يتبع تاريـــــــــــــخ القدس وأحداثها

النبي موسى والأرض المقدسة:


(يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين).. هكذا حكى القرآن نداء موسى ـ عليه السلام ـ لقومه من بني إسرائيل بدخول بيت المقدس وما حولها، بعد أن نجاهم الله من فرعون وقومه ـ في القرن الرابع عشر قبل الميلاد تقريبا.

ولم يفهم بنو إسرائيل أن مهمة الناس تجاه رسولهم، بعد الإيمان به عن قناعة وطواعية، هي طاعة أمره، ولو شق على النفس، وصعب على الإمكانات المتاحة، فراحوا يخاطبون رسولهم الكريم موسى بما يخالف أدب الخطاب مع العظماء الذين اصطفاهم الله، فقالوا: (يا موسى إن فيها قومًا جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون).

فخافوا وجبنوا عن مواجهة قومٍ لمجرد أنهم يفوقونهم في ضخامة الجسد وقوة البنية، ولم يعلموا أن النصر لا تقف خلفه هذه الأسباب وحدها، فالعقيدة الراسخة، والهمة العالية، والحرص على إرضاء الله ـ تعالى ـ كل هذه قوى دافعةٌ تَسقط تحت أقدامها الفروقُ والمميزات الأخرى.



لقد تربّت هذه الأنفس على العبودية والذل حينما سخرهم الفراعنة للخدمة والأعمال الدنِيّة، وأبَى بنو إسرائيل ـ عندما أتيحت لهم الفرصة ـ أن يطلّقوا هذه العبودية، وذاك الجبن، واكتفوا بأن تتدخل اليد الإلهية لإنقاذهم من فرعون، أما هم فلن يفعلوا شيئا، ولو من أجل دخول الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم!! فقالوا: لنبيهم: (إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون).

وبهذه المعصية حُرِم بنو إسرائيل في هذا الجيل من تملك بيت المقدس، فشكاهم موسى إلى ربه (رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافْرُقْ بيننا وبين القوم الفاسقين)، فكتب الله عليهم التيه في أرض سيناء أربعين سنة، لم تنقطع فيها نعم الله عنهم، حتى ظهر جيل آخر أقرب إلى الله ـ تعالى ـ فقادهم يوشع بن نون تلميذ النبي موسى ـ عليه السلام ـ أول القرن الثالث عشر قبل الميلاد تقريبا ـ فدخلوا بلاد الشام، واستولوا على أريحا شرقي القدس، دون أن تتم لهم السيطرة الكاملة على الأرض المقدّسة، فقد تأجل ذلك إلى القرن العاشر قبل الميلاد، ليتحقق على يد داود ـ عليه السلام.


القدس عاصمةً لمملكة داود:


في عيون أهل الدنيا تعلو منزلة الملوك كل منزلة، وفي عيون طلاب الآخرة يرتفع مقام الأنبياء فوق كل مقام، وهذا داود ـ عليه السلام ـ قد جمع الله له الملك والنبوة معًا، فسجله التاريخ كواحد من الشخصيات العظيمة بالمقياسين الديني والدنيوي.

بزغ نجم داود في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، في وقت صراع بني إسرائيل مع الملك جالوت المسيطر على بيت المقدس، حيث طلب بنو إسرائيل من أحد أنبيائهم أن يختار منهم ملكا يقودهم لدخول بيت المقدس، فرضُوا بعد جدال لم يكن هناك ما يدعو إليه ـ بطالوت الذي اختاره لهم نبيهم بأمر الله ـ تعالى.

وقاد طالوت جموع بني إسرائيل الكثيفة لقتال عدوهم، ونفوس الإسرائيليين موزعة، ما بين طامع في نصر دين الله ـ تعالى ـ وطامع في تحقيق نصر لا يدفع له ثمنًا.. وفي الطريق تساقط من جنود طالوت كثير من أتباعه أمام الاختبارات، فخالفوا قائدهم، وجبنوا لِمَا رأوا من قوة جنود جالوت، فتقدم طالوت بنحو ثلثمائة من المؤمنين ثبتوا معه، وبرزوا لعدوهم في إيمان وشجاعة، وتضرعوا إلى ربهم أن يلبسهم الصبر ويرزقهم ثبات الأقدام والنصرَ على العدو، فمكن الله هؤلاء المؤمنين من رقاب عدوهم فغلبوهم، وطلع نجم داود حينما تقدم من جالوت الملك نفسه، فأرداه قتيلاً، وحسم المعركة لصالح العصبة المؤمنة سنة ألف وتسع وأربعين قبل الميلاد تقريبا.

من يومها أصبح داود عند بني إسرائيل ـ مؤمنهم وكافرهم ـ رمز المجد والنصر، خاصة أنه تولى الملك عليهم، وأقام دولة مسلمة عاصمتها بيت المقدس.

وحين دخل داود المدينة المباركة وجدها مقامة على الجانب الشرقي، فأقام في الجانب الغربي جزءًا آخر يكاد يكون مدينة وحده، وبنى فيه القصر، مستعينًا في ذلك بخبرة أهل بيت المقدس، وهم ذوو أصول سامية عربية.

وأكثر من ذلك أن الشعب في مملكة داود كان كثير من أفراده من اليبوسيين العرب، بل إن العهد القديم الذي يقدسه أهل الكتابَيْن يذكر أن داود عليه السلام - تزوج من هؤلاء العرب.

وتحت حكم داود بقيت القدس أربعين سنة عاصمة لدولة موحدة، ونشطت التجارة في المنطقة المحيطة في هذه الفترة.

وانتقل الملك بوفاة داود إلى ابنه سليمان ـ عليهما السلام ـ فبلغت المملكة أقصى اتساع لها في عهده.

يتبع