الفصل الرابع
إقامة تجمع يهودي من شتات الأرض في فلسطين العثمانية.
لما كان اليهود يعيشون في جاليات منغلقة على أنفسهم في أوروبا بسبب ما أصابهم من اضطهاد في المجتمعات المسيحية
كان لابد من التفكير في إنشاء دولة تابعة, يسكنها اليهود وتكون عائقاً دون وحدة الشعوب العربية, وتكون عامل
امتصاص لقواها, وقد دعم هذه الفكرة أصحاب الملايين من اليهود, هذا بالإضافة إلى الاضطهاد الذي كانت تمارسه
الحكومات الأوربية معهم بسبب عزلتهم وقباحتهم ومحاولتهم إثارة الفتن والقلاقل ونشر الفساد في المجتمعات التي يعيشون فيها.
فإذا ما لاحت في الأفق فكرة إيجاد وطن مستقل يجمع اليهود, بادرت الحكومات كلها لمباركة مثل هذا العمل,
ليس حباً في اليهود وليس تأكيداً لتميزهم على العالم ـ كما يدعون ـ وإنما كان الباعث الحثيث وراء ذلك
هو محاولة تخليص المجتمعات الأوربية منهم, بعد أن فشلوا في إخراجهم من قوقعة الجيتو التي فرضوها على أنفسهم .
فكيف تم ذلك ؟.
1ـ في سنة 1838م قرر البريطانيون تعيين مستشاراً لهم في القدس افتتحوا أول قنصلية لهم في هذه المدينة ,
وخلال عشرين سنة تقريباً وثقت بريطانيا علاقتها باليهود في فلسطين وكان عددهم حوالي 9700 نسمة كما وثقت علاقتها مع الدروز بلبنان .
2ـ وفي عام 840 م كشف وزير خارجية بريطانيا آنذاك (بالمرستون) في رسالة وجهها إلى السفير البريطاني
في القسطنطينية عن طبيعة الوجود اليهودي في فلسطين الأمر الذي جعل السلطان عبد الحميد الثاني يتنبه لخطر
التسلل اليهودي إلى فلسطين, وعلى الفور أصدر السلطان أمراً إلى (رءوف باشا) متصرف القدس ليقوم بالتحري
عن اليهود في فلسطين ولاسيما في القدس الشرقية, ولا يبقي في الأرض المقدسة أحداً من اليهود إلا الذين قدموا
إليها بغرض الزيارة العابرة وألا يسمح لهؤلاء بالمكوث فيها إلا بمقدار الزمن المحدد للزيارة.
وفي عام 1888م أصدر الباب العالي فرماناً يقضي بمنع أية هجرة جماعية لليهود إلى أراضي الدولة العثمانية,
ولا يسمح للحجاج اليهود بقضاء أكثر من ثلاثة أشهر في فلسطين ومن ثم تآمر اليهود ضد السلطان ،
حتى تم خلع السلطان سنة 1909م, وكان ( كراسو ) اليهودي أحد الثلاثة الذين أعلنوا السلطان عبد الحميد بقرار الخلع .
3ـ ولقد حاول ( ثيودورهرتزل ) ربط الكيان الصهيوني المختلق بالمصالح الأوربية, حيث أوضح لوزير
خارجية بريطانيا اللورد (لاندسون) أن الإمبراطورية البريطانية عندما ترعى المساعي الصهيونية لا تكسب
مستعمرة غنية فحسب بل إنها ستكسب أيضا عشرة ملايين يهودي، يتوجهون إلى إنجلترا بقلوبهم,
وفي لحظة تستطيع أن تعتمد على عشرة ملايين مُوالٍ مخْلصٍ لها في جميع أنحاء العالم ،جميع هؤلاء سيكونون
رهن إشارة الأمة العظيمة التي ستمد لهم المساعدة المطلوبة, فيكون لإنجلترا عشرة ملايين عميل من أجل عظمتها
وسيطرتها, وأن هذا الولاء لابد أن يكون على الصعيدين السياسي والاقتصادي.
فهرتزل نفسه هو الذي كان يقول لأتباعه ( إن اليهودي الإنجليزي الذي ينشد ـ بحكم إنجليزيته ـ نشيد ( حفظ الله الملكة ),
كيف يمكن أن يكون في نفس الوقت صهيونياً ؟, إن الولاء يجب أن يكون لإسرائيل حتى ولو عاش في غيرها.
4ـ وفي 15 يونيو 1896عندما اعتلى السلطان عبد الحميد الثاني العرش كانت معظم أنحاء الإقليم العربي باستثناء
بعض المناطق الداخلية في شبه الجزيرة العربية التي ظلت عصية على الحكم العثماني , ضمن الولايات العثمانية ,
وفي هذه الأثناء جرت اتصالات بين السلطان العثماني وتيودور هرتزل بوصفه رئيس " الجمعية الصهيونية "
وكان الأخير يهدف إلى إقامة تجمع يهودي من شتات الأرض في فلسطين العثمانية في الوقت الذي كان فيه
السلطان عبد الحميد يستهدف معرفة حقيقة مخططات اليهود ومدى قوتهم وقدرتهم ومن ثم إنقاذ الدولة
من خطر اليهود الصهاينة في السلطنة ,وتناقش الوسيط مع السلطان عبد الحميد وكان ضمن ما تناقشا
فيه هو أن يتم تخصيص 150مليون ليرة ذهبية من أجل فلسطين.
رسالة هرتزل إلى السلطان عبد الحميدالثاني
"ملف وثائق فلسطينمن عام 637 إلى عام 1949، وزارة الإرشاد القومي، ج1، ص 133 -
134"
17 /6 /1901
اتباعا للخط الذى رأى جلالتكم من المناسب اقتراحه على اعتقدت ان منالواجب الحصول على مليون
ونصف المليون جنيه تركى حالا لتأخذ محل مهمة تصفية الدينوهى المهمة الصعبة إن لم نقل المستحيلة والتدبير
الذى عملته وأصدقائى هو حسبما يلى: يمكن جمع المليون ونصف المليون جنيه تركى بانشاء مصدر جديد للدخل حالا.
لكنه يجب أنيكون من نوع يجعل اليهود يدركون المشاعر الكريمة جدا التى يكنها صاحب الجلالةتجاههم فى قلبه الحنون.
بهذه الطريقة سوف نعد الطريق للاجراءاتالعتيدة.
من أجل هذه الغاية أصدقائى مستعدون لتأسيس شركة مشتركة الاسهم يبلغ رأسمالها خمسة ملايين جنيه تركى هدفها
تنمية الزراعة والصناعة والتجارة وباختصار الحياة الاقتصادية فى آسياالصغرى وفلسطين وسورية.
ومقابل الامتيازات الضرورية التى تمنحها جلالتكم سوف تدفع الشركة اشتراكا سنويا بستين ألف جنيه تركى
لحكومة جلالتكم وعلى أساس هذا الاشتراك المضمون برأسمال الشركة. يمكن الشروع بقرض يستهلك في واحدة وثمانين سنة
لن يكلف هذاالقرض شيئا لأن الشركة ستمتص الفائدة والاستهلاك وهى التى ستأخذ السندات ثم تستبدلهـا.
وما على الحكومة الا أن تسحب مليونا ونصف المليون جنيه تركى. ومفهوم بالطبع أن الشركة ستسجل
فى تركيا وأن المهاجرين اليهود الذين سوف تستقدمهم سيصبحون رأسا رعايا أتراكا خاضعين للخدمة العسكرية تحت راية جلالتكم المجيدة.
سيتاح الوقت بهذا المليون ونصف المليون جنيه لدرس الموارد الاخرى. للدخل ولاستثمارها. وقد تفضلتم جلالتكم بذكر الكبريت.
إن بين اصدقائى من يقدر أن يتولى المشروع. وبينهم من يستعد لبذل كل جهد لتقديم افضل الشروط لجلالتكم لتستعمل
مداخيل الكبريت كأساس لقروضأخرى بدون ارهاق دافع الضريبة كثيرا. الأسلوب نفسه يستعمل فى استغلال مصادر النفط والمناجم والقوى الكهربائية
سوف توضع عروض هذه المشاريع الأخرى بالتفصيل وتقدر حالما تأمرونجلالتكم أما مسألة الكبريت فيمكن
الاتفاق عليها الآن بينما المسائل الأخرى تحتاج الى مزيد من الدرس. وأسمح لنفسى أن أضيف إلى ذلك أن خدماتى
الخالية من أية مصلحة فى هذه المشاريع هى تحت تصرف جلالتكم حتى وإن كنتم لا تعتقدون أن من المناسب
البدءالآن وهنا في مشروع الشركة العثمانية – اليهودية. الكبيرة فى آسيا الصغرى. وفوق كل شئ على أن أبرهن لجلالتكم أننى خادم غيور ومخلص لااسأل.
اقتراح هرتزل للسلطان بإنشاء جامعة يهودية فى القدس
"ملف وثائق فلسطين من عام 637 الى عام 1949، وزارة الارشاد القومي،ج 1، ص 139"
اقتراح هرتزل للسلطان بانشاءجامعة يهودية في القدس
3 /5 /1902
لى الشرف أن أقدم لحكمة جلالتكم المتناهية الاقتراح التالى: أنى أدرك الصعوبة التى تواجه حكومتكم بسبب ذهاب
شبان تركيا لتلقى العلم فى الخارج وما يتعرض له هولاء الشبان منضياع خاصة فى تأثيرهم بالافكار الثورية مما يجعلالحكومة
أمام أحد أمرين. إما أنتحرم هؤلاء من التدريب العلمى
أو ان تعرضهم إلى مخاطر الغوايات السياسية. على أنهناك حلا للمشكلة،وأنا أسمح لنفسى بكل اتضاع أن. أقدم لحكمة جلالتكم هذاالحل.
إننا معشراليهود نلعب دورا هاما فى الحياة الجامعية فى جميع انحاء العالم والاساتذة اليهود يملأون جامعات البلدان كما أن هناك
عددا كبيرا من العلماء. والمتخصصين فى جميع الحقول التعليمية لهذا فاننا نستطيع أن نقيم جامعة يهودية فى امبراطوريتكم
ولتكن فى القدس مثلا عندها لن يضطر الطلاب العثمانيون الى الذهاب الى الخارج بل يبقون فى بلادهم ويتلقون فيها أفضل
التدريب وهم ضمن أحكام بلدهم، والجامعة اليهودية تقوم بتقديم أفضل ما تقدمه أحسن الجامعات ومدارس
التدريب المهنى ومدارس الزراعة. ولنتقدم مثل هذه المؤسسة الا ما هو الأفضل وعندها تقوم بدورها فى خدمة العلم والطلاب والبلاد.
فكان رد السلطان للوسيط " إذا كان هرتزل صديقك بقدر ما أنت صديقي فانصحه بألا يسير أبداً في هذا الأمر لا أقدر
أن أبيع ولو قدما واحدا من البلاد لأنها ليست لي بل لشعبي , لقد حصل شعبي على هذه الإمبراطورية بإراقة الدماء وسوف
نغطيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا لقد حاربت كتائبنا في سوريا وفي فلسطين وقتل رجالنا الواحد بعد الأخر
لأن أحداً منهم لم يرض بالتسليم وفضلوا أن يموتوا في ساحة القتال , الإمبراطورية العثمانية ليست لي بل هي
لشعبي كله ولا أستطيع أبدا أن أعطي أحداً أي جزء منها, ليحتفظ اليهود بملايينهم , فإذا قسمت الإمبراطورية فقد يحصل
اليهود على فلسطين من دون مقابل,إنما لن تقسم إلا على جثثنا ولن أقبل بتشريحنا لأي غرض كان..








رد مع اقتباس


المفضلات