• وكذلك روى البخاري وغيره حديثًا مهمًّا في باب "الغيرة" يتضمَّن عددًا من الدروس والحِكَم البليغة وضوابط خروج المرأة من المنزل للعمل أو لغير ذلك من الضرورات.
يحكى الحديث قصة وقعت للسيدة أسماء بنت أبى بكر الصديق - رضي الله عنهما - كانت أسماء زوجة للزبير بن العَّوام - رضي الله عنهما - وهاجرت لتعيش معه فى المدينة؛ حيث لم يكن لهما أى مال سوى جمل يجلب عليه الماء من بئر بعيدة إلى البيت، وفرس يركبه للقتال والسفر مع النبى - صلى الله عليه وسلم - كان الزبير يسعى خارج البيت فى طلب الرزق، بينما تقوم أسماء بالأعمال المنزلية ومنها عَلْف - إطعام - الفرس. ونظرًا لضيق الحال كانت تخرج وتمشى حوالى ثلاثة كيلومترات إلى قطعة أرض صغيرة أعطاها النبى - عليه السلام - للزبير، لتحضر منها نوى التمر إلى البيت لتطحنه وتعلف به الفرس. وذات مرة كانت أسماء تحمل النوى على رأسها عائدة إلى البيت فقابلها النبى - صلى الله عليه وسلم - ومعه بعض أصحابه، فأناخ ناقته لتركب أسماء خلفه رحمة بها من ثقل ما تحمل على رأسها. لكن أسماء استحت، وتذكرت شدَّة غيرة زوجها الزبير - رضي الله عنه - وكان أغير الناس بنصِّ كلام أسماء- عند البخاري - وأدرك النبي - عليه السلام - بفطنته الأمر فمضى بغير كلام معها وتركها وشأنها. وعندما جاء زوجها الزبير حكت له ما جرى وأنها أبت الركوب مع النبى - صلى الله عليه وسلم - تجنبًا لإثارة غيرته، فقال لها الزبير: والله لحملك النوى كان أشد علىَّ من ركوبك معه. وأضافت أسماء أن أباها أرسل إليها بعد ذلك خادمًا لرعاية وإطعام الفرس فأراحها من هذا العناء، وعلى حد وصفها "فكأنما أعتقنى" تعني أنه أراحها من عمل شاق كالعبيد خارج البيت.
من هذا الحديث يمكن إيجاز بعض الضوابط ليس لعمل المرأة فقط بل لخروجها من البيت لأية حاجة:
1- لم تخرج أسماء لإحضار النوى من أرض بعيدة عن البيت - ثلاثة كيلومترات - إلا لأن الزبير لم يكن موجودًا، ولا مفرَّ من إطعام الفرس بهذا النوى الذى تجلبه من هذا المكان، كما أنها لم تستغرق من الوقت إلا القدر الضرورى فقط لإنجاز المهمة دون زيادة. وبطبيعة الحال فإن ابنة أبى بكر لا شكَّ أنها كانت تخرج بكل الوقار والاحتشام مرتدية حجابا كاملا يغطى كل شيء.
2- لم تتحدث السيدة أسماء مع أحد من الرجال الأجانب، ولا تحدث معها أحد من الصحابة الذين كانوا برفقة النبى - صلى الله عليه وسلم - بل هي لم تتحدث حتى مع النبى المعصوم الذى هو فوق مستوى الشبهات، وهو زوج أختها، ورغم كل هذا استحت كما قالت بالنص: "فاستحييت أن أسير مع الرجال"، كما احترمت مشاعر زوجها - رضي الله عنه - وراعت غيرته فى غيابه كما لو كان حاضرًا بالضبط. والزبير هو ابن عمة النبى - عليه السلام - وهو أيضًا أحد السابقين الأولين والعشرة المبشرين بجنات النعيم - وما كان مثل هذا الصحابى الجليل ليشك لحظة أو أقل من ذلك فى صاحب الخُلُق العظيم، تماما كما قال عمر - رضي الله عنه - في حديث للبخاري في ذات الباب (الغيرة): "بأبي أنت وأمي يا نبي الله.. أو عليك أغار؟"؛ أي: هل أغار منك وأنت أعف وأطهر وأعظم البشر؟!!
3- ورغم أن النبى معصوم، وهو كالأب للأمة، إلا أنه يعلمنا احترام خصوصية النساء اللاتى تضطرهن الظروف للخروج لعمل أو علاج أو غير ذلك، وأنه لا مبرر للاختلاط، بل ينبغي ترك النساء فى حالهن. وليس كما نرى هذه الأيام النَّحِسات من ثرثرة ومزاح ونِكَات ومخالفات تقع من الموظفين والموظفات!!!
وهكذا تركها النبي - عليه السلام - تمضى لشأنها بلا كلام، كما أنه راعى بدوره غيرة زوجها، وأقرَّ بذلك قاعدة ضرورة احترام الجميع لمشاعره.
4- وبدوره علمنا أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - درسًا في هذه الواقعة، إذ علم بمعاناة ابنته فأرسل إليها خادمًا لعلف الفرس وسياسته رحمة بها. وهذا يوضح الدور المطلوب من كل مسئول - الأب أو الزوج أو الحاكم - فى كفالة النساء وإعفائهن من العمل الشاقِّ خارج المنزل، وإعانتهن على التفرغ لما هو أهم بكثير وهو رعاية وتنشئة الأطفال وحسن القيام على راحة زوجها وشؤون بيتها.
وبمثل هذه الأخلاق والقيم ربَّت أسماء فحلين من فحول الإسلام هما ولداها الخليفة البطل عبد الله بن الزبير، والفقيه العظيم عروة بن الزبير - رضي الله عن الجميع.
5- وفضلاً عن الاحتشام وتجنب الاختلاط ورعاية مشاعر الزوج تُعَلِّم السيدة أسماء نساء الأمة أن يسارعن بقبول أى حل أو وسيلة لتجنب العناء، وأن العمل خارج البيت كان لضرورة هى عدم وجود من يقوم به غيرها، فلما أذن الله بالفرج فرحت بذلك، واعتبرت إعفاءها من العمل الخارجى نعمة كبرى مثل نعمة العتق بالنسبة للعبيد والجواري: "فكأنما أعتقني" تقصد تفضل أبيها بإرسال خادم[4].
والخلاصة أنه يجوز الخروج للعمل فى حالات اضطرار المرأة إليه، وبشرط الاحتشام، وأمن الفتنة، وأن يكون العمل مشروعًا فى حد ذاته، وتجنب الاختلاط بالرجال الأجانب، وعدم تأثير ذلك سلبًا على بيتها وأطفالها وحقوق زوجها.
ضرورات اجتماعية
كما يجب على بعض النساء العمل فى التخصصات الضرورية مثل طب النساء والولادة وختان الإناث والتدريس للنساء فى جميع مراحل التعليم. وهناك أمثلة من السيرة العطرة للمجالات التى يجب أن تعمل فيها النساء:
(أ) فالمجال الطبى - كما ذكرنا فى الفصل الثانى - عملت فيه المرأة فى عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - فكانت "أم عطية" الأنصارية قابلة وخاتنة؛ أي: تمارس التوليد وعمليات ختان الإناث مثل طبيبات وممرضات النساء والولادة فى عصرنا. وكانت رُفيدة الأسلمية خبيرة فى الجراحات والإسعافات الأولية، وأذن لها النبى - صلى الله عليه وسلم - بإقامة خيمة داخل مسجده بالمدينة - وكانت عيادة - فى أوقات الطوارئ مثل غزوة الأحزاب، وكانوا ينقلون إليها الجرحى لتتولى إسعافهم. ومن الواضح أنه لم يكن بالمدينة - فى ذلك الوقت - رجال متخصِّصون في هذا المجال، ولو كان هناك أطباء لأمرهم النبى بعلاج سعد بن معاذ - رضي الله عنه - لكنه أمر - للضرورة - بنقل سعد إلى عيادة رفيدة التى حاولت إنقاذ حياته، ولكن قدر الله سبق جهودها المُكَثَّفة. ولا خلاف إذًا في ضرورة عمل النساء بالطب والتمريض لعلاج بنات جنسهن من مختلف الأمراض.
(ب) ولا نحسب أن هناك خلافًا كذلك فى جواز - بل ضرورة - عمل بعض النساء بالتدريس فى مختلف المراحل التعليمية لبنات جنسهن. وقد تقدَّم - بالفصل الثانى - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر الشفَّاء بنت عبد الله بتعليم السيدة حفصة الرُقية كما ذكر ابن سعد[5]، أو تحسين الخط كما ذكر آخرون.
وهذا دليل على وجوب أن تتولى النساء تعليم أخواتهن. ونعتقد أنه لا يجوز أن يتولى التدريس للنساء رجل طالما توافرت معلمات فى ذات التخصص وذات المرحلة الدراسية. ومَن لا يعجبه هذا فليراجع تقارير خبراء التعليم فى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الذين طالبوا بالفصل بين الجنسين فى جميع مراحل التعليم لتجنب المشاكل العديدة التى تحدث بسبب الاختلاط. ثم لماذا الإصرار على التعامل مع الجنس الآخر إذا كان هناك مَن يستطيع القيام بذات العمل من النساء لأخواتهن، ومن الرجال لإخوانهم؟!!
(جـ) يمكن للنساء العمل في ميدان الإمدادات الغذائية والطبية للجيوش فى حالة قلة أعداد الرجال. روى البخاري وغيره عدة أحاديث تثبت مشاركة النساء فى الأعمال المساعدة للجيش فى الغزوات. ومنها أن عمر - رضي الله عنه - أعطى ثوبًا غاليًا لأم سليط وهى والدة أبى سعيد الخدرى - رضي الله عنهما - ورفض أن يعطى الثوب لزوجته أم كلثوم بنت على، وقال الفاروق العظيم: "أم سليط أحق به"، وعلل هذا بأنها ممن بايع النبى - صلى الله عليه وسلم - وكانت تُصْلح القِرَبَ - أوانى للشرب - للناس فى غزوة أحد. وروى البخاري عن الربيع بنت معوذ - رضي الله عنها - قالت: كنا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - في الغزو نسقى ونداوى الجرحى ونرد القتلى إلى المدينة؛ أي: نقل أجساد الشهداء.
وروى البخاري عن أنس - رضي الله عنه - قال: "لما كُنَّا يوم أُحد انهزم الناس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - ولقد رأيت عائشة بنت أبى بكر وأم سليم، وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما - الخلاخيل - تنقلان القِرَب على متونهما - تحملان الماء - ثم تفرغانه فى أفواه القوم، ثم ترجعان فتملأنها - من البئر - ثم تجيئان فتفرغانه - الماء - فى أفواه القوم.
ومن هذه الأحاديث وغيرها نستدل على جواز عمل المرأة فى ميدان الإغاثة والإمدادات الغذائية والطبية عند الحاجة والاضطرار إلى ذلك لانشغال الرجال بالقتال أو فى أوقات الكوارث الطبيعية كالزلازل والأعاصير والبراكين وغيرها.
(د) أسند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مهمة الإشراف على سوق المدينة وضبط الأسعار والضرب على أيدى التُجَّار المتلاعبين للسيدة الشفَّاء بنت عبد الله، وكانت تجيد القراءة والكتابة والحساب، وكانت شديدة الحزم مع المنحرفين وأرباب الغش والاستغلال، وحققت نجاحًا باهرًا فى منع احتكار السلع وتوفير المواد التموينية للمسلمين.
(هـ) وقد رَغَّبَ الإسلام فى كفالة الأرامل والمساكين ليصونهن عن المذلة والمهانة وربما سلوك طريق الرذيلة إن لم يجدن عونًا من المجتمع الإسلامي. روى البخاري وأبو داود قوله عليه السلام : "الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله أو كالذى يصوم النهار ويقوم الليل" فأى أجر أعظم من أجر الجهاد أو العبادة الدائمة طوال العمر؟!!
وروى البخاري - في باب غزوة الحديبية - عن أسلم مولى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه: "خرج مع الفاروق إلى السوق فلحقت به امرأة شابة وقالت له: يا أمير المؤمنين هلك زوجى - مات - وترك صبية صغارًا، والله لا يُنْضِجون كُراعًا - أي: لا يجدون حتى حوافر شاة أو عظامًا يطبخونها - ولا لهم زرع ولا ضرع وخشيت أن تأكلهم الضَّبُع، وأنا بنت خُفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبى الحديبية مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوقف معها عمر ولم يمضِ - لم يواصل السير - وقال: مرحبًا بِنَسَب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير - قوى الظهر - فحمل عليه غرارتين ملأهما طعامًا - جوالين ملأهما بالدقيق والتمر وغيره من الطعام - وحمل بينهما نفقة وثيابًا، ثم ناولها خطام البعير ثم قال اقتاديه - بما عليه - فلن يفنى - الطعام الذى أعطاها - حتى يأتيكم الله بخير" يعنى أنه سيعطيهم طعامًا ونفقة أخرى قبل أن ينفد ما أعطاهم. وهناك قصته الشهيرة مع الأعرابية التى وضعت ماءً على النار لتعلل به صبيانها الجياع حتى يناموا، فحمل عمر الطعام إليهم على ظهره - رضي الله عنه - كما تقدم فى فصل الحقوق المالية. وهذا يدل على وجوب قيام الدولة بإعاشة الأرامل والأيتام من الخزانة العامة أو بيت مال المسلمين. فلو قامت الدولة الإسلامية بواجباتها تجاه هؤلاء الأرامل والأيتام والمساكين ما احتاجت النساء إلى العمل خارج البيت، وهذا إن لم يكن لها ولى. فإن كان للأرملة أو المطلقة أب أو أخ أو ابن ميسور الحال فإن عليه أن يعولها وبذلك لا تحتاج إلى العمل بدورها.
وهكذا نجد أن المرأة - إذا طبّقنا ما جاء به الإسلام كاملاً - لن تحتاج إلى بذل ماء وجهها وربما ما هو أكثر. فسوف يكون لها فى كل الحالات من يكفيها مئونة طلب العيش والارتزاق خارج بيتها.
تقسيم فطرى
ليست النصوص وحدها هى التى تضع تقسيم العمل بين الرجال والنساء على هذا النحو، بل الفطرة السليمة والتفكير العقلى والعلمى البحت أيضًا.. وتسأل كل امرأة عاقلة سوية: ما هو الأفضل عندك: أن تجدي من يرعاك ويلبى كل احتياجاتك وأطفالك، فترتاحين في ظله من التعب والعناء والشقاء خارج البيت، وتتفرغين لرعاية وتربية وتنشئة فلذات أكبادك - وهم أغلى ما تملكين - أم أن تكونى وحدك فى صراع جنونى لتوفير الطعام والشراب والكساء والدواء وغيرها من ضروريات الحياة؟! وقطعًا ستضطرين إلى الابتعاد عن أطفالك معظم ساعات اليوم، ويظل القلق عليهم والهواجس بشأنهم تعصف بك إلى أن تعودين ليلاً مرهقة مكدودة غير قادرة على تأدية أية أعمال منزلية أو مساعدة الأطفال على الاستذكار أو حل أية مشاكل تواجههم؟!
وهل تتحملين - فى سبيل العمل خارج البيت - أن يحدث لأطفالك ما نطالعه فى وسائل الإعلام يوميًا - من جرائم قتل وخطف واغتصاب لأطفال لم يكن معهم أحد من ذويهم؟!
لا أظن أن جواب أية سيدة عاقلة سيكون شيئًا آخر سوى الرفض المطلق حتى لمجرد الخروج من البيت وترك الأطفال بمفردهم لأى سبب. ونحسب أن غريزتها كأم لن تتغلب عليها أية مزاعم علمانية من قبيل الاستقلال عن الرجال أو تحقيق الذات أو التمتع بالحريات إلى آخر هذه السخافات. وإذا كانت الحكمة هى وضع الشىء المناسب فى موضعه المناسب، فإن عين الحكمة فى مجال العمل أن يتم إسناد رعاية وتربية وتعليم الأطفال إلى الأم، فهي أقدر من الرجل وأكثر براعة - بحسب قدراتها ومؤهلاتها الفطرية - على القيام بهذه المهمة الجليلة، ولا شك أن الرجل يفشل فى هذا المضمار، لأن الله - تعالى - خلقه - بحسب الغالب -خشنًا صلبًا مؤهلاً للقيام بالأعمال الشاقة ذات المجهود البدنى والعقلي، أما هي فخلقها الله حنونًا ناعمة دافئة المشاعر ليؤوى إليها الصغار، وينامون على صدرها فى سكينة وسعادة لا تُقدران بكل ما فى الوجود من أموال وأعمال. ولن تستطيع الخادمة أو دور الحضانة أن تكون بديلاً للأم فى هذا المضمار، فليست النائحة المُستأجرة كالثكلى كما قيل بحق.
ومَن لا يعجبه هذا فليقل لنا: لماذا جعل الله الحمل والولادة ثم الإرضاع من مهام المرأة ولم يجعل للرجل شيئًا من ذلك؟! أليس هذا دليلاً كافيًا على أن الله خلقها لوظائف هامة تختلف عن تلك التى كَلَّف بها الرجل؟!
أرجو ألا يكون الجواب هو المطالبة بتعديلات جسدية وعمليات جراحية لإجبار الرجال على الحمل والولادة والإرضاع لتحقيق المساواة العلمانية الخيالية بين الجنسين!!!
ثم لماذا يُضطر 70% من العاملات فى أمريكا وحدها إلى ترك العمل ومحاولة إيجاد وظائف أخرى؟! تقول الإحصاءات أن السبب الرئيسى فى معظم الحالات هو تعرضهن للاغتصاب أو التحرُّش الجنسي من الزملاء الرجال، ويحدث هذا حتى للشرطيات هناك!!! وهذا كافٍ لإظهار عظمة النظام الإسلامى فى حماية المرأة وصونها داخل البيت فلا تعمل إلا للضرورة القصوى!!
ولا يعلم كثيرون أن عددًا من المفكرين البارزين فى الغرب قد توصلوا إلى أن الأفضل هو تفرغ المرأة لبيتها وأطفالها.
• ومنهم الفيلسوف الفرنسى الكبير "أجوست كومت" مؤسس علم العمران والفلسفة الوضعية الذى قال فى كتابه "النظام السياسي" ما يلي: "ينبغى أن تكون حياة المرأة فى بيتها، وألا تُكلَّف بأعمال الرجال؛ لأن ذلك يحول بينها وبين وظيفتها الطبيعية ويفسد مواهبها الفطرية. ويجب على الرجال أن ينفقوا على النساء دون أن ينتظروا منهن عملاً ماديًّا، كما ينفقون على الكُتَّاب والشعراء والفلاسفة. فإذا كان هؤلاء يحتاجون لساعات كثيرة من الفراغ لإنتاج ثمرات قرائحهم، كذلك تحتاج النساء إلى مثل تلك الأوقات ليتفرغن فيها لأداء وظيفتهن الاجتماعية من حمل ووضع وتربية. ومن جهة أخرى فإنه لو سمحنا للنساء - على ضعفهن - أن يشتغلن خارج بيوتهن، فإنهن سيتعرضن لمنافسة قوية من جانب الرجال، فلن ينلن - فى وجود الرجال - سوى الأعمال الدنيئة التى ينصرفون عنها، وسيحصلن على أجور متواضعة، فيقعن في الفاقة، ولن يجدن إلا الفتات، فضلاً عن الضرر الفادح الذى يلحق بمجتمعاتهن بسبب خروجهن على نظام الطبيعة، وعصيانهن لنواميس الحياة الصحيحة"[6] انتهى.
ونلاحظ أن هذا الفيلسوف الكبير قد توصَّل بعقله وتفكيره المنطقى البحت إلى صحة وعظمة النظام الإلهى للأسرة، وأن أنسب حياة للمرأة هى تلك التى يكفلها لها الإسلام رغم أنه لم يكن مسلمًا. ولعله لم يجد الفرصة أو المعلومات الكافية فى عصره عن ضوابط عمل المرأة فى القرآن والسُنَّة النبوية المُطهرة. وهذا أبلغ فى الحُجَّة على المستشرقين، إذ هو مفكر وفيلسوف كبير من بنى جلدتهم ومن غير المسلمين، وقاده تفكيره - من حيث لا يدرى - إلى تأييد ما جاء به الإسلام من قرار المرأة فى بيتها إلا للضرورات، وتكليف الرجال بالإنفاق عليهن ورعايتهن وأطفالهن، وحمايتهن من الشقاء والعناء والفتن خارج البيوت.. ولو كان هذا المُفَكِّرُ مُسْلمًا لانهالت عليه قذائف العلمانيين والعلمانيات من كل مكان، ولكن لأنه من ذوى الدم الأزرق فلم يتجرَّأ كلب واحد على النباح أو حتى المواء أمامه كقطة مذعورة!!!
• ويعترف الباحث الروسى "أنطون لمالاف" - فى دراسة عن الاختلافات الفطرية بين الرجل والمرأة - باستحالة تحقيق المساواة بين الجنسين. يقول أنطون: "ينبغي ألا نخدع أنفسنا بزعم إقامة المساواة بين الجنسين فى الحياة العملية. فقد بذلنا فى الاتحاد السوفيتى ما لم يفعله أحد فى الدنيا ووضعنا القوانين فى هذا الإطار، ولكن الحق أن أوضاع المرأة فى الأسرة والمجتمع لم تتغير كثيرًا".
• ويقول "إليكسى كرين": "هناك فوارق بين المرأة والرجل من حيث الأفكار والإعداد الذهنى لتلقى المعلومات".
• وتقول "أنا ديما" المفوضة الأوروبية للشؤون الاجتماعية: إن مشاركة المرأة فى الشؤون الاجتماعية تزيد لكن ببطء شديد، ويُظهر عالم التجارة والأعمال التفاوت بين الجنسين بصورة واضحة، فإن عدد الرجال فى الشركات يبلغ أضعاف عدد النساء الموظفات فى كل أنحاء أوروبا!! وتضيف المفوضة الأوروبية بالنص: "التوفيق بين العمل والحياة الأسرية يعتبر عقبة كبيرة للموظفات فى الشركات، وكذلك مشكلة انخفاض أجر المرأة بأكثر من 16% عن أجر الرجل"!!
والطريف أنهم أقاموا احتفالاً كبيرًا فى سويسرا بمناسبة اليوم العالمى للمرأة. وكان من بين اللاتى تم تكريمهن فى هذا الاحتفال السيدة "براندا بارنيس" التى قررت التخلى عن وظيفتها المرموقة فى شركة عالمية للمشروبات، وكانت تتقاضى راتبًا سنويًّا قدره مليونا دولار!! وقالت براندا تفسيرًا لقرارها بالاستقالة رغم الراتب الضخم الذى خسرته: "اكتشفت أن راحة زوجى وأبنائى الثلاثة أهم من المنصب ومن ملايين الدولارات، وأن المنزل هو المكان الوحيد الذى أرتاح فيه وهو أكثر انسجامًا مع فطرتى وتكويني"!!
وذات الموقف تكرر فى انجلترا، فقد استقالت "بن هابى نيس" رئيس فرع شركة عالمية للمياه الغازية؛ لأنها تريد أن تنجب طفلاً وتصبح أمًا وتتفرغ لرعايته!!
والأغرب من هاتين الحالتين، أن رئيس تحرير مجلة (هى) المعروفة بدفاعها المستميت عن ضرورة خروج المرأة للعمل قد قدمت استقالتها لتجلس فى بيتها مع أولادها!!! وقالت رئيس التحرير المستقيل "ليندا كيسلى": "أنا لم أترك عملى بالمجلة بسبب حاجة أولادى إلىَّ، بل بسبب حاجتى أنا إليهم أكثر!! أريد أن أعيش مع أولادى فى بيتنا بهدوء وسكينة"!! وهكذا أنطق الله نساء الغرب بالحق وتحوَّلن إلى مدافعات عن نظام الأسرة كما وضعه الإسلام ولو بدون قصد أو علم منهن بذلك!!!
• وقال "صمويل سميث" المفكر البريطانى المعروف: "إن نظام تشغيل المرأة فى المعامل والمصانع مهما تسبب فى زيادة الإنتاج، فإن أضراره أكثر وأخطر؛ لأنه يهدم أركان المنازل ويُدَمِّر الأسر".
• وقالت جريدة لندن سروث: "البلاء كل البلاء فى خروج المرأة من بيتها لالتماس أعمال الرجال، فتكثر الشاردات عن أهاليهن، وتتضاعف أعداد اللقطاء من الأطفال غير الشرعيين فيصبحون عارًا وعبئًا ثقيلاً على المجتمع، وهكذا فإن مزاحمة الرجال ستلحق بنا الدمار".
• وقالت كاتبة شهيرة هى "مس أنى رود" فى مقال بجريدة ستون ميل: "عمل بناتنا فى البيوت خير وأخف بلاء من اشتغالهن فى المعامل والمصانع. أتمنى أن تكون بلادنا مثل بلاد المسلمين، تنعم المرأة فيها بالطهر والعفاف ورغد العيش ولا تمس فيها الأعراض بسوء" انتهى[7].
وكلام هؤلاء الكتّاب ومشاهير الغرب لا يحتاج إلى أى تعليق.
[1] محمد قطب - شبهات حول الإسلام - من ص 108-111 - طبعة دار الشروق - القاهرة - مصر.
[2] انظر تفسير الآيات المذكورة فى فتح القدير - الشوكانى - الجزء الرابع ص 218 وما بعدها - طبعة دار الوفاء بمصر، وتفسير ابن كثير - الجزء الثالث - ص 363-365 - طبعة المكتبة القيِّمة - مصر، والمنتخب في تفسير القرآن الكريم - ص 685و686 - طبعة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - مصر، وتفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبى.
[3] انظر" قصص الأنبياء" لابن كثير وأيضًا " قصص الأنبياء" المعروف بعرائس المجالس للثعلبى.
[4] راجع ترجمتها فى الطبقات الكبرى لابن سعد - الجزء الأخير.
[5] ترجمة السيدة حفصة - الطبقات الكبرى لابن سعد - الجزء الثامن - ص95 - الطبعة المصرية بتحقيق الدكتور حمزة النشرتى والدكتور عبد الحميد مصطفى والشيخ عبد الحفيظ فرغلى.
[6] أجوست كومت - النظام السياسى على مقتضى الفلسفة الوضعية - مشار إليه فى كتاب "من معالم الإسلام" - محمد فريد وجدى - ص134 - طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن مشروع مكتبة الأسرة.
[7] محمد صالح المنجد - وليس الذكر كالأنثى - ص49 وما بعدها - طبعة مكتبة سلسبيل - مصر - 2005م.
يتبع إن شاء الله ...
قال تعالى:{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } (آل عمران:28)
قال تعالى : { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون { (المجادلة:22) .
قال تعالى:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }(الممتحنة:8 ).
المفضلات