بسم الله
صفحة رقم 5312 الي5318
الفصل السادس
الحملة الصليبية الثالثة(1189- 1192)
(وكان احتفاظ المسيحيين بمدائن صور أنطاكية، وطرابلس مما ترك في قلوبهم إثارة من الأمل. وكانت الأساطيل الإيطالية لا تزال تسيطر على مياه البحر المتوسط، متأهبة لنقل المحاربين الصليبيين إذا أدوا لها أجورها.
وعاد وليم كبير أساقفة صور إلى أوربا، وأخذ يروي في الاجتماعات التي تعقد في إيطاليا، وفرنسا وألمانيا قصة سقوط بيت المقدس، ولما قدم إلى ألمانيا تأثر بدعوته
فردريك بربروسه إلى حد دفع الإمبراطور العظيم وهو في سن السادسة والسبعين إلى الزحف بجيشه من فوره (1189)، وحياه العالم المسيحي كله وخلع عليه اسم موسى الثاني الذي سيشق الطريق إلى الأرض الموعودة.
ولما عبر الجيش الجديد مضيق الهلسبنت عند غاليبولي، واتخذ إلى أرض فلسطين طريقاً جديداً، كرر أخطاء الحملة الصليبية الأولى ومآسيها؛ واقتفت أثره العصابات التركية وأزعجته، وقطعت عنه المؤن، فمات مئات من رجاله جوعاً، ومات فردريك ميتة غير شريفة إذ غرق في نهر سالف الصغير في قليقية (1190)،
ولم ينج من جيشه إلا جزء قليل انضم إلى حصار عكا.
وكان ريتشارد الأول (الأنكتار) الملقب "قلب الأسد" قد توج من زمن قريب ملكاً على إنجلترا وهو في الحادية والثلاثين من عمره، فصمم هذا الملك على أن يجرب حظه مع المسلمين. وإذ كان يخشى أن يغير الفرنسيون في أثناء غيابه على الأملاك الإنجليزية في فرنسا، فقد أصر على أن يصحبه فليب أغسطس، ووافق الملك الفرنسي، وكان وقتئذ شابا في الحادية والعشرين من عمره،
وتلقى الملكان الشابان الصليب من وليم كبير أساقفة صور باحتفال مهيب في فيزلاي،
وأبحر رتشرد المؤنف من النورمان (لأن الإنجليز لم يشترك منهم في الحروب الصليبية إلا القليل) من مرسيليا،
وأبحر جيش فليب من جنوى على أن يلتقي الجيشان في صقلية (1190)، فلما التقيا فيها شجر النزاع بينهما واستسلما للهو وقضيا في نزاعهما ولهوهما نصف عام. وأغضب تانكرد ملك صقلية رتشرد، فانتزع هذا منه مسينا "بأسرع مما يتطلبه من القس ترتيل صلاة السحر"،
ثم ردها إليه نظير أربعين ألف أوقية من الذهب؛
فلما توفر له المال بهذه الطريقة أبحر بجيشه إلى فلسطين. وتحطمت بعض سفنه على ساحل جزيرة قبرص، وقبض حاكمها اليوناني على بحارة السفن وزجهم في السجون، فوقف رتشرد عندها بعض الوقت، وفتح الجزيرة، وأعطاها إلى جاي ده لوزينان ملك بيت المقدس المشرد.
وبلغ عكا في يونيه من عام 1191 بعد عام من مغادرته فيزلاي،
وكان فليب قد سبقه إليها. وكان حصار المسيحيين لعكا قد دام تسعة شهراً، وهلك فيه منهم عدة آلاف، ثم استسلم المسلمون بعد أسابيع قليلة من وصول رتشرد. وطلب المنتصرون من المغلوبين مائتي ألف قطعة لن الذهب (نحو 950.000ريال أمريكي)،
وأن يسلموا إليهم 1600 أسيراً من صفوة أهل المدينة،
وأن يردوا إليهم الصليب الحق.
ووعدهم أهل المدينة أن يجيبوهم إلى ما طلبوا؛
وأيد صلاح الدين هذا الاتفاق، وسمح للمسلمين من سكان عكا ما عدا الألف والستمائة السالفي الذكر أن يغادروا المدينة ومعهم من المؤن ما يستطيعون حمله.
ثم أصيب فليب أغسطس بالحمى فعاد إلى فرنسا وترك وراءه قوة فرنسية مؤلفة من 10.500رجل،
وأصبح رتشرد القائد الوحيد للحملة الصليبية الثالثة.
وبدأت وقتئذ طائفة من الوقائع المشوشة الفذة، تعاقبت فيها الضربات والمعارك مع التحيات والمجاملات؛ وأظهر فيها الملك الإنجليزي والسلطان الكردي بعض ما تتصف به حضارتاهما وديناهما من أنبل الصفات وأظرفها. وليس معنى هذا أن كلا الرجلين كان من أولياء الله الصالحين،
فقد كان في وسع صلاح الدين أن يكيل بكل ما لديه من باس الضربات المميتة لعدوه إذا بدا له أن أهدافه الحربية تتطلب هذا؛ وكذلك سمح ذو النزعة الروائية الشعرية لنفسه أن يفعل ما لا يتفق مع حياته النبيلة.
من ذلك أنه لما تباطأ زعماء عكا المحاصرة في تنفيذ شروط الاتفاق المعقود بينهم، أمر رتشرد أن تضرب رؤوس 2.500من الأسرى المسلمين أمام أسوار المدينة لينبه بذلك الأهلين إلى وجوب الإسراع في تنفيذ الشروط(35)؛
فلما بلغ هذا النبأ صلاح الدين، أمر بأن يعدم كل من يقع بعدئذ في الأسر أثناء المعارك مع الملك الإنجليزي. ثم بدل رتشرد نغمته، فعرض أن ينهي الحروب الصليبية بأن يزوج أخته جوان للعادل أخي صلاح الدين، ولكن الكنيسة عارضت هذه الفكرة فتخلى رتشرد عنها.
وأيقن رتشرد أن صلاح الدين لن يصبر على الهزيمة، فأعاد تنظيم قوته، وتأهب للسير ستين ميلاً نحو الجنوب بمحاذاة شاطئ البحر ليفك الحصار عن يافا التي كانت وقتئذ في أيدي المسيحيين ويحاصرها المسلمون، ورفض كثير من النبلاء أن يسيروا معه، وفضلوا أن يتخلفوا في عكا، ويحيكوا الدسائس للاستيلاء على عرش فلسطين، لأنهم كانوا واثقين من أن رتشرد سيستولي عليها. وعاد الجنود الألمان الإنجليزي ويفسدون عليه خططه الحربية؛ كذلك لم يكن العامة مستعدين لبذل جهود جديدة في سبيل فلسطين.
ويقول المؤرخ الإخباري المسيحي لحملة رتشرد الصليبية إن المسيحيين المنتصرين بعد هذا الحصار الطويل:
استسلموا للخمول والترف، وأبوا أن يغادروا المدينة المليئة بأسباب النعيم- أحسن أنواع الخمور، وأجمل الزانيات. وأطلق الكثيرون منهم لشهواتهم العنان فانحلت أخلاقهم ودنسوا المدنية بترفهم، حتى أصبح العقلاء يتوارون خجلاً من طيشهم ونهمهم(36).
وزاد الطين بلة أن رتشرد أمر ألا يصحب الجيش من النساء إلا الغسالات ممن لا يغرين الجند بالإثم. وعوض رتشرد عيوب جنوده بمقدرته الفذة على القيادة، وحذقه في الهندسة العسكرية، وشجاعته الملهمة في الميدان. وكان في هذه الصفات كلها متفوقاً على صلاح الدين وعلى سائر قادة الحروب الصليبية المسيحيين.
والتقى جيشه بجيش صلاح الدين عند أرسوف وانتصر عليه انتصاراً غير حاسم (1191)، وطلب مواصلة القتال، ولكن رتشرد سحب جنوده إلى داخل أسوار يافا، ثم عرض عليه صلاح الدين الصلح؛ وبينا كانت المفاوضات دائرة بين القائدين اتصل كنراد مركيز منفرات Conrad Marquls of Montferrat، الذي كان يتولى أمر صور، في مفاوضات مستقلة مع صلاح الدين، وعرض عليه أن يصبح حليفه، وأن يتولى على عكا ويردها للمسلمين، إذا وافق صلاح الدين على أن يتملك هو صيدا وبيروت. ولكن صلاح الدين أجاز لأخيه، على الرغم من هذا العرض، أن يعقد مع رتشرد صلحاً يترك للمسيحيين جميع ما كان بيدهم وقتئذ من المدن الساحلية، ونصف بيت المقدس. وبلغ من سرور رتشرد بهذه الشروط أن خلع على ابن السفير المسلم لقب فارس (1192)؛
لكنه حين سمع بعد قليل من الوقت أن صلاح الدين يواجه بعض المتاعب في الشرق، رفض شروطه، وحاصر داروم واستولى عليها، وتقدم حتى اصبح على بعد اثني عشر ميلاً من بيت المقدس.
ودعا صلاح الدين جنوده إلى حمل السلاح، وكان قد سرحهم ليستريحوا في فصل الشتاء،
وحدث الشقاق في هذه الأثناء في معسكر المسيحيين،
وأبلغهم كشافتهم أن الآبار التي في طريق بيت المقدس قد سممت، وأن الجيش الزاحف عليها لن يجد ماء للشرب، وعقدوا مجلساً للنظر فيما يجب أن يفعلوه، فقرر هذا المجلس أن يتخلوا عن بيت المقدس ويزحفوا على القاهرة البعيدة عنهم بنحو 250 ميلاً.
وكان رتشرد قد سئمت نفسه هذه الفعال، وعافتها، وملأ اليأس قلبه، فانسحب إلى عكا وأخذ يفكر في العودة إلى إنجلترا.
ولكنه لما سمع أن صلاح الدين عاود الهجوم على يافا، وأنه استولى عليها بعد يومين لا أكثر، أبى عليه كبرياؤه أن ينكص عن غرضه، وبعث في نفسه روحاً جديدة، وأقلع من فوره إلى يافا مع من استطاع أن يحشدهم من الجنود.
ولما وصل إلى الميناء نادى بأعلى صوته "الويل للقاعد!" وقفز إلى وسطه في البحر،
وأخذ يلوح ببلطته الدنمرقية الشهيرة ويقتل كل من يقف في سبيله،
ثم قاد جنوده إلى داخل المدينة، وأخرج منها جميع الجنود المسلمين. كل هذا ولم يكد صلاح الدين يعرف ما حصل
(1192). فلما عرفه استدعى القسم الرئيسي من جيشه لإنقاذ المدينة، وكان عدد رجاله يربو كثيراً على عدد جنود رتشرد الثلاثة الآلاف، ولكن شجاعة الملك وجرأته أكسبتاه النصر. ولما رأى صلاح الدين أن رتشرد راجلاً بعث إليه بجواد من عنده، وقال إن من العار أن يقاتل هذا الرجل الشهم راجلاً. وغضب جنود صلاح الدين من هذا العمل وأمثاله فلم يعودوا يطيقون صبراً عليه؛ وأخذوا يلومونه على أن ترك جنود حامية يافا أحياء ليقاتلوه فيها مرة أخرى.
ثم سار رتشرد آخر الأمر- إذا جاز لنا أن نصدق رواة القصة المسيحيين- أمام جيش المسلمين وحربته مدلاة إلى جانبه، ولكن أحداً لم يجرؤ على مهاجمته(37).
ثم تبدلت الحال في اليوم الثاني، وجاءت الإمداد إلى صلاح الدين، واستولى الملل مرة أخرى على رتشرد، وحبس عنه فرسان عكا وصور معونتهم، فأرسل بطلب الصلح من جديد. واشتدت عليه الحمى فطلب فاكهة وشراباً بارداً، فما كان من صلاح الدين إلا أن بعث إليه بالكمثرى والخوخ والثلج، وبطبيبه الخاص. وفي اليوم الثاني من سبتمبر 1192 وقع البطلان شروط صلح يدوم ثلاث سنين، وقسمت فلسطين قسمين؛ فاحتفظ رتشرد بجميع ما فتحه من المدن الممتدة على طول الساحل من عكا إلى يافا؛ وسمح للمسلمين والمسيحيين بحرية الانتقال من أحد القسمين إلى الآخر، وتعهد السلطان بحماية الحجاج المسيحيين إلى بيت المقدس على أن تبقى المدينة في أيد المسلمين (ولعل التجار الإيطاليين الذين يهمهم قبل كل شيء أن يسيطروا على الثغور البحرية، قد أقنعوا رتشرد بالتخلي عن المدينة المقدسة نظير استيلائه على المدن الساحلية). وأقيمت المآدب والألعاب احتفالاً بالصلح؛ ويقول صاحب سيرة رتشرد في هذا: "واله وحده يعلم مقدار السرور الذي ملأ قلوب الشعبين، وهو سرور يجل عن الوصف"(38). وزالت إلى حين الأحقاد من الصدور؛ ولما ركب سفينته إلى إنجلترا أرسل رسالته الأخيرة إلى صلاح الدين يتحداه، ويتوعده بأنه سيعود بعد ثلاث سنين ويستولي على بيت المقدس. وأجابه صلاح الدين بأنه إذا كان لابد أن تقطع يده فإنه يفضل أن يقطعها رتشرد (الأنكتار) لا أي رجل سواه(39).
وبعد
فإن اعتدال صلاح الدين، وصبره، وعدله قد غلبت بهاء رتشرد، وشجاعته، ومهارته الحربية؛ كما غلب المسلمون بفضل إخلاص زعمائهم ووحدتهم الزعماء الإقطاعيين المنقسمين على أنفسهم، والذين يعوزهم الولاء للغرض والإخلاص في المقصد؛
وكان قصر خط التموين من وراء المسلمين أعظم فائدة من سيطرة المسيحيين على البحار. وكانت الفضائل والأخطاء المسيحية أبرز في السلطان منها في الملك المسيحي؛
فقد كان صلاح الدين مستمسكاً بدينه إلى أبعد حد، وأجاز لنفسه أن يقسو أشد القسوة على فرسان المعبد والمستشفى؛ ولكنه كان في العدة شفيقاً على الضعفاء، رحيماً بالمغلوبين، يسمو على أعدائه في وفائه بوعده سموا جعل المؤرخين المسيحيين يعجبون كيف يخلق الدين الإسلامي "الخاطئ" في ظنهم رجلاً يصل في العظمة إلى هذا الحد. وكان يعامل خدمه أرق معاملة، ويستمع بنفسه إلى مطالب الشعب جميعها، وكانت قيمة المال عنده لا تزيد على قيمة التراب. ولم يترك في خزانته الخاصة بعد موته إلا ديناراً واحداً(40)؛ وقد ترك لابنه قبل موته بزمن قليل وصية لا تسمو فوقها أية فلسفة مسيحية :
"أوصيك بتقوى الله تعالى فإنها رأس كل خير؛ وآمرك بما أمر الله به فإنه سبب نجاتك؛ وأحذرك من الدماء والدخول فيها والتقلد بها فإن الدم لا ينام؛ وأوصيك بحفظ قلوب الرعية والنظر في أحوالهم، فأنت أميني وأمين الله عليهم؛ وأوصيك بحفظ قلوب الأمراء وأرباب الدولة والأكابر. فما بلغت ما بلغت إلا بمداراة الناس؛ ولا تحقد على أحد، فإن الموت لا يبقى على أحد؛ وأحذر ما بينك وبين الناس فإنه لا يغفر إلا برضاهم، وما بينك وبين الله يغفره اله بتوبتك إليه فإنه كريم ".
ومات في عام 1193 ولم يتجاوز سنه الخامسة والخمسين
.........................................
كل تقديري وتحياتي







رد مع اقتباس


المفضلات