرية

[3] :
الكتاب المقدس - طبعة الأباء اليسوعيين

[4] : "جيمس تشارلزورث" (James H. Charlesworth) : بروفيسور العهد الجديد ومدير مشروع مخطوطات البحر الميت لمعهد برينستون اللاهوتي. http://goo.gl/EkYIV

[5] : Announcing a Dead Sea Scrolls Fragment of Deuteronomy
http://www.ijco.org/?categoryId=84964&itemId=193993

[6] :The Comprehensive Aramaic Lexicon

[7] : Pentateuchal Targumim, The Targums of Onkelos and Jonathan Ben Uzziel, On the Pentateuch With The Fragments of the Jerusalem Targum From the Chaldee, by J. W. Etheridge, M.A., First Published 1862

[8] : "يوجين أولريش" (Eugene Ulrich) : أستاذ العهد القديم واللاهوت في جامعة نوتردام ، ورئيس تحرير النصوص الكتابية لمخطوطات قمران والبحر الميت واحد المحررين لمشروع النشر الدولي لمخطوطات قمران. http://goo.gl/SvWuB ، http://goo.gl/Ibxop

[9] : Textual Criticism and Dead Sea Scrolls Studies in Honour of Julio Trebolle Barrera, P. 361

[10] : "جامعة أزوسا باسيفيك" (Azusa Pacific University) : أحد أشهر الجامعات المسيحية الخاصة تم تأسيسها فى العام 1899 ، وتقع في مجمّع سان جابرييل فالي لأزوسا. يعتبر المقر الغربي للجامعة مخصصا لكلية التمريض ، والعلوم التطبيقية والسلوكية ، والتربية ، وكلية اللاهوت. http://www.apu.edu/about/ ، http://goo.gl/NhRjX ، http://goo.gl/va02y

[11] : Studies on the Texts of the Desert of Judah, VOLUME 92 : The Dead Sea Scrolls Transmission of Traditions and Production of Texts, P. 222.

[12] : "جوزيف زسينجيللير" (Jozsef Zsengeller) : حاصل على الدكتوراة في اللاهوت عام 1998 ، وأستاذ العهد القديم في أكاديمية الإصلاح اللاهوتي بالمجر. http://goo.gl/OykkJ


[13] : Samaria, Samarians, Samaritans: Studies on Bible, History and Linguistics (Studia Samaritana), P. 28

[14] : "جان دوسيك" (Jan Dušek) : حاصل على الدكتوراة في التاريخ وآثار العالم القديم عام 2005 ، ويعمل ياحثاً في مركز دراسات الكتاب المقدس التابع لأكاديمية العلوم في الجمهورية التشيكية وجامعة تشارلز في براغ. http://goo.gl/rv131


[15] : "كريستين دي تروير" (Kristin De Troyer) : أستاذة العهد القديم بجامعة سانت ماري ، مدرسة اللاهوت بجامعة سانت أندروز في المملكة المتحدة. http://goo.gl/3NlYP


[16] : Reading the Present in the Qumran Library: The Perception of the Contemporary by Means of Scriptural Interpretations, P. 156

[17] : قاموس الكتاب المقدس شرح كلمة - مخطوط | مخطوطة | مخطوطات

[18] : كتاب سلسلة محاضرات تبسيط الإيمان - الأنبا بيشوي مطران دمياط - 54- كيف يمكن تحريف الأنجيل؟!

[19] :
سنوات مع إيميلات الناس! أسئلة عن الكتاب المقدس - هل تم تحريف كتاب الله عز وجل؟! - سؤال: كتابكم المقدس مُحَرَّف!