كلمة إلـى الدعـاة
مـن مقومـات النجـاح فـي تكـوين الداعيـة


إن الداعية الحق شخصية متميزة فهو كالمنارة الهادية من بُعد لمن ضل أو حار، وهو كالظل الوارف لمن لفحه حر الشمس والمسير في الهجير، وبالتالي فهو نقطة تجمع بالنسبة للمدعوين، ولذا فإنه يحتاج إلى أن يتحلى برحابة الصدر وسماحة النفس ليستوعب الناس ويستميلهم للخير والحق فالناس بحاجة إلى كنف رحيم، وإلى رعاية فائقة، وإلى بشاشة سمحة، وإلى ود يسعهم، وحلم لايضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم، في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولايحتاج منهم إلى عطاء، ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه، ويجدون عنده دائما الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضا.
الأسوة الحسنة: وهكذا كان قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا كانت حياته مع الناس، ما غضب لنفسه قط ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، ولا احتجز لنفسه شيئا من أعراض هذه الحياة، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية، ووسعهم حلمه وبره وعطفه ووده الكريم، وما من واحد منهم عاشره أو رآه إلا امتلأ قلبه بحبه، نتيجة لما أفاض عليه صلى الله عليه وسلم من نفسه الكبيرة والرحيبة.
اختلاف الناس: والناس مشاربهم شتى، وسلوكياتهم متباينة، واحتياجاتهم كثيرة، واستفزازاتهم مثيرة، وهذا لابد أن يقابله الداعية بالاحتمال، لأن الاحتمال ـ كما قيل ـ قبر المعايب.
وهذه الخصيصة مهمة في تكوين الداعية، يحتاج أن يجتهد في اكتسابها لأنها وقود محرك له في دعوته كما أنها ترفع كفاءة القبول، وتكبح جماح الانفعالات النفسية ذات الآثار السلبية، وتتجلى هذه الخصيصة في عدد من الخلال توضحها وتبين أثرها ومن أهمها:
أولا الرحمة والشفقة: إن الداعي لابد أن يكون ذا قلب ينبض بالرحمة والشفقة على الناس، وإرادة الخير لهم والنصح لهم، ومن شفقته عليهم دعوتهم إلى الإسلام، لأن في هذه الدعوة نجاتهم من النار وفوزهم برضوان الله تعالى، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، وأعظم ما يحبه لنفسه الإيمان والهدى فهو يحب ذلك لهم أيضا، وهذا الشعور الغامر بالشفقة على الناس يبعث في النفس الحزن والأسى على حال المعرضين والعاصين، ويتولد إثر ذلك قوة نفسية دافعة لاستنقاذهم من الخطر المحدق بهم، وما أبلغ وأدق النص القرآني في بيان هذه الصفة عند الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم "فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا" وقوله: "لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين" فهذه نفس الرسول صلى الله عليه وسلم ملئت رحمة وشفقة على هؤلاء حتى كاد يهلك نفسه وهو يدعوهم ويحرص على هدايتهم، ثم يخالط مشاعره الحزن عليهم والأسى لهم.
إن الداعية ينظر إلى المدعوين نظرة الطبيب إلى مرضاه، يرحمهم ويشفق عليهم لعلمه بدائهم وخطورته، ويتلطف في علاجهم، وإن رأى منهم عزوفا عن الدواء لصعوبته أو مرارته هاله الأمر واحتال بكل الطرق لتوصيل الدواء، وإقناعهم بضرورة تناوله، ولايمكن أن يتركهم وشأنهم بحجة أنهم هم المفرطون، وهكذا فإن الداعي الرحيم لايكف عن دعوته ولايسأم من الرد والإعراض لأنه يعلم خطورة عاقبة المعرضين العصاة، وأن إعراضهم بسبب جهلهم، فهو لاينفك عن إقناعهم وإرشادهم، فالرحمة ـ كما ترى ـ باعث دافع ومحرك للدعوة استنقاذاً للناس من الهلاك، وهي في الوقت نفسه عامل استمرار وإصرار وتوسيع لدائرة الاستيعاب والتأثير رغم الصد والإعراض.
ولاينبغي أن تفهم الرحمة على أنها لين وتهاون بل تأتي الرحمة أحيانا كثيرة في ثنايا الحزم وفي أعطاف الشدة التي تهدف لصالح المدعو، كما قد يشتد الطبيب مع مريضه الذي لا يدرك خطورة مرضه وعظمة الخطر في ترك التداوي أو التقصير فيه، فليست الرحمة حنانا لا عقل معه، أو شفقة تتنكر للعدل والنظام، كلا إنها عاطفة ترعى هذه الحقوق جميعا.
يوم أُحــد
وفي يوم أحد عندما شج وجهه الشريف، وكسرت رباعيته، ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه، وبينما الدم يسيل على وجهه يقول عليه الصلاة والسلام: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
ثانيا الحلم والأناة: في مسيرة الدعوة تمر بالداعية أحداث مثيرة، وأفعال مستفزة، والناس ـ باختلاف طبائعهم ـ تختلف مواقفهم إزاء المثيرات التي تعمل على دفعهم نحو الرعونة والطيش، فمنهم من تستخفه التوافه فيستحمق على عجل، ومنهم من تستفزه الشدائد فيبقى على وقعها الأليم محتفظا برجاحة فكره وسجاحة خلقه، والحلم فضيلة خلقية نافعة.. تقع في قمة عالية دونها منحدرات، بخلاف العجلة فإنها تعرضه للكثير من الأخطاء والإخفاق، وتعرضه للتعثير والارتباك، ثم تعرضه للتخلف من حيث يريد السبق، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وبخلاف التباطؤ والكسل فهو أيضاً يعرض للتخلف والحرمان من تحقيق النتائج التي يرجوها، وقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم الأشج فقال: "إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله : الحلم والأناة".
ثالثا العفو والصفح: ومن مستلزمات الحلم الذي فيه كظم للغيظ وضبط للغضب، ثم الأناة التي فيها تبصّر بالأمور وتأنًّ في التصرف، مع الاستناد للرحمة بالجاهلين، كل ذلك يثمر العفو والصفح، لأن القلوب الكبيرة قلما تستجيشها دوافع القسوة فهي أبداً إلى الصفح والحنان أدنى منها إلى الحفيظة والاضطغان، ومادام الداعي المسلم ينظر إلى من يدعوهم نظرة الرحمة والشفقة عليهم فإنه يعفو ويصفح عنهم في حق نفسه، قال تعالى: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين".
وإذا كان هذا هو شأن الداعي المسلم بالنسبة لمن يدعوهم ويحتمل صدور الأذى منهم فإن عفو الداعي وصفحه عن أصحابه أوسع، قال تعالى: "فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر".
وعندما وقعت حادثة الإفك، كان وقعها على آل أبي بكر شديدا، فلما نزلت البراءة حلف أبوبكر رضي الله عنه ألا ينفق على مسطح بن أثاثة فأنزل الله في ذلك قوله تعالى: "ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم".
والداعية الذي يهدف إلى استمالة القلوب وهدايتها لايقسو، لأن القسوة التي استنكرها الإسلام جفاف في النفس لايرتبط بمنطق ولا عدالة، وهذا أمر مشاهد حيث نرى أن من كان سمح النفس يستطيع أن يظفر بأكبر قسط من محبة الناس له، وثقة الناس به، لأنه يعاملهم بالسماحة والبشر ولين الجانب، والتغاضي عن السيئات والنقائص، فإذا دعاه الواجب إلى تقديم النصح كان في نصحه رقيقاً ليناً.
وبعض الدعاة ممن لا يتحلون في أنفسهم بهذه السمة تجدهم يندفعون مع أدنى خطأ أو أقل عثرة، وإذا بهم يدعون بالويل والثبور وعظائم الأمور، وكثيرا ما يواجهون الناس بالأحكام الدامغة الخطيرة من الفسق أو الابتداع أو التساهل ونحو ذلك، وهؤلاء كثيرا ما يستزلهم الشيطان بهذه الحمية الزائفة التي لاتأتي في موضعها الصحيح، والشيطان ينفخ في حميتهم بأن الحق أحق أن يتبع، وبعض هؤلاء ـ وللأسف ـ يندفعون أحيانا خوفا من أن يتهموا بعدم الغيرة أو التميع والتساهل، ولايفهم من قولي أن كل فاعل لذلك مذموم، ولا أن كل موقف يقتضي الحلم واللين فقد أشرت فيما سبق إلى ما ينقض هذا الفهم ولكني أنوِّه إلى صور في الواقع ناشئة من أفهام قاصرة وممارسات خاطئة.


بقلم : د. علــي بادحـدح