بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم آمين وإياكم ، وجزاكم بمثله خيرا!
أختنا الكريمة هذا سؤال رائع! ولكن يجب أن نعلم جدا لفهم ذلك ، ظروف وضع المرأة في ظل ظهور الإسلام ، فقد كانت المرأة قديما هي رمز العار والخزي ، كما قال تعالى عن أهل الجاهلية { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59)} [سورة النحل]
فربما رأي الكثير من الفقهاء ممن أجازوا تزويج الفتاة في سن صغير ذلك ضمانا لحمايتها وصيانتها من الفتنة ، بل توقيرها وإنتقالها من رعاية الأب إلى رعاية الزوج ، وجعلوا الأب في ذلك شاهدا ومقدرا لتلك المصلحة ، خاصة أن كل الأدلة في ذلك الأمر هي ادلة مأخوذة عن أحداث تاريخية وليست أوامر شرعية تأمر بوجوب زواج الفتاة الصغيرة ، مثل زواج النبي بالسيدة عائشة "رضي الله عنها"، بالرغم أن النبي نفسه لم يبني بها مباشرة بل إنتظر ثلاث سنوات كاملة لحين بلوغها "عن عائشة ، قالت : تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا بنت ست سنين . وبنى بي وأنا بنت تسع سنين." (الراوي: عائشة المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 1422 - خلاصة حكم المحدث: صحيح) ، وحتى الآية الكريمة {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق : 4] ، لمن فسر "اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ" بالصغار وليس كما فسرها البعض الاخر كالإمام فخر الدين الرازي: { وَ?للاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ } أي هي بمنزلة الكبيرة التي قد يئست عدتها ثلاثة أشهر. (*) ، فهي آيضا لا تأمر بذلك بل تشرع - إن ما كان هناك حالة واقعية زمنية لذلك - كما يقول تعالى في بداية تحريم الخمر{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ....} [النساء : 43] ، فلا يقول عاقل أن هذه الآية تجيز شرب الخمر؟!
بينما ادلة تحريم تزويج الفتاة الصغيرة دون علمها جبرا بل بكامل إرادتها هي أدلة توجيهيه كما امر النبي "لا تنكح الثيب حتى تستأمر ، و لا تنكح البكر حتى تستأذن ، و إذنها الصموت" (الراوي: أبو هريرة المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 7471 - خلاصة حكم المحدث: صحيح) ، لذلك بنى على هذا الحديث الواضح الصريح العديد من الفقهاء قولهم بتحريم تزويج الصغيرات كالإمام العلامة "ابن شبرمة" فقال:لا يجوز أن يزوج الصغيرة التي لم تبلغ أبداً، لأننا إن قلنا بشرط الرضا ، فرضاها غير معتبر ، ولا نقول بالإجبار في البالغة ، فهذه من باب أولى . وهذا القول هو الصواب ، أن الأب لا يــزوج بنته حتى تبــلغ ، وإذا بلغت فلا يزوجها حتى ترضى ...." . ثم قال " لكن هاهنا مسألة ، وهي أن المرأة إذا عيّنت من ليس بكفء ، فإن الأب لا يطيعها ، ولا إثم عليه ، ويقول : أنا لا أزوجك مثل هذا الرجل أبداً ، ولــكن إذا عينت كــفؤاً ، فعلى العين والرأس " ا هـ . باختصار. (*)
فالخلاصة حضرتك ، أن حتى من قال بذلك من الفقهاء لم يكونوا ليريدوا إحداث الضرر بالفتاة ، وإنما تحقيق المصلحة لها كما قال الإمام الشافعي ".... مالم يكن ضرراً بيِّنـاً....(*)"!
أقصد أختنا الكريمة على سبيل المثال ، حينما طلبت من حضرتك تقديم نصا قرآنيا صريحا أو حديثا نبويا صريحا يأمر بإكراه الفتاة على الزواج كما هناك حديث صريح يحرم ذلك كقول النبي "لا تنكح الثيب حتى تستأمر ، و لا تنكح البكر حتى تستأذن ، و إذنها الصموت" (الراوي: أبو هريرة المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 7471 - خلاصة حكم المحدث: صحيح)؟!
أعتذر جدا أختنا الكريمة إن كنت قد أحتديت في الحوار ، ولكن ذلك لما رأيته من نفسي لتكرار الرد على نفس الموضوع عدة مرات، دون إستجابة واضحة ، ولكن أعتذر لحضرتك تانية!
كما قلت حضرتك بنفسك سابقا أختنا الكريمة، أن ما يستدل عليه يكون من القرآن الكريم والسنة النبوية ، فطالما لا يوجد نصا واحد قطعي الثبوت قطعي الدلالة في تلك المسالة ، إذا فكلها أقوال فقهية ولا يرد عليها إلا بأقوال فقهية أخرى ، ونحن من نرجح بينها ، ولكن لا يجوز أن نختار رأيا نعترض عليه ، ثم نظل بعد ذلك نتحاور ضده! فلما أخترناه إذا نحن بأنفسنا وحريتنا بداية ولم نختار الاخر؟!
أختنا الكريمة ، كما قال النبي "لا ضرر ولا ضرار" (الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 1910 -خلاصة حكم المحدث: صحيح لغيره) ، فإن ثبت ضرر ذلك الأمر ، فهو بالإجماع حين إذا حرام ، كما قال الإمام الشافعي نفسه: ".... مالم يكن ضرراً بيِّنـاً....(*)"!
ومثال بسيط على ذلك ، كلنا يعلم أن حكم أكل الدجاج حلال! بينما إن وجد مرض مميت بها "كأنفلونزا الطيور" مثلا! فيحرم حينئذا تناولها للضرركما قال تعالى {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة : 195] ، مع أنها حلال في الأصل! ولكن القاعدة الثابته "لا ضرر ولا ضرار"!!
اللهم آمين وأياكم ، وتحت أمر حضرتك لو لديكم أي أستفسارات أخرى ، وفق الله تعالى الجميع لما يحب ويرضى!










رد مع اقتباس


المفضلات