الفصل السابع
المصطلحات والغموض
إن أي انحراف عن السنة ولو كان قليلاً فإنه يزداد مع الأيام , وتأتي الروافد من هنا وهناك باجتهادات خاطئة أو تصورات باطلة فيتسع الخرق ويقوى الباطل , وقد وقع المتصوفة منذ نهاية القرن الثالث الهجري بمشكله المصطلحات الغامضة المبهمة التي يستطيع كل متصوف تفسيرها حسب ما يشاء فالمبتدئ يفسرها تفسيراً بريئاً والمتعمق منهم يفسرها حسب غلوه وضاله , وهذه المشكلة ( المصطلحات ) وعدم وضوحها هي من أسباب ضلال الأمم قبلنا , فالكلمات التي تحتمل الصواب والخطأ هي من بعض أسباب وقوع النصارى في القول بإلوهية المسيح عليه السلام, فعندما يقول سبحانه عن عيسى ( وروح منه ) فهذا لا يعني أنه جزء منه بل هذه إضافة تشريف , كما يقول تعالى ( ناقة الله ) أو كما يوصف أحد الصحابة بأنه ( أسد الله ) أو ( سيف الله ) أو قوله تعالى ( سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه ) ولذلك حذر القرآن الكريم في إتباع المتشابه وأنه يجب رد المتشابه إلى المحكم , والمحكم : ( قل هو الله أحد , الله الصمد , لم يلد ولم يولد ..) قال الإمام أحمد: بكلمة ( كن) كان عيسى عليه السلام وليس هو الكلمة نفسها , وقال تعالى في حق بني إسرائيل ( ولا تلبسوا الحق بالباطل ) .
تكلم المتصوفة في مصطلحاتهم عن الفناء والبقاء والصحو والمحو , والتجريد والتفريد و وهي ألفاظ تحتمل الحق والباطل , بل هي أقرب إلى الباطل , وقد اعترف مؤلفوهم باستحداث مصطلحات خاصة بهم .
قال أبو بكر الكلاباذي " إن للقوم عبارات تفردوا بها , واصطلاحات فيما بينهم لا يكاد يستعملها غيرهم " ومن أوائل من تكلم بهذه المصطلحات أبو حمزة الصوفي البغدادي ( ت 296ﻫ) والبسطاني وأبو سعيد الخراز ( ت277 ﻫ) .
وهذه أمثلة لبعض مصطلحاتهم وتعريفهم لها ثم نتكلم عن الآثار المترتبة عليها :
الفناء:
هذه كلمة مبهمة مجملة قد تعني وجهاً باطلاً بل كفراً وهو ما يسمونه ( الفناء عن وجود السوّي ) أي ليس موجوداً إلا الله سبحانه وكل ما عداه ليس له وجود حقيقي , وهذه هي وحدة الوجود.
وقد تعني هذه الكلمة ( الفناء ) أن يغيب عن الناس والخلق ولا يشهد سوى الله ويقع في ( الغيبوبة ) ويغيب حتى عن العبادة , وقد يتوهم أنه صار هو والإله شيئاً واحداً " ويظن أنه تضمحل ذاته في ذاته وصفاته في صفاته " [ البقاعي : تنبيه الغبي / 81 . وقد يسمونه: الجمع أو السُكر وهذا إذا عاد إليه عقله يعلم أنه كان غالطاً في ذلك وأن الرب رب والعبد عبد] .
وقد تعني هذه الكلمة ما يسمونه ( الفناء عن إرادة السوى ) أي لا يحب إلا الله ولا يوالي إلا فيه ولا بيغض إلا فيه , فهذا صحيح وإن كان لا يسلم لهم بالتعبير بـ ( الفناء ) لأن فيه كما قلنا غموض واشتباه , وأما الفناء الذي يسمونه فناء النفس عن التشاغل بما سوى الله فلا يسلم لهم أيضاً " بل أمرنا الله بالتشاغل بالمخلوقات ورؤيتها والإقبال عليها "[ الذهبي : سير أعلام النبلاء 15/393.].
الجمع والفرق:
قالوا عن الجمع أنه إشارة إلى حق بلا خلق, والفرق إشارة إلى خلق بلا حق. ويقصدون أن الفرق هو ما يكون كسباً للعبد من إقامة العبودية لله , والجمع هو مشاهدة الربوبية , والجمع قريب من الفناء بالمعنى الأول الذي هو وحدة الوجود .
السكر والصحو:
قالوا عن السكر : حال تبدو للعبد لا يمكنه معها ملاحظة السبب ولا مراعاة الأدب[ الكلاباذي : العرف / 114 .], والصحو هو رجوع العارف إلى الإحساس بعد غيبته وزوال إحساسه[ الجرجاني : التعريفات /132 .],
العشق :
واستحدثوا هذه الكلمة وهذا لا يوصف به الرب تبارك وتعالى ولا العبد في محبته ربه.
هذه نماذج من مصطلحاتهم وهي كثيرة جداً و كلها رموز وألغاز فتكلموا عن الحال والمقام والعطش والدهش , وجمع الجمع ... الخ , وإذا أخذنا واحدة من هذه المصطلحات لنرى هل هي صحيحة من ناحية شرعية ؟ هل الفناء عن المخلوقات وعدم التشاغل بها من الإسلام ؟ والجواب بالنفي لأن الله يقول : " قل انظروا ماذا في السماوات والأرض " وقال عليه السلام " حبب إلي من دنياكم النساء والطيب " وكان يحب عائشة وأباها ويحب أولاد ابنته الحسن والحسين , ويجب العسل , ويحب وطنه , ويحب الأنصار ... "[ الذهبي : سير إعلام النبلاء 15/394 .].
وأما محاولتهم للفناء في الله فهذا مستحيل , لأن الله سبحانه هو الخالق وهم مخلوقون , فكيف يتحد المخلوق بالخالق ؟ وقد يحاولون التمويه فيقولون ( بالصحو بعد المحو ) ( أو الفرق في الجمع ) أي أن يرجع الإنسان إلى حال العبودية وقد يتكلمون هذا باللسان فقط أي أنه رجع إلى العبودية .
والحقيقة أن كل هذا أوهام , والإسلام يحث على حفظ العقل , فكيف يسعى مسلم لزوال عقله , والصوفي عندما يتحدث عن أسرار الربوبية يحاول شيئاً لا يطيقه الإنسان , لذلك سيصل إلى كارثة ( وحدة الوجود ) التي هي كفر , ويفقد فيها الاتزان النفسي , وهي نزعة خفية عند الإنسان الذي لا يخضع للوحي وهي نزعة التكبر والتأله , ويحاول أن يأت بها عن طريق ( وحدة الوجود ) وهي نزعة فرعونية عندما قال " أنا ربكم الأعلى " .
إن فكرة ( الفناء ) موجودة في الديانة البوذية وتسمى عندهم ( نرفانا) وربما أخذها الصوفية عنهم .
النتائج المترتبة على مثل هذا الخلط :
1ـ إن الدخول في هذه المتاهات يبعد المسلم عن العلم النافع والعبادة والعمل فيتكلم في أشياء ليس لها وجود ولا تعني في عالم الواقع شيئاً , والمسلم مأمور بإعمار الدنيا لتكون جسراً إلى الآخرة وهذه المصطلحات تسيطر على الجاهل وتربك العاقل إذا لم يكن دينه قوياً .
2ـ ليس في الإسلام أسرار , فالقرآن واضح , والسنة واضحة , وهذه الألغاز تجعل الدين وكأنه بحاجة إلى (هيئة) لحل هذه الأسرار , ويتحول الأمر إلى باطنية تفسر كل شيء حسب أهوائها فكل شيء نسبي , وذاتي " ولذلك يمنعون من قراءة كتبهم لكل أحد "[ حقائق التصوف /527 .].
3ـ إن الاسترسال في هذه المصطلحات سيؤدي حتماً إلى عقيدة ( وحدة الوجود ) وهذا انسلاخ من الدين , فالمسلمون يرجعون إلى الكتاب والسنة , والصوفية يرجعون إلى الذوق والكشف والخيالات وكلام مشايخهم, وهذا أمر مشكل لأن لكل إنسان ذوق فالنصراني يتذوق التثليث , والمشرك يتذوق الشرك ... الخ .
كما تتميز هذه المرحلة عند الصوفية بما يسمونه ( المقامات ) كالتوكل والرضا.. وانحرفوا فيه أيضاً عن الفهم الإسلامي الصحيح , فالتوكل عندهم هو عد الأخذ بالأسباب , قال الهروي : " التوكل في طريق الخاصة عمىً عن التوحيد ورجوع إلى الأسباب " ويقول أبو سعيد الخراز " كنت في البادية فنالني جوع شديد فطالبتني نفسي إن أسأل الله طعاماً , فقلت : ليس هذا من فعل المتوكلين "[ الكلاباذي التعرف / 150 .].
فهذا الشيخ خالف السنة في الخروج إلى البادية دون زاد , وفهم التوكل فهماً خاطئاً , والله سبحانه وتعالى خلق الأسباب وطلب من العباد الأخذ بها والمسلم لا يعتمد على الأسباب وحدها ولكن يفعلها ويتوكل على الله ويطلب النتائج من الله .
وقالوا عن مقام ( الرضا ) أنه الاسترسال مع القدر , فيكون مستسلماً لما يأتي من عند الله , وهذا الكلام تنقصه الدقة , فالمسلم لا يعترض على قدر الله كالمرض والفقر ولكن يدفع قدر الله بقدر الله , فهو يدفع المرض بالدواء ويدفع الفقر بالعمل والكسب . أما إذا كان هناك أمر ديني مثل الصلاة والصوم فلا يقول: أنا لا أصلي لأن الله لم يقدر لي الصلاة فهذا من الحيل الشيطانية, ويشبه كلام المشركين فالأوامر الشرعية يجب أن تنفذ والمصائب تدفع بقدر الله ويصبر عليها. والخلاصة أن هذه الألفاظ المستحدثة عند الصوفية هي كما وصفها ابن القيم " تسمع جعجعة ولا ترى طحناً " [ مدارج السالكين 3/437 .].








رد مع اقتباس


المفضلات