فواجب العلماء إذًا أن يجاهدوا في التصفية والتربية، وذلك بتعليم المسلمين التوحيد الصحيح وتصحيح العقائد والعبادات، والسلوك، كل حسب طاقته وفي البلاد التي يعيش فيها؛ لأنهم لا يستطيعون القيام بجهاد اليهود في صف واحد ما داموا كحالنا اليوم، متفرقين، لا يجمعهم بلد واحد ولا صف واحد، فإنهم لا يستطيعون القيام بمثل هذا الجهاد لصد الأعداء الذين تداعوا عليهم، ولكن عليهم أن يتخذوا كل وسيلة شرعية بإمكانهم أن يتخذوها؛ لأننا لا نملك القدرة المادية، ولو استطعنا، فإننا لا نستطيع أن نتحرك فعلا؛ لأن هناك حكومات وقيادات وحكامًا في كثير من بلاد المسلمين يتبنون سياسات لا تتفق مع السياسة الشرعية - مع الأسف الشديد - لكننا نستطيع أن نحقق - بإذن الله تعالى - هذين الأمرين العظيمين اللذين ذكرتهما آنفًا وهما التصفية والتربية، وحينما يقوم الدعاة المسلمون بهذا الواجب المهم جدًّا في بلد لا يتبنى سياسة لا تتفق مع السياسة الشرعية، ويجتمعون على هذا الأساس، فأنا أعتقد - يومئذ- أنه سيصدق عليهم قول الله عز وجل: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} {بِنَصْرِ اللَّهِ} (الروم: من الآية 4-5) .
الواجب على كل مسلم أن يطبق حكم الله في شئون حياته كلها فيما يستطيعه:
إذًا، واجب كل مسلم أن يعمل ما باستطاعته، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وليس هناك تلازم بين إقامة التوحيد الصحيح والعبادة الصحيحة، وبين إقامة الدولة الإسلامية في البلاد التي لا تحكم بما أنزل الله؛ لأن أول ما يحكم بما أنزل الله -فيه- هو إقامة التوحيد، وهناك - بلا شك - أمور خاصة وقعت في بعض العصور وهي أن تكون العزلة خيرًا من المخالطة، فيعتزل المسلم في شعب من الشعاب ويعبد ربه، ويكف من شر الناس إليه، وشره إليهم، هذا الأمر قد جاءت فيه أحاديث كثيرة جدًّا وإن كان الأصل كما جاء في حديث ابن عمر - رضي الله عنه -: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم " (1) .
فالدولة المسلمة - بلا شك - وسيلة لإقامة حكم الله في الأرض، وليست غاية بحد ذاتها.
ومن عجائب بعض الدعاة أنهم يهتمون بما لا يستطيعون القيام به من الأمور، ويدعون ما هو واجب عليهم وميسور! وذلك بمجاهدة أنفسهم كما قال ذلك الداعية المسلم؛ الذي أوصى أتباعه بقوله: " أقيموا دولة الإسلام في نفوسكم تقم لكم في أرضكم"
ومع ذلك فنحن نجد كثيرًا من أتباعه يخالفون ذلك، جاعلين جُل دعوتهم إلى إفراد الله عز وجل بالحكم، ويعبرون عن ذلك بالعبارة المعروفة: " الحاكمية لله ". ولا شك بأن الحكم لله وحده ولا شريك له في ذلك ولا في غيره، ولكنهم؛ منهم من يقلد مذهبًا من المذاهب الأربعة، ثم يقول - عندما تأتيه السنة الصريحة الصحيحة -: هذا خلاف مذهبي! فأين الحكم بما أنزل الله في اتباع السنة؟!.
ومنهم من تجده يعبد الله على الطرق الصوفية! فأين الحكم بما أنزل الله بالتوحيد؟! فهم يطالبون غيرهم بما لا يطالبون به أنفسهم، إن من السهل جدًّا أن تطبق الحكم بما أنزل الله في عقيدتك، في عبادتك، في سلوكك، في دارك، في تربية أبنائك، في بيعك، في شرائك، بينما من الصعب جدًّا أن تجبر أو تزيل ذلك الحاكم الذي يحكم في كثير من أحكامه بغير ما أنزل الله، فلماذا تترك الميسر إلى المعسر؟! .
هذا يدل على أحد شيئين: إما أن يكون هناك سوء تربية، وسوء توجيه.
وإما أن يكون هناك سوء عقيدة تدفعهم وتصرفهم إلى الاهتمام بما لا يستطيعون تحقيقه عن الاهتمام بما هو داخل في استطاعتهم، فأما اليوم فلا أرى إلا الاشتغال كل الاشتغال بالتصفية والتربية ودعوة الناس إلى صحيح العقيدة والعبادة، كل في حدود استطاعته، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها
، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد عليه وآله وسلم.
_________
(1) حديث صحيح: رواه الترمذي (2507) ، وابن ماجه (4032) ، والبخاري في الأدب المفرد (388) ، وأحمد (5 / 365) ، من حديث شيخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصححه الألباني في الصحيحة (939)
قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)
قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .
قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).
المفضلات